«باتت أسئلتي باعثة على التشكيك في ديني. ولم يعدم المشككون سنداً لذلك في أفكاري غير المألوفة وسلوكي. جملة أفكار من بينها الاتجاه السياسي الوطني، ورفض الكهنوت في الإسلام باعتباره طارئاً عليه، فلا حاجة إلى طبقة يتلقى منها الناس دينهم ويَعتبر أفرادها أنفسَهم أوصياء قيّمين على أفكار الناس وسلوكهم. والتشيّع لا قِبَلَ له بهذا. يضاف إلى هذه الأفكار مطالعة شبلي الشميّل وإسماعيل مظهر ذوي الاتجاه المادي، ومجاهرتي بهذه القراءة وطرحي انطلاقاً منها أسئلة تتناول مجمل الفكر الديني. أما اختلاف سلوكي، فكان ظاهراً في احتذائي مداساً أبيض في الصيف والعادة أن يكون أصفر، وفي عنايتي بقماش القنباز ونظافته وخياطته. وذلك كان موضع استهجان»

حسين مروة (١٩١٠-١٩٨٧) الذي مرّت ذكرى رحيله في 17 شباط (فبراير)، ولد شيخاً ومات طِفلاً: من العِمّة المعطّرة بالطيون العاملي، والجبّة الموشّحة بهديل الحمام في الصحن النجفي، الى الانتظام في الحزب الشيوعي وحركة «أنصار السلم» والتشارك مع محمد دكروب في تحرير مجلة «الثقافة الوطنية» التقدمية عام ١٩٥١ بإشراف فرج الحلو؛ من الأقصى إلى الأقصى على فالق زلازل صراع الأفكار، وهو في ذلك كلّه لم يخرج من عامليته ونجفيته، حتى حين اخترقت جسده عام ١٩٨٧ تلك الرصاصات الغادرة ليهوي فوق كتابه المرجع «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»... الكتاب الذي استخلص «أبو نزار» نواته من مقالات عن شخصيات تراثية فكرية وأدبية في الخمسينيات من القرن الماضي، ومن صلته بالتراث التي تطورت بعد تمكّنه من المنهج الماركسي، ليغني المكتبة العربية بسِفر ضخم يمثّل إحدى المحاولات القليلة للتخصص في كتابة مادّية واسعة ومعمّقة للتراث الفكري العربي والفلسفة العربية الاسلامية.


ترك حسين مروة مجموعة هائلة من الأبحاث والدراسات والمقالات في «الآداب» و«النداء» و«الثقافة الوطنية» والعشرات من المجلات والصحف العربية، اجتهد رفيقه الراحل محمد دكروب في نشرها في كتاب تحت عنوان «دراسات في الفكر والأدب» (الفارابي، ١٩٩٣). لم يترك حسين مروة لوناً من ألوان الأدب العربي الحديث إلا وأعمل فيه نظراً ونقداً وتمحيصاً في تفاعل مرن مع كل المدارس النقدية الحديثة، ومستضيئاً بمنهجه الماركسي الواقعي الذي لا يرى بنية العمل الفني وعلاقاته الداخلية معزولة عن شبكة العلاقات في البنية الاجتماعية الأوسع.
من حدّاثا العاملية، خرج الفتى الذي تتلمذ في فتوّته على يد الشيخ علي شرارة والسيد حسن محمود الأمين، ليدخل بعدها مدرسة النبطية التي قدمه مديرها الى السيد محسن الأمين، وليمّم النجف في السادسة عشرة. طاف مروة في حلقات الدرس النجفية الحوزوية، وبدأت الشبهات تحوم حول الفتى المهتم بقراءة الأدب في مجلات «الهلال» و«المقتطف» و«الرسالة» و«الثقافة». وصل مروة الى الحلقة الأخيرة من أصول الفقه، ليُفصل للمرة الأولى من المكتبة الدينية التي عمل فيها في مدينة العمارة بتهمة «نشر الزندقة والإلحاد بين الطلاب». يعود صاحب «عناوين جديدة لوجوه قديمة» لفترة صغيرة الى بيروت ويعمل مدرّساً في المدرسة العاملية، ثم يعود الى العراق مضمراً قراراً حاسماً بمتابعة العلم إلى نهايته مع عدم الانخراط في السلك الديني. بعد عودته إلى بغداد، حظي مروة بصداقات بين المثقفين واليساريين، وبدأ تحوله إلى الماركسية لدى قراءة «البيان الشيوعي» لماركس وأنجلز و«الدولة والثورة» للينين، وانخراطه في الانتفاضة التي عرفت بالوثبة الوطنية الكبرى عام ١٩٤٨. أُبعد حسين مروة من العراق بعدما حرمته السلطات من هويته العراقية، إثر كبح الانتفاضة، وبعدما فقد أوراقه الثبوتية اللبنانية، ليستدعيه كامل مروة للعمل في «الحياة» ويواظب على كتابة زاويته فيها سبع سنوات، ويترك العمل فيها عام ١٩٥٧ غداة مقتل نسيب المتني.
سمّي مروة عضواً للّجنة المركزية للحزب الشيوعي عام ١٩٦٨، وانتخب في المؤتمرات اللاحقة، ليقتصر عمله على صياغة البرنامج التثقيفي الحزبي من دون انخراط في العمل التنظيمي. يستذكر مروة قصة حدثت في النجف عن أستاذه بعدما نشر خواطره على شكل قطعة أدبية في جريدة: «استقبلنا بوجه بارد، ولم يترك لنا وقتاً للمسامرة وبدا مُغضبَاً، وأخذ يعظنا متجهماً عابساً. وحرنا في السبب بادئ الأمر، إلى أن تبيناه بعد ذلك. إذ رأينا القطعة منشورة في الجريدة، وتناهى لنا أن الشخص الذي حثّني على نشر القطعة عمد بسوء نية إلى شراء أعداد كثيرة وتوزيعها على أساتذتي على سبيل الوشاية. كان سيّئ الطوية، لكن كان له فضل أن أطلقني للكتابة وأنني صرت كاتباً»: إنها الكلمة وحدُها، بوجه التعصب والوشاية والطلقة التي هوت في سنين الحرب المظلمة تلك على جسد الشيخ لتشدّه إلى الموت، والطفل الذي يخرج من طيون الجنوب وحَمام النجف مشدوداً إلى الحياة، مشدوداً إلى قلمِه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا