قد يكون الشاعر العراقي عبد العظيم فنجان (مواليد الناصرية ـــ 1955) هو النموذج الأمثل لفكرة اختمار التجربة. فالرجل الذي صادف جنيّة الشعر باكراً، انتظر عامَه الرابع والخمسين ليصدر كتابه الشعري الأول «أفكّر مثل شجرة». في هذا العمل الذي صدر سنة 2009، نجد أنفسنا أمام قصائد طُبخت على نار هادئة. وبعد المجموعة الشعرية الأولى، ستتوالى أعماله الأخرى يشدّ بعضها يد بعض: «الحب حسب التقويم البغدادي» (2012)، «الحب حسب التقويم السومري» (2013)، «كيف تفوز بوردة» (2014)، «كمشة فراشات» (2016)، «الملائكة تعود إلى العمل» (2019). على مدار عشر سنوات من النشر فقط، سيجلس عبد العظيم فنجان على أريكة مريحة في مضافة الشعر العربي الراهن، من دون الحاجة إلى مؤسسات داعمة أو قطب سياسي راعٍ أو طاقم من صنّاع الأسماء. فقد تحوّل إلى أحد أكثر الأسماء الشعرية أهميةً في الداخل العراقي، وصارت له قاعدة من المحبّين والقرّاء من مختلف بلدان العالم العربي. لعبد العظيم فنجان مأساتُه التي يواريها خلف الكلمات، ذلك أنه يهرب من كل حضن للشفقة والمواساة. إنه شبيه بأولئك الموسيقيين، في فيلم «تيتانيك» الذين واظبوا على العزف على كماناتهم بينما السفينة تغرق. ففي الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن خلاص ما في بلاد صعبة، كان الشاعر يؤمن بأن خلاصه في الكتابة، مثلما آمن عازفو السفينة بأن خلاصهم في الموسيقى. لذلك سيختار أن يصدح بقصائد الحب، ويرفعَ النشيد عالياً في بلاد أنهكتها الحرب. من يقرأ نصوص عبد العظيم فنجان، سيدرك أنّه أمام شاعر «كان غريباً وخارج الوقت»، وفجأة «أشعل قشّ عمره بنار الأفكار». شاعر «عالق في صنّارة الكتابة مثل سمكة». إنه «مصباح مهمل في الأزقة، ومن شعلته الضئيلة يُشرق الفجر». وأنا هنا أستعير العبارات من نصوصه التي تتدفّق فيها الصور الشعرية والابتكارات الجمالية على نحو فريد. في هذا الحوار الذي نجريه مع الشاعر، في مناسبة صدور أعماله الشعرية ضمن كتاب شامل عن «دار سطور» في بغداد، نسأله عن نشأته بعيداً عن الحياة الثقافية في بلاده، عن جنوحه إلى الكتابة عن الحب في زمن غير رومانسي، عن مسحة الشجن التي تغلّف قصائد العراقيين، وعما يعيشه شعراء العراق من تنافر وتفرقة، ونسأله أيضاً عن الناصرية وكركوك وسركون بولص الذي كان دليله في ليل الشعر، وأنسي الحاج الذي يعتبره ملاذاً يهرب إليه من قبح العالم.

عبد العظيم فنجان: لو كنت قد تعرّفت إلى شعر أنسي الحاج مبكراً، لتغيّر مسار شعري إلى الأبد

ونحن نعدّ هذا الحوار، قلت لي: «لا تتطير إن تأخرتُ عليك من حين لآخر في الجواب، فالعراق جنّة الخرائب». لنقف قليلاً في هذه المنطقة، ما بين الجنة ونقيضها. تقول سيليفيا بلاث: «بعد هذا البلاء العظيم. أيّ طقوس يمكنها أن ترمّم الخراب؟». هل يمكن للكتابة أن تكون ترميماً للواقع؟
ــــ الكتابة، وأعني الشعر تحديداً، تقدم اقتراحاً بديلاً عن الواقع. هذا الاقتراح ليس مدعوماً بحجج علمية أو اقتصادية، لأنه اقتراح روحي، داخلي، غالباً ما يكون قلقاً ومُقلقاً، بل ويذهب نحو الجنون والفنتازيا كثيراً. وهذا الجنوح الأخير يتضمن موقفاً ضدياً من المقترحات الأخرى، التي تأتي بها الإيديولوجيا، بكلّ أشكالها، بما في ذلك مؤسسة الدين. وهكذا فالكتابة ـ الشعر تحديداً ـ لعب روحي لخلق الحلم، حلم الواقع البديل.

في السياق ذاته. نرى أنك تكتب قصائد حب باستمرار. في الفترة الأخيرة، لم تعد تكتب تقريباً سوى عن الحب. هل هذا النوع من الكتابة نفور من الواقع؟ هل يتعلق الأمر بالرغبة في عدم اجترار هذا الواقع ونقل آلامه من الخارج إلى غرفة الكتابة؟ أسألك وأنا أستحضر هنا مقطعاً شعرياً لك: «أحبكِ... آه/ هذا أكثر نور يمكنني غزله/ في وطن منهوب، وحزين».
ــــ خضت كثيراً في هذا السؤال، وأوضحتُ أن الجوهر المحرّك للعافية الإنسانية هو الحب، وأنا أتفق مع الإشراقيين والعرفانيين في ذلك. كما أنّ ما يحصل في العراق تحديداً هو ارتفاع منسوب الكراهية، بقيادة الدولة وأحزابها، تحت ذرائع مضحكة وغبية. فما الذي يمكن أن أكتبه بغية بعث الروح من الخرائب؟ ماذا أبقت لنا أديان الجاهلية الجديدة؟ وما هو الحل؟!
يقول رينيه شار: «إننا لا نقدم البرهان وإنما الأثر» وهكذا لا نملك نحن ــ الحالمين ــ إلا تقديم ما يمكن أن يتركه الحب لو تحوّل إلى سلوك، إلى منهج وإلى ديانة، بدلاً عما تركته الحرب لأسباب فرعية وليست جوهرية. إن الحب ينطوي على طاقة داخلية تدفع المرء إلى الشجاعة، الشجاعة النبيلة، وإلى التسامي، وقبول الآخر.
كما أنني كتبت معظم قصائد الحب في أمكنة تعجّ بالإرهاب والقتل على الهوية. لم أهرب من الواقع، بل حاكمته وقدّمت البديل الإنساني له، في وطن منهوب وحزين. كتبتُ، مثلاً، قصيدة «محاولة لتحطيم أنف العالم» تضامناً مع صبية، أمها تعمل «ملاية»، ووالدها قائد ميليشيا، أما هي فغارقة في حب صامت ونبيل. وكما تلاحظ، فالواقع السيّئ تحوّل، بفضل الشعر، إلى واقع جمالي يقترح الحب حلاً للمشاكل المركبة.

تصف العراق بجملتين رهيبتين: «وطني الحزين. وطني الذي جُنّ من الحزن». في الشعر، كما في الغناء العراقيين، الكثير من الشجن. يحسّ قارئ هذا الشعر كما لو أنه أمام مناحة عامّة، يشارك فيها الجميع، وربما يستلذ بها الجميع أيضاً. حتى قصائد الحب تبدو في الغالب مأهولة بالحزن. هل قدر الشعر العراقي أن ينمو ويتكاثر في حقل المراثي؟
ـــ لا أظن أن هناك شعباً حزيناً، كشعب العراق، وهو حزن نبيل وخلّاق. ولك أن تقرأ تاريخه، منذ سومر، وابتكار الحرف، وحتى الآن. لست مؤمناً باللعنة، لكن قدر العراق كجغرافيا، أو كموقع، أن يكون ممراً ومقاماً لمختلف أنواع الغزو. وهذا مما ساهم في خلق أسطورته، سيما أسطورة الخلاص، وديانة عشتار وديموزي. وهي أسطورة فاعلة في اللاوعي الجمعي العراقي، وتراها الآن في المناحات الكربلائية التي صادف أن تكون جغرافياً في المكان نفسه الذي كانت تجري فيه على ديموزي.
سمة الأسى والفقدان هي ملح وزاد العراقي منذ أن تعلّم الكتابة. تفصيل هذا الأمر يستحق آلاف الصفحات، لكن في ما يخص شعري أعترف بأنني حزين، غير أنه حزن إيجابي، تحول فيه الألم إلى نصوص شعرية أحبها الناس. كما أنني انتفعت من الأسطورة الرافدينية، وحوّلتها لمصلحة المرأة، التي تحتل مكاناً جوهرياً في شعري.
انتفعت من الأسطورة الرافدينية، وحوّلتها لمصلحة المرأة، التي تحتل مكاناً جوهرياً في شعري


في تقديمات «منشورات الجمل» لكتبك الشعرية الصادرة عنها نقرأ ما يلي: «عبد العظيم فنجان شاعر عراقي، لا ينتمي إلى جيل شعري معين، كسول ومهمِل في النشر، وينتمي إلى الهوامش والشوارع الخلفية، بعيداً عن متطلبات العيش في الواجهات». أليست هذه هي صفات الشعراء بشكل عام؟ هل ترى أنك مختلف؟ هل تؤمن بالفرادة؟
ــــ تعريف «دار الجمل» يتضمّن رسالة ضد مؤسسة الشعر العراقية الرسمية، التي احتفت بالواجهات وتركت الهامش الحي. أما عني، فلست متأكداً، تماماً، أنني عبرتُ الجسر وصرت متفرّداً أو شاعراً مهماً أو كبيراً، فأنا لا أزال أحبو في طريق الكتابة. وهذا ليس تواضعاً، وإنما هو شعوري الحقيقي إزاء ما فعلت، ومَن أنا، مقارنة بأسى شعب كامل صار مدمناً على الخيبات!

أحسّ كما لو أنك نشأت على هامش الشعر العراقي. هذه الإقامة بعيداً عن مراكز الاهتمام والنقد والمتابعة والاحتضان المؤسساتي، هل قدّمت لك شروطاً أفضل للكتابة؟ أقصد الكتابة في غفلة من الآخرين.
ــــ نعم، هذا امتيازي. وقد انتفعت من الهامش عندما وجدتني حراً في الرؤيا، لا أشبه أحداً، وأفكر في نفسي وفي موهبتي ليس بناءً على ما أقرأ، وإنما بناءً على ما أشعر. كنت قارئاً نهماً، في مدينتي الصغيرة، ولم يؤثر فيّ، أو يقنعني بالشعر سوى قصيدة يتيمة لسركون بولص «آلام بودلير وصلت». جُننتُ من صعقة الشعر فيها، ولم أسمع كل ما قيل ضد سركون، أو ضد قصيدة النثر، بل بنيت نفسي بروية، بهدوء وبعزيمة لم تنفد لحد الآن.
كان معي علي البزاز في تلك السنوات الصافية، وهو شاعر له صوته الخاص جداً، كنت أكبره في السنّ، لكنه كان متقدّماً عليّ بكتابة نموذج شعري ممتاز، ما زلت أحفظ بعضه. كما كان هناك عقيل علي، الشاعر الإشكالي الكبير. وكنا نحن الثلاثة أقرب إلى الموت في سبيل الشعر، غير أن الحياة مزّقت الطرق، فافترقنا من دون أن نخذل همّ الشعر. وهكذا اشتقّ كل واحد منا طريقه الخاص في الكتابة، تحت وصاية الهامش، وخاصة أن شعر الآخرين كان ـ في نظرنا ـ سيئاً.

ينتابني الشعور بأنك كنت تكتب في العتمة، ثم فجأة خرجت إلى الضوء بالكثير من الشِّعر. هذه الكتابة الغزيرة لديك في الفترة الأخيرة. هل هي سباق مع الزمن؟ هل تنمّ عن رغبة في قول كل شيء بسبب الإحساس بأن الوقت لم يعد يسمح بالانتظار؟
ــــ أعتقد أن عبارة كوكتو «الشعر ينبع من أولئك الذين لا يعبؤون به» تنطبق عليّ تماماً، إذ لم أهتم، أبداً، بالفوائد الاجتماعية للشعر. وما زلت دون أصدقاء حيث أعيش، ولا يعرف أحد من جيراني عني شيئاً، لأن الشعر قضية شخصية جداً، والشاعر ليس كائناً «فوق تاريخي». هذا الميل، أو هذا الفهم، أنقذني من ورط كثيرة يعاني منها المبدعون، فيما أنا في خلوتي أتأمل العالم وأبتسم، مفكراً في قصيدتي القادمة. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه «الكتابة في العتمة» حيث لا ضوء إلا الضوء الداخلي.
إنه ليس ابتعاداً عن المجتمع، وانما انفرادٌ عن مجتمع الثقافة، مجتمع الأمراض وكلّ فنون الخدع، إلا ما ندر. كنت أكتب ولا أفكر في النشر، مبتكراً لي قارئي الخاص، قارئي الخيالي، الذي كثيراً ما يمد لسانه ساخراً مما كتبت، فأرجع وأعيد الصياغة، مرة ومرات. وقد أمزق القصيدة، قد أغضب، قد أقسم أن لا أكتب ثانية، لكن هيهات، فالموهبة متوفرة والقارئ الحذق والصارم متوفر. ماذا يهمني النشر ؟! ولماذا أتوسل أن يُكتب عني؟ ما هذا الهراء؟ حين حصلت قفزة الاتصالات في بداية التسعينيات، كانت مجموعة «أفكر مثل شجرة» متوفرة، أو شبه جاهزة. كان قارئي اللعين عنيداً، فلم أنشرها إلا بعد أكثر من عشر سنوات. لكنّ ثورة الاتصالات حقّقت لي حرية النشر، من دون تملق محرري الصحف والخضوع لمزاجيتهم. جاء الضوء فخرجت من العتمة محملاً بقصائدي وأنفاسي وهواجسي. أضيف شيئاً مهماً: أنا غزير بالكتابة، لكن قليل الرضا، بل بخيل جداً.


دعنا نعود إلى منشأ القصيدة، إلى طفولتها وطفولتك أيضاً. كيف اهتديتَ إلى الشعر؟ هل أحببتَ باكراً أم أن ثمة شقاءً ما هو الذي دفعك إلى الكتابة؟
ــــ ثمة منام، لم أحدّث به إلا صديقين أو ثلاثة، حصل معي عدة مرات. كنت أرى نفسي نائماً، شبه عار، فتدخل صبية عارية تحمل وردة بإحدى يديها، فيما يدها الثانية تختفي خلف ظهرها، أرفع رأسي وأتهيأ لاستقبالها، لكنها تصل قبل أن أقوم. تعطيني الوردة، فآخذها، لكنها تطعنني، فجأة، بخنجر تخفيه عني بيدها التي وراء ظهرها. حصل هذا المنام، أول مرة، في البيت، عندما كنت صبياً، لكني لم أكترث به، أو لم أكن في عمر يتناسب مع فداحته، لكنّ الطعنة كانت في قلبي. وقد حصلت عندما قام النظام بتسفير محبوبتي الأولى «نجمة» مع أهلها، إلى إيران. بعد ذلك رأيت المنام نفسه في بغداد، عندما كنت طالباً جامعياً. وكانت نتيجته أن قام النظام بتسفير محبوبتي الثانية في نهاية السبعينيات، ولتبدأ الحرب مع إيران. ورأيته أيضاً في الحرب، ثم في المنفى. وكان وعيي يكبر، وهو مما أخذني إلى دراسة الأحلام ورموزها عبر التاريخ. وفي لحظة ما، في قم الإيرانية، أيقنت أن صبيتي، صبية المنام، موجودة في هذه المدينة.
وهكذا بدأت رحلة البحث عن «قوت القلوب»، بطلة قصيدتي sunflower. هذه الرحلة الشعرية المجنونة كتبتها على مراحل، وبعدة صيغ، منتفعاً من الأساطير والحكايات والأفلام. وتجلياتها واضحة جداً في مجموعة «الحب حسب التقويم البغدادي» ومجموعة «كيف تفوز بوردة؟». نعم، لقد حصلت صعقة الشعر قبل ذلك، لكن المنام، منامي الغريب والمدهش، هو مَن وجّه حواسّي ويقظتي.

ولدت في الناصرية، عشت فيها ثم انتقلت لاحقاً إلى كركوك. ما الذي قادك إلى مدينة سركون بولص؟
ــــ قبل أن أسكنها، لم أزر كركوك، ولو مرة في حياتي، لكن صدى «جماعة كركوك» كان يرنّ في داخلي. لقد وُلدتُ في مدينة يسارية، رغم طبيعتها العشائرية، ورغم كونها قرية كبيرة، اسمها الناصرية. وكان لمقهى أبي، الذي تفتّح وعيي فيه، أثر كبير في تطلعاتي الثقافية والأدبية، فقد كنت الطفل ثم الصبي ثم المراهق في عالم الكبار. وفي ذلك المقهى، كتبت أول قصائدي، في عمر الثانية عشرة. كما أن جو المقهى سحرني بغرابة مرتاديه: فنّانون، ساسة، ومسافرون. إذ اكتشف والدي هناك حبي للشعر، فأهداني كتاب «ألف ليلة وليلة»، وهو أهم كتاب قرأته في حياتي. هذا الكتاب خصّب مخيلتي كثيراً، ومنه انطلقت رحلة القراءة لكل شيء، ابتداء من المجلات المصوّرة: «سوبرمان» و«بساط الريح»، وليس انتهاء بـ «بناة العالم» لستيفان سفايج. ولن أتوسع لضيق المساحة، لكن باختصار: كنت أعيش عزلة المتأمل، وسط العالم، في الناصرية. لكن كركوك جذبتني إليها لأسباب اجتماعية تمكّنت من تحويلها إلى أسباب ثقافية، وأول شيء فعلته فيها هو البحث عن بيت جان دمو الشاعر الإشكالي المهم، الذي كان صديقاً لي في سبعينيات بغداد، أيام الدراسة الجامعية. غير أنني لم أستقر كثيراً، إذ سرعان ما نشبت انتفاضة آذار 1991، التي كنت ناشطاً فيها، ونتيجة فشلها اضطررت للهجرة إلى كردستان ثم إلى إيران، حيث عشت متاهة الطوائف والنفي.

عشية نشر مرثيتك لسركون بولص، كتب لك مؤيد الراوي يقول: «سركون كان جيلاً لوحده». هل كان «حامل الفانوس في ليل الذئاب» دليلك نحو الكنز؟ كنز الشعر.
ــــ نعم. كان سركون بولص دليلي إلى الشعر، وتخيّلته مراراً على دراجة هوائية يطوف الأزقة، مع صلاح فائق الذي أحببت شعره، هو الآخر، منذ قرأت مجموعته الباهرة «رهائن». في مكتبات كركوك، عثرت على «الوصول إلى مدينة أين» لبولص، وعلى مجموعة «رحيل» لصلاح فائق. وهناك، تعرّفت إلى ساحر القصة العراقية جليل القيسي، وأهديته، عقب انتفاضة آذار أعلاه، قصيدتي «أنت الوردة وأنا الشوك» التي كانت صدى لتلك الانتفاضة.
يخيّل إليّ أن سركون لم يكن مهتماً بشكل قصيدته، أو بتسميتها، قدر اهتمامه بتعميق أزمة موضوعها. كان بيننا مشروع حوار صحافي، حيث كنت أعمل محرراً في موقع «إيلاف» يومذاك، لكنه طلب التأجيل إلى ما بعد صدور مجموعته الأخيرة «عظمة أخرى لكلب القبيلة». ولم أفهم لماذا إلا بعد صدور المجموعة، لكنه قد مات، وقد شعرت وقتها باليتم، فقد فقدت أبي الشعري، أو فقدت ذلك القدر الكبير من النصاعة والنبل في شعره. وحين نشر الآخرون مراثيهم له، شعرت أنه غير مكترث، لأنه كان، حسب تعبير مؤيد الراوي، مثل القطار، هو القطار وهو السائق وهو المسافرون. وقد كتب لي الراوي رسالة غنية الدلالة، لكنها ضاعت مع ما ضاع من عمري، مؤكداً لي أنّ سركون بولص كان جيلاً وحده. كان ذلك بعدما نشرت مرثيتي: «أغنية آخر سركون بولص في العالم».
يخيّل إليّ أن سركون لم يكن مهتماً بشكل قصيدته، أو بتسميتها، قدر اهتمامه بتعميق أزمة موضوعها


لنقف عند شاعر آخر هو أنسي الحاج الذي ترى أن كتابه «خواتم» لم يظهر كتابٌ يوازيه لحد الآن. هل تميل وتنتصر لأنسي لأنه شاعر حبّ؟
ـــ لم أتعرف إلى شعر أنسي الحاج عن قرب إلا بعد عام 2005، وهذه مفارقة النشر في العراق. نعم، قرأت له قصائد متفرقة في المجلات، وهي مجلات غير منتظمة الانتشار في العراق أيضاً، مثل «مواقف» أو «شعر»، وقرأت له أيضاً في إيران. لكنني لم أعثر على مجموعة شعرية له إلا بعد العام أعلاه، حيث صار فرع «دار الجمل» رافداً مهماً للثقافة العربية في بغداد. وقد قلت في مكان آخر: لو كنت قد تعرّفت إلى شعر أنسي الحاج مبكراً، لتغيّر مسار شعري إلى الأبد. لكن شعري تغيّر رغم ذلك، ليس بسبب أنسي الحاج فقط، وإنما بسبب الحاجة، عراقياً، لقصيدة الحب والمحبة والصداقة، وكل المشاعر الإنسانية التي يمكن أن نمنحها للآخر، وذلك نتيجة للحرب الطائفية والأهلية، والقتل على الهوية، التي ما زالت محتملة التكرار والحدوث، في ظل دولة راعية للإرهاب باسم الدين والأخلاق، لتبرير تخلّفها وفشلها. سيلاحظ القارئ المهتم اختلافات كبيرة بين أول مجموعة لي، وبين الأخريات، لأنني قررت أن الشعر سلاح المهمّشين والغائبين والقتلى والمحبين والفقراء. كما أنني تبنيت مفهوم النضال الجمالي، أو الشعري، فكل قصيدة جميلة هي بيان ضد القبح والكراهية اللذين جاءت بهما أحزاب ما بعد 2003 إلى العراق، وهي ما جلبته ثورات الربيع العربي للأسف.كان شعر أنسي الحاج ملاذاً لي من قبح العالم، وما زال.

تبدو، في كتاباتك، أكثر شباباً من الشباب. هل هذه الروح المتجدّدة هي ما يمنح لقصيدة عبد العظيم فنجان امتدادها وحضورها الشاسع اليوم؟ فأنت فعلاً من الشعراء الذين لديهم قاعدة قرّاء ومحبين ومتابعين.
ـــ أعتقد أن المهم في شعري هو التجربة، أعني مجمل الظروف والبيئات التي عشتها. لقد ضاعفني الفقد والألم، ولم أتحول إلى كائن عدمي أو متشائم. كان بورخس بالذات هو ملهمي في هذه الناحية، فقد اتبعت قوله أو اكتشافه أنّ «كل شيء هبة»، وأن على الفنان أن يحول هذه الهبة إلى شيء جمالي. ويومياً، أتلقّى رسائل شكر من قراء مجهولين وجدوا أنفسهم في شعري، وهذا يفرحني، بل يجعلني أمام مسؤولية أن أتجاوزني إلى الأفضل. أفكر في مشاريع شعرية كبيرة، لكنّ صحتي تخذلني، ففقدان التناغم بين إرادتي وقوتي يعكّر مهمتي ويعطّل عملي. لقد صمّمت أن أكون الشاعر للجميع، من دون وصاية أو عناية من أحد، حزب أو طائفة أو جماعة، وأعتقد أنني نجحت إلى حد ما، لكنه نجاح محفّز نحو الأفضل.

ترى بأن الشعر المترجم أكثر وضوحاً وعمقاً من الشعر العربي. ألا يأتي هذا التوصيف في سياق جلد الذات؟
ـــ لغتي الإنكليزية علمية، ولا أعرف الفرنسية إطلاقاً، لكنني تعرفت ـ جيداً ـ إلى شعر إليوت ورينيه شار وميشو، بل حفظت قصائد طويلة من شعر لوركا وكفافي وريتسوس وبورخس وماياكوفسكي، إضافة إلى شعراء بلغات عالمية أخرى. وكل ذلك بفضل الترجمة الجيدة، الخلّاقة والممتعة، التي تقدم لك النص محافظاً على حرارة شاعره. بل إن أغلب قراءاتي الأولى كانت للشعر المترجم، بغثه وسمينه. ومقارنة هذه الخبرة بخبرة قراءة النص العربي بشكل عام، عدا استثناءات خارقة، أجد أنّ نص الشعر المترجم واضح البصيرة، دقيق ومقتصد، لا يميل إلى الحشو والإطناب. إنّ هذا الرأي ليس جلداً للذات بقدر ما هو مدعاة لمراجعة الشاعر لطريقة كتابته، بدلاً من أن يتبرّأ منها بعد عدة سنوات.

العراق بلد شعر، بلد ريادة كمّاً وكيفاً. شعراء العراق في كل مكان على الأرض. هناك وفرة هائلة في الأسماء والإصدارات. لكنّ المتابع يحس كما لو أنّ شعراء العراق، سواء الذين يعيشون في الداخل أو الخارج، لا يجمعهم شيء سوى التفرقة، أو على الأقل ما يفرقهم أكثر مما يجمعهم. ثمة دائماً تنافر وحروب وأحزاب شعرية. هل يساهم شعراء العراق أنفسهم في تدمير هذا الإرث الشعري العراقي الهائل؟
ــــ أعتقد أن الصراع العراقي العراقي، بين الشعراء، كان نتيجة الثقافة الشمولية التي جاءت مع حكم البعث 1968ـ2003، حيث ظهرت بوادر الفاشية الثقافية، لدى الجانب الحكومي. هل تعرف أن قصيدة النثر قد مُنعت رسمياً في العراق، منذ منتصف السبعينيات، وحتى منتصف الثمانينيات، بدعوى المحافظة على التراث العربي من الأفكار الغربية المستوردة؟ عندما يكون الشاعر «س» متبنياً لهذه الإيديولوجية، فإنه سوف يكون ضد الشاعر «ص» الذي يكتب قصيدة النثر. هناك اصطفافات مرعبة، تجد مثلاً صراع الأجيال، أو تجد أن الجيل السبعيني عبارة عن شقّين: جيل البعثيين وجيل الشيوعيين. ما فعلته الفاشية البعثية هو أنها غيّبت نتاج جيل الستينيات، «جماعة كركوك» وأمثالها، عن التداول حتى صاروا في مطاوي النسيان. ثم هناك جمهرة الشعراء الذين كانوا ضمن طاقم عدي نجل الرئيس صدام في التجمع الثقافي، والذين بدّلوا جلودهم وتحولوا إلى معارضين. كتبة تقارير، وشاة ومخبرون، هذا قاع الشعر العراقي الذي أصبح شائعاً الآن. وهناك قصص مبكية ومفجعة. هذا كله يغذي الصراع بين الشعراء : الموقف من النظام الحالي؟ احتلال أم تحرير؟ وما الحل؟! لكن، مع ذلك، هناك قلة، أقلية هائلة، بدون أوهام، تكتب بحماس وبهدوء. أقلية تشتغل بالجمال، الجمال الخالد، الذي لن يزول.