معروفة جيداً الإلهة الأكادية- البابلية «تعامت» التي كان اسمها يُنطق بطرق مختلفة حسب اللهجات العراقية القديمة Tiamat, Têmtum. وهناك خلاف حول اشتقاق هذا الاسم. فهناك من يرى أنه مأخوذ من الكلمة الأكادية tâmtu التي تعني: البحر. لكنّ هناك من زعم أن الاسم أتى من الكلمة السامية الغربية tehom التي تعني: الأعماق، أو الجحيم. وهي تُربط عادة بالتنين التوراتي «لوياثان». وتبعاً لهذا، فقد تُرجم الاسم إلى العربية بعدة صيغ: تعامة، تهامة، تيامات، أو ما أشبه. ونحن لا نجد طريقة لتثبيت اسمها العربي بطريقة متفق عليها.

وفي ملحمة الخلق البابلي (إنوما إليتش = عندما في الأعالي)، كانت «تعامت» الكائن البدئي مع قرينها أبسو، الذي يعتقد أنه يمثل الماء السفلي. وقد ولَدت تعامت أبناء كثيرين، فأدى وجودهم إلى نزاعات وفوضى لا أول لها ولا آخر. لذا يعتقد أن «تعامت» هي إلهة العماء والفوضى البَدئية. أي أنها إلهة الكون قبل أن يخضع للتنظيم.
أما أنا، فأظن أن «تعامت» كانت تمثل الماء البدئي الأول قبل أن ينقسم إلى ماء ملح وماء عذب، وقبل أن ينقسم الماء العذب نفسه إلى ماء علوي (ماء المطر) وماء سفلي (ماء الينابيع والمياه الجوفية). فقد كان هذا الماء البدئي أصل الكون كله. تقول ملحمة الخلق البابلية:
«عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء
وفي الأسفل لم يكن هنالك أرض
لم يكن من الآلهة سوى آبسو أبوهم،
وممو، وتعامة التي حملت بهم جميعاً
يمزجون أمواههم معاً»
إذن، فقد كان الثلاثة البدئيون «يمزجون أمواههم معاً» في البدء. وكانت تعامة- تعامت رمزاً لهذا المزيج الهلامي البدئي. ومن هذا المزيج البدئي، خلق مردوخ الكون كله. بذا فالكون مائي في الأصل. وقد صوّرت الملحمة هذه العملية باعتبارها قتلاً لتعامت. لكن الحقيقة أن ما فعله مردوخ إنما هو خلق الكون كله من الماء البدئي لتعامت. فقد صنع من المزيج الهلامي الماء الملح والماء العذب، وخلق السماء والأرض. بذا فتعامت لم تُقتل، بل أعيدت صياغتها، ودخل النظام والقانون جسدها.
«ثم اتكأ الرب يتفحّص جثتها المسجاة
ليصنع من جسدها أشياء رائعة
شقّها، فانفتحت كما الصدفة
رفع نصفها الأول وشكل منه السماء سقفاً
وضع تحته العوارض وأقام الحرس
ثم جال أنحاء السماء فاحصاً أرجاءها
استقام في مقابل الأبسو
قاس الأب أبعاد الأبسو
وأقام لنفسه نظيراً له، بناءً هائلاً أسماه عيشارا

■ ■ ■

أخذ من لعاب تعامة
فخلق الغيوم وحمَّلها بالمطر الغزير
وخلق من لعابها أيضاً ضباباً
ثم عمد إلى رأسها فصنع منه تلالاً
وفجّر في أعماقها مياهاً
فاندفع من عينيها نهرا دجلة والفرات
■ ■ ■

ثم نزع عنها شبكته تماماً
وقد تحولت إلى سماء وأرض»
غير أن مقصد هذه المداخلة ليس الكشف عن رمز تعامت، بل البحث عن ضبط لاسمها بالعربية، ليس استناداً إلى الترجمات عن اللغات الأوروبية، ولا حتى إلى الترجمات عن الأكادية- البابلية، بل استناداً إلى نقوش شمال الجزيرة العربية ذاتها، التي يمكن القول، بشكل ما، إنها نقوش عربية قديمة. ففي أحد المواقع المخصّصة لعرض اللقى والمحفورات غير الشرعية، عثرت على حفر على الصخر يصوّر لنا هذه الإلهة.
في ملحمة الخلق البابلي، كانت «تعامت» الكائن البَدئي مع قرينها أبسو

لكن الأهم أن اسمها ذاته منقوش تحت الحفر بحروف واحدة من أبجديات شمال الجزيرة العربية التي ماتت في حدود القرن الثالث الميلادي، وحلت محلها الأبجدية العربية الحالية، التي تطوّرت عن الأبجدية النبطية، التي تطوّرت بدورها عن الأبجدية الآرامية. وبهذا، نكون قد عرفنا، ولأول مرة، كيف كان سكان شمال الجزيرة العربية، أي العرب القدماء عملياً، ينطقون اسم هذا الكائن الأسطوري.



وكما نرى في الصورة أعلاه، فالحفر يصوّر لنا أسداً، أو سبعاً من السباع، له رأس حية. وهذا يتوافق مع المصادر العراقية القديمة التي كانت تسمّي الحية «أسد التراب». والحفر يصوّر المنظور فقط. لذا تظهر فقط رجل واحدة ويد واحدة للسبع. وإذا استثنينا الرجل واليد والرأس، فهناك خطوط مستقيمة تقسم جسم هذا الكائن إلى سبع خانات. والرقم سبعة مرتبط بتعامت، التي يُعتقد أنها التنين السومري ذو الرؤوس السبعة، أي أن الرؤوس السبعة تحوّلت هنا إلى قطع سبع.

التنين السومري الشهير ذو الرؤوس السبعة. وهو كما نرى، خليطٌ من أسد وحية


لكن، وكما قلنا أعلاه، فإن الأهم من كل هذا أننا نجد تحت صورة هذا الوحش اسمه محفوراً بالأبجدية القديمة، أي بالمسند الشمالي. وأدناه تتبّعي للحفر وللنقش الذي تحته بالخط الملون.



النقش هو اسم الأسد- الحية في الأعلى من دون شك. أي أننا لسنا مع توقيع لصاحب الحفر، بل مع اسم المخلوق الأسطوري. وهو يقرأ من اليسار لليمين هكذا:



وبقراءة الحروف من اليمين لليسار نكون مع مصطفة الحروف هذه: ت ع ع ت م هـ .
ويمكن قراءة مصطفة الحروف هذه على أنها «تعْ عَتمه»، أو «تعّتمه» أو «تَعَعَتمه». وأنا ميال إلى أنه بالعين المشددة (تعّتمه). وهذا في الواقع قريب جداً من لفظ «تعامت» الشائع الآن. ذلك أن التاء في نهاية الكلمة تصير هاء حين تسكن في لغات لهجات شمال الجزيرة العربية. كما أنه قريب من الصيغتين: Tiamat, Têmtum .
بناءً عليه، يمكن القول إنّ أمر اسم المخلوق الأكادي قد حُسم. فقد كان يُنطق بالعين، وبالعين المضعّفة في أغلب الظن، في شمال الجزيرة العربية. بذا يجب استبعاد صيغة «تهامة» و «تيامات» كترجمة للاسم الأكادي- البابلي.
ولسنا ندري إن كان الاسم تعريباً للاسم الأكادي، أو أنه اشتقّ من فعل شمالي عربي قديم لكي يتوافق من الأسطورة الأكادية، التي هي أسطورة مشتركة. وإذا قد اشتقّ اشتقاقاً فهو من جذر «عتم» الذي يعطي عدة معان من بينها معنى الظلمة. وإن كان من معنى الظلمة، فهو يشير إلى العتمة المائية البدئية. لكن هذا ليس مؤكداً. فمن المحتمل أن الأمر يتعلق بمعنى الإبطاء في الجذر: «وحكى ابن بري؛ العَتَمةُ: الإبْطاءُ أَيضاً؛ قال عمرو بن الإطْنابة: وجِلاداً إنْ نَشِطْت لهُ عاجِلاً ليسَتْ له عَتَمه. وحمَل عليه فما عَتَّمَ أَي ما نَكَلَ ولا أَبْطأَ. وضرَبَ فلانٌ فلاناً فما عَتَّم ولا عَتَّبَ ولا كَذَّبَ أَي لم يَتَمَكَّثْ ولم يتَباطأْ في ضرْبه إياه» (لسان العرب). بذا لعل الاسم جاء من التعتّم بمعنى التلبّث والإبطاء والسكون. ولو صحّ هذا، لكان اسم «تعّتمه» جاء بمعنى الساكن. وربما يعني هذا الماء البدئي قبل أن يصير متحرّكاً فعالاً بتدخل مردوخ أو أمثاله من الآلهة.
وعلى أي حال، فهذا يجب أن يكون محل جدال لا محل حسم.
أخيراً، فقد بدأت تظهر صور أخرى لوحوش محفورة على الصخر يبدو أنها تمثل «تعّتمه». وإليك هذا الحفر الذي عثر عليه شخص يُدعى بدر الغيث.



والحفر كما نرى يصور أسداً ما، لكن رأسه أقرب إلى رأس حية- تنين، وعلى ظهره ما يشبه أن يكون تصميم معبد ما.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا