تنوّه القاصة الفلسطينية الأردنية رانية الجعبري في مجموعتها القصصية الجديدة «كما لا يحب أبي أن يراني» الصادرة حديثاً عن «دار نلسن»، أنها لا تقصد بهذا العنوان والدها بل السلطة الدينية التي أفهمت أباها أن تحرير فلسطين لا يتم إلا بتقييد حرية المرأة. ومن هنا، يأتي السرد وكأنه تتمة لهذا التنويه فيدور حوله، حيث تجري تفاصيل كثيرة في عالم المرأة وأجوائها وكأنه عالم سحري ومليء باللحظات التي تمسك بها القاصة وتظهرها أمامنا لتبدو المرأة عالماً مكتملاً بذاته، ومن مهمة السرد اقتحام هذا العالم.



هناك رغبة ما عند القاصة لجعل القصة القصيرة تنأى عن السرد الممل والطويل، فيبدو التكثيف طريقها نحو التخلص من زوائد القصة نفسها. ومن هنا تبدو حساسية المجموعة التي تبدأها القاصة بقصة بعنوان «صندوق البهجة». وكأنها مناسبة لتفتتح فيها الكاتبة عالم المرأة بالسؤال عن السعادة، فتنهي قصتها بسؤال شفاف: من أقفل صندوق البهجة؟ هي لحظة صادقة في جعل الأشياء تتحدث عن عالم المرأة الخفي كأن المسمار والصناديق وملقط الحواجب والسرير هي الشخصيات التي تعطيها الكاتبة القدرة على امتلاك المشهد. فتظهر هذه الأشياء وكأنها قادرة على أن تشعر بما تفتقده هذه المرأة. ففي قصة «ملقط الحواجب يستعيد ذاكرته»، تبدو المرأة غير مكترثة بملقط الحواجب وتريد أن تشتري واحداً جديداً، لكنها في عجلة من أمرها. وحين كانت تتأمل نفسها وهي تجتهد في إزالة شعرة صغيرة جداً حول فمها، باغتها الملقط بقبلة على طرف شفتها. تختار الكاتبة نهاية مباغتة وحنونة كأنها تجعل لأشياء المرأة القدرة على الإحساس بما يشغلها. وأحياناً، تبدو الأشياء عاجزة بينما تعطي المرأة أهمية لها وشعوراً بالأمان مع هذه الأشياء كفنجان القهوة مثلاً. ففي قصة أخرى معنونة «بلا شعور»، يتحدث فنجان القهوة عن عجزه بينما تمسكه المرأة وتقلبه في يديها، فيقول في نهاية القصة «يتملكني عجز كبير، وأنا الصفحة البيضاء التي كانت تخط الزمن، بتّ تائهاً بلا تلك الكفين اللتين تقلباني وتقرآن المستقبل».
تحاول رانية أن تقرأ مشاعر هذه الأنثى من خلال هذه الأشياء، فتقول في قصة أخرى بعنوان «الانتظار»، أن ورقة اللوز تهمس لأختها: «هل يدرك البشر بمحبتنا وترقبنا لتفاصيل حياتهم؟». تدخل إذن هذه الشخصيات الخفية إلى عالم السرد وتجعله يتحدث عن مشاعر غامضة كالانتظار والشوق.
وأما التمرد فكان خفيفاً جعلته الكاتبة يمر في تفصيل وفي قصة صغيرة حجماً جاءت بعنوان «صحو» وجعلت القاصة زينتها التي تهز عرش الرحمن تهز عرش الرجال في إحساس بسيط بأنها خرجت عن نصيحة أمها. تعطي تلك القصة إشارة إلى حجم التمرد في عالمها. رغم أنه بسيط، لكن دلالته كبيرة جداً وقد يعطي معنى كبيراً للعالم من حولها.
تختم القاصة مجموعتها بقصة بعنوان «مرايا» التي يشكل فيها العالم الافتراضي خلفية لعالمها الحميم في ظلام غرفتها، كأن هناك عالمين لهذه المرأة يتداخلان مع بعضهما البعض، ويشكل الواحد منهما خلفية للآخر. نقع على أجواء نعرفها، ونلاحظ أننا أمام تفاصيل تذكرنا أننا نحاول أن نكون حقيقيين في العالمين، وأن لا حدود في عالم المرأة، فقد أصبح يتسع، فالفيسبوك صار إحدى المرايا التي ترى فيها نفسها، ولكنها رغم ذلك لا تقع في وصف ممل لهذه الأشياء بقدر ما تنوه لوجودها وتعطي إشارات على قدرتها على أن تعطي معنى كبيراً لعالم المرأة وحياتها.
تجري تفاصيل كثيرة في عالم المرأة وأجوائها وكأنه عالم سحري


تطمح الكاتبة أن تأخذ القصة شكلاً آخر غير الاحتجاج أو البوح أو أن تعكس أسراراً أصبحنا نعرفها جيداً، بل هي محاولة لالتقاط تفاصيل تقول أشياء مختلفة عن أجواء نعرفها بلغة بسيطة وسلسة تبتعد فيها عن محاولات الحديث مع الآخر أو حتى استجدائه، فنجد السرير يحن للمرأة بينما يغار الرجل من سريرها، فلا نعثر عليها في عراك أو صراع معه حتى نعثر على تلك الجملة في قصة معنونة بـ«ليست طلاسم»: «ما تفكر به كان أبعد من صلاة أبيها» وهذه الجملة فعلاً تصف المجموعة، فهي تحاول أن تُبعد السرد عما يفكر به أبوها أو الرجل بالمعنى الأوسع، فتظهر المرأة في المجموعة ككائن مستقل ومكتمل. ومن هنا يبدو طموح القاصة في نسج لغة خافتة ولكن خارجة عن تصور الرجل، بالضبط كما تعنون مجموعتها «كما لا يحب أبي أن يراني». هي الرغبة إذن بتقديم المختلف عن رغبة الآخر وكما
يحب.
ولهذا ربما نفسر لجوءها إلى الأشياء، في جعل العالم الصامت يتحدث، وفي محاولة لكسر رتابة السرديات العاطفية وميلها إلى ابتكار عالم خاص نقرأه ونحن نعلم أنه في طريقه لأن يقول أشياء جديدة في مرات قادمة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا