وراء فنجان القهوة الذي نتناوله في مقهى ما ثم نمضي، تاريخ طويل من الحروب والعبودية وصراع الشركات العابرة للحدود للسيطرة على إنتاج البنّ وتوزيعه، تاريخ حفّز مطامح أوروبا الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على الاستثمار في تجارة الرق، وصولاً إلى عولمة القهوة بوصفها المشروب الأكثر شعبية في العالم، والسلعة الثانية بعد النفط قيمةً. فالنفط هو المصدر الأول للوقود على الكوكب، أما القهوة فهي وقود إنتاجية العمل، وتالياً هما مصدران مكملان للطاقة في التجارة العالمية.

في رحلتها الملحمية إلى أرض البن من كولومبيا إلى غواتيمالا وهندوراس والبرازيل، تتبع كاثرين م. تاكر في كتابها «ثقافة القهوة» الصادر عام 2010 (انتقل حديثاً إلى العربية عن «دار فواصل»، ترجمة وفيق فائق كريشات) الخلفية التاريخية للقهوة. يتجاوز الولع بالقهوة حدود تحسين المزاج نحو روابط اجتماعية تقع خارج المنزل ومكان العمل، بوصفها مكاناً ثالثاً للنقاش والتواصل والصداقة، قبل أن تطيح سلسلة «ستارباكس» وأمثالها بأذرعها الطويلة ثقافة القهوة القديمة بنوع من الاحتكار العولمي، ليس في نوعية الخدمة فحسب، وإنما في شراء أسهم في شركات مزارع البن، وتقديم خدمة الانترنت في مقاهيها الخاصة، ما خلقَ دينامية مختلفة في تحدّي أعراف المقهى، و«الازدراء للسلطة التي ميّزت المقاهي الأولى في أوروبا». أمر أدى إلى تقسيمات طبقية في المعرفة الثقافية والميول والذوق، تبعاً لنوعية القهوة المفضّلة «اسبريسو أم لاتيه أم كابتشينو أم قهوة عادية» كنوع من الهوية.


هكذا قطعت الباحثة الأميركية آلاف الأميال للاطلاع عن كثب على حيوات مزارعي البن ومكابداتهم في العيش مقابل أجور بسيطة، فيما كانت الشركات تزيد أرباحها عن طريق علماء النفس وخبراء التسويق والدراسات الطبية بجرعات عالية من الحملات الإعلانية والشعارات التي تدعو إلى مزيد من استهلاك هذا الإكسير السحري. ستستعير إحدى شركات الإعلان عبارة قالها الرئيس الأميركي تيودور روزفلت عند انتهائه من كوب قهوة: «جيّدة حتى آخر قطرة». كما ستستبدل شركات استيراد القهوة الأصناف الفاخرة بنوعية أقل ثمناً، على حساب النكهة والرائحة، اعتقاداً منها أن المستهلكين لن يلاحظوا الفرق.
في تاريخها الطويل كمشروب شعبي، واجهت القهوة صراعات محتدمة مع المشروبات الغازية التي نافستها بقوة كمصادر للكافيين وفي مقدمها «الكوكا كولا». هذا المنتج الذي تمكّن بتوليفة من التسويق الاستراتيجي والحظ أن يصل إلى بلدان يفوق عددها البلدان التي وصلت إليها الأمم المتحدة. لكن الذوّاقة ما زالوا «يحنّون إلى ماضٍ أكثر أرستقراطية، ويحاولون استعادة حقبة بأكملها باختيارهم أصناف القهوة ذات الحبة الكاملة المعدّة بطاحونات البنّ العتيقة والتنوع في سلالات محددة من حبوب البن وتحميصها». تميط كاثرين م. تاكر اللثام عن المخاطر البيئية التي يخلّفها قطع الغابات لزراعة البن واستعمال المبيدات الكيميائية، بالإضافة إلى مشقة العمل، لكننا لا نرى فعلياً في المشهد العمومي سوى سفن الشحن والحاويات الضخمة التي تمخر المحيطات محمّلة بأكياس البن إلى البلدان السعيدة «إن تخيّلات شاربي القهوة للمزارع المدارية مسكونة بعمال سعداء، تغاير أحلام قاطفي البنّ بالمدن الساطعة والجيوب الملأى بالنقود». فهناك على الضفة الأخرى «سخام وتلوّث وظلم، وحلم الحصول على تأشيرة دخول». رحلة البنّ إذاً، هي تاريخ المرارة، قبل أن تتحوّل إلى أحد مظاهر العولمة، فقد زُرع البنّ على مدى خمسمئة عام في البلدان المدارية كي يُستهلك في الأقاليم المعتدلة، ما أدى إلى ربط شعوب مختلف المناطق والقارات بالتجارة والاستثمار والهجرة والغزو والانتشار الثقافي والديني «إن في كوبك عالماً من التاريخ» تقول. ولكن ما هي الاستعمالات الأولى للبنّ؟ تبعاً للسجلات، فإن رحلة الاكتشاف بدأت من الحبشة (أثيوبيا)، وحُملت النبتة السحرية عبر البحر الأحمر إلى اليمن، فاستخدمه أحد أتباع الطريقة الصوفية كي يعينهم على السهر من أجل قيام الليل، ثم انتشرت القهوة في العالم الإسلامي، لتبحر لاحقاً إلى أوروبا. أمر جذب الصراعات الاستعمارية على المنطقة، إذ وسّع العثمانيون إمبراطوريتهم في القرن الخامس عشر. وخلال القرن السابع عشر، غزوا اليمن وسيطروا على حقول البن في القرى الجبلية واحتكروا تجارته، قبل أن تصبح هولندا وبريطانيا قوتين بحريتين كبيرتين.
تبعاً للسجلات، فإن رحلة الاكتشاف بدأت من الحبشة وحُملت النبتة السحرية إلى اليمن

هكذا هرّب مغامر هولندي غرسة من ميناء عدن إلى امستردام، وزرعها في دفيئة، إلا أن التجربة فشلت ثم زُرعت في مستعمرة «جاوا» لتصبح أهم مركز لتصدير البن (يربط اسم القهوة بكلمة جاوا). وإذا بزراعة البن تسير مع الاستعمار جنباً إلى جنب، من دون أن نهمل العمل القسري لسكان المستعمرات المجلوبين من أفريقيا في ظروف لا إنسانية. وعلى المقلب الآخر نشبت ثلاث حروب بين الهولنديين والبريطانيين من أجل الهيمنة على تجارة البن والشاي في الهند، وفي الحرب الرابعة تمكّنت بريطانيا من هزيمة هولندا، فأصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية القوة التجارية الأولى في العالم آنذاك. حروب البنّ في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية أحدثت اضطراباً في الثقافات وطرق الحياة التقليدية وأدت إلى التهجير. وبحلول القرن الثامن عشر وبزوغ الثورة الصناعية، احتلت القهوة كمشروب ثمين مكانة مرموقة، ومن متعة للنخبة إلى مشروب للجميع، خصوصاً بنشوء الطبقة العاملة التي تحتاج إلى «انضباط بدني»، كانت القهوة أفضل وسيلة مساعدة ليقظة العمال في المصانع.
في البلدان الإسلامية، ستحرّم القهوة بفرمان من والي مكة العثماني (1511)، لأنها لم تُذكر في القرآن، حسب بعض الفقهاء، لكن السبب الأساسي للتحريم أتى من التجمّعات المريبة خارج المساجد، والخشية من أعمال الشغب. وسيعمَّم التحريم في ولايات أخرى مثل القاهرة والقسطنطينية، حتى إنّ السلطان العثماني مراد الرابع أغلق المقاهي وأمر بتقييد أصحابها والزبائن داخل أكياس وقذفهم في البوسفور، إلى أن أصبحت القهوة جزءاً أساسياً من الطقوس اليومية المعتادة. وأنت ترتشف قهوتك صباحاً، فكّر بآلام ملايين العمال في مزارع البنّ، إذ تُطحن حياتهم كل يوم من دون إعلانات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا