كان لقاؤنا الأول، تحادثنا باستخدام الإنترنت لأسابيع قليلة قبل أن ندبر ذلك الميعاد في كافيه حديث على الطراز الأميركي فى شارع شريف فى وسط المدينة. وصلت قبيل ميعادي مرتدياً قميصاً أزرق، ظننت أنه لا يظهر وزني الزائد بشكل واضح، وجلست إلى طاولة منزوية في طرف المقهى بجوار الشباك كي أطلّ على مشهد الشارع الصاخب... لم تكن منزوية بما يكفي، فكل الطاولات متقاربة، تكاد تكون ملتصقة إلى الحد الذى سمعت فيه تفاصيل المغازلة الجنسية التى تبادلها الجالسان إلى جواري هامسين. لم تتأخر هى أيضاً عن الميعاد، وقفت في موقعها بجوار الباب تبحث عني بعينيها بين الحضور، ورغم أني لمحتها إلا أنني لم أبدِ لها أي إشارة، انتظرت مترقباً، هل ستعرفني أم لا؟ فكرت في أنها إن لم تعرفني خلال دقيقة فسأرحل دون أن أترك لي أثراً، ولكن أثناء تفكيري كانت قد بدأت بالفعل في الاقتراب مني، توقفت على بعد خطوتين راسمة ابتسامة مترقبة لردّ فعلي. كنت أظن أنني مبتسم كذلك، ولكن يبدو أن ظنّي لم يكن صائباً، فاضطررت إلى القيام والترحيب بها. بدت جميلة بجسد يميل قليلاً إلى الامتلاء، لكنه كما اعتادوا أن يصفوه «جسد مصبوب»، وصف غريب ولكنه معبر على أي حال، شعرها بني يميل إلى الاحمرار، متطاير على جبهتها، أنا أحب شعر النساء ولذا لا أواعد المحجبات إلا إذا أظهرن من مقدمة طرحتهن ما يعد بشعر جميل.

أورتيكانودلز ــــ «مارادونا» (رذاذ الطلاء وقلم رصاص على ورق ــ100 × 70 سنتم ــ 2012)

جلسنا وأشعلت سيجارتي الأولى وأنا أتفحص وجهها، قالت لي: «ستقتلك السجائر»، فقلت لها إنني أظن أن العالم كله ربما ينتهي بعد أيام، ولكنها أبدت تأففاً من دخانها، فأطفأتها، ثم مرت لحظات من الصمت، فأنا لست متحدثاً بارعاً، أفضل الكتابة على التكلم، الكتابة تعطيني الفرصة لإعادة صياغة جملي، حذف ما لا يروقني أو تعديله، كما أنّ أحداً لا يقاطعني ولا يوقف استرسالي، غالباً ما أفعل الشيء ذاته أثناء الكلام، أعود لتعديل صياغة فكرة أو تغيير كلمة، فتبدو جملي مقطعة ومضطربة. ولكن بعدما امتد الصمت، قررت أن لا بد من طرح موضوع للحديث، فسألتها عن رأيها في الصراع العربي الإسرائيلي، أغرب نقاش من الممكن طرحه في لقاء أول مع فتاة ذات شعر أحمر! ولكن ما دفع بالسؤال إلى تفكيري هو تلك الجلبة التي حلت يومها مصاحبة لمباراة جودو بين لاعب مصري وآخر إسرائيلي فى الأولمبياد. فبعدما انتهت المباراة، رفض المصري أن يصافح منافسه الذي ظل يدفع كفه باتجاه المصري كأنه يغالي في إبراز الموقف وفي إحراجه. وبمرور اليوم، اشتعلت المناقشات على وسائل التواصل بين فريق يهاجم المصري باسم الروح الرياضية وقواعد اللعبة، وفريق يعتقد أن ما فعله هو أضعف الإيمان، تبنّت البرامج التلفزيونية الرأي الأول، بينما أنا كنت من الفريق الثاني، وذلك لا يبدو غريباً وأنا من أكثر محبي مارادونا الذي ارتقى بجسده القصير إلى أعلى نقطة ممكنة، ثم مد يده المدملكة ودفع بها الكرة إلى مرمى الإنكليز الخاوي انتقاماً منهم بعد احتلالهم لجزر الفوكلاند الأرجنتينية. لا أذكر ما كان ردها، أو ربما أنها لم تردّ على الاطلاق، لكننى استرسلت فى شرح موقفي وإطلاق بعض الشتائم التى لا تتناسب ولقاء أول، ثم وقفت دون وعي كامل مني وصرخت فى المقهى أن يُعلموا أبناءهم أن يحاربوا الأعداء. التفت كل الجالسين إليّ ومنهم الشابان المجاوران صاحبا المحادثة الجنسية، ونظرت فتاتي إلىّ كمختل مجنون، فجلست فوراً وقلت لها في جملة مباغتة أنها تبدو أجمل من الصور، أرجعتُ الأمر إلى ضحكتها التي تضفي عليها المزيد من السحر، فضحكت، لكن نهدها كان يبدو أكثر استدارة فى الصور كما أن شعرها كان في حال أفضل، ولكني لم أذكر لها هذه الأمور.
سألتني ممازحة إن كنت تحت تأثير المخدرات أو الخمور، أجبتها بالنفي، وأوضحت أن كل ما في الأمر أنني لم أنم منذ أسبوعين، خمسة عشر يوماً بالتحديد. قد أصابني منذ ذلك الوقت خوف شديد من النوم، فتناولت العديد من الأقراص والحبوب لتبقيني يقظاً لأطول فترة ممكنة، أو للأبد. ثم عدت إلى الموضوع الذي شغلني يومها وحكيت لها عندما لاعبت مصر إسرائيل في كأس العالم لكرة اليد وتحولت المباراة إلى معركة أو «عَلقة»، وتذكرت تلك المرة التي سافرت فيها إلى طابا فوجدت كل السائحين هناك من «إسرائيل»، كل السيارات تحمل أرقاماً عبرية، حتى انفردت بأحدهم في المصعد، اقتربت منه جداً إلى أن تراجع أمام خطواتي وأسند ظهره إلى أحد جوانب المصعد فطوّقته بذراعيّ، كل منهما يستند إلى جانب المصعد محاصراً إياه، دون أن أمسّه، ثم كوّرت يدي وسددت قبضتها نحو وجهه الشاحب ولكني توقفت قبل أن ألمسه، وخرجت... دببت بيدي على الطاولة كمخمور حقيقي وصرخت «الحرية لجزر الفوكلاند»، ضحكتْ بشدة في هذه المرة، قهقهتْ، وقالت لى «أنت مجنون»، ولكنها لم تنظر إليّ النظرة التى صوّبتها نحوي بالمرة الأولى، فاطمأننت إلى أن كل شيء يسير على ما يرام، أمسكت بخصلة من شعرها وداعبتها بأطراف أصابعي ثم انساب إصبعي على رقبتها وقلت لها بصوت خفيض إن صدرها كان يبدو أكثر امتلاءً فى الصور، ابتسمت وهي تنظر إلى صدرها وفي حركة تلقائية مدّت يدها لتضبط وضعه.
قلت لها إنني أظن أن القيامة قد اقتربت، ربما خلال أسابيع، أو شهور على أقصى حد، ولذلك قررت ألا أنام، الوقت قصير جداً ولا يجب عليّ إضاعته، سألتني عما أودّ فعله فى الأسابيع القليلة المقبلة، فأجبتها بأننى أودّ أن أهدم في كل يوم جداراً وأعيد بناءه في مكان جديد، فكل الجدران، كلها، مبنية فى غير موضعها، حتى حائط حمامي لا يبدو في مكانه الصحيح. سألتني «ستغير العالم إذاً؟؟»، قلت لها ربما سأعيد ترتيبه، ولكني في الحقيقة لا أهدم ولا أبني، أنا أقضي ليلي في مشاهدة الأفلام، أخشى أن تقوم القيامة قبل مشاهدة القائمة التى أعددتها لنفسي، وفى منتصف كل ليلة أذهب إلى السينما، أنا لست واثقاً من وجود الأفلام في العالم الآخر، أو ربما تقتصر على قاطني الجنان العليا، إلا أنني أثق في وجود الروايات وتوفرها للجميع، ولذا لا أحمل همها، سأصطحبها معي إلى العالم الجديد وسيبدع الروائيون مؤلفات جديدة، سواء سكنوا الجنة أو النار وسيتداولها الجميع في ما بينهم. سألتها «أتظنين أنها القيامة الأخيرة؟»، فهزّت كتفيها وأشارت لي أنها لا تفهم. حكيت لها أني في طفولتى المبكرة لم أكن مدركاً لكيفية تحول الفراعنة إلى عرب ثم إلى مماليك ثم إلى ما أصبحنا عليه وقتها، أضاف إلى ارتباكي التباين الشديد بين الصور التي شاهدتها لكل منهم، سواء على صفحات الكتب المدرسية أو في بعض الأفلام، إلى حد منعني من تصور أن تطوراً طبيعياً دفع بأولئك ليصبحوا هؤلاء، وبهؤلاء ليصبحوا نحن. ولكن في حصة الدين، أخبرتنا المدرسة العجوز ذات القامة القصيرة والحجاب الأصفر اللون والتجاعيد المتشعبة عن يوم القيامة، وددت لو أستفسر منها أكثر وأستزيد من علمها بخصوص ذلك اليوم، لكنني كنت أخافها وأتجنب الحوار معها، وجهها المخطط بالتجاعيد كان مرعباً لي، وخصوصاً وقد كنت أجلس في الصف الأمامي حيث تبدو تفاصيل خلقتها أكثر وضوحاً مما ينبغى. في ذلك اليوم، تصورت أنني وصلت إلى إجابة سؤالي الأول، فلا بد أن ذلك اليوم، تلك القيامة، هو يوم متكرر عبر التاريخ، فبعدما انتهى عصر الفراعنة، قامت القيامة الأولى ربما، وبعث موتاهم إلى عالم آخر، ثم أقام الله عالماً جديداً بديكور وأزياء مختلفة وبعث فيه بشراً جدداً بصفات وعيون حادة، ثم قامت قيامتهم، وأعاد الله تكوين العالم بقواعد جديدة أخرى، وهكذا وهكذا حتى وصلنا إلى عهد بُعث فيه رجال يلبسون القمصان والبناطيل ونساء يرتدين الفساتين والتاييرات. ربما تظن أن فكرتي خاطئة طبقاً لما رووه لنا فى المدارس من قصص محكمة ومليئة بالتفاصيل المتقنة، ولكن هذا تحديداً هو ما شككني في صدقيتها، فالعالم ليس مكاناً عاقلاً إلى هذا الحد، فلو دققت النظر وتخليت عن الأفكار المسبقة، لوجدت أن روايتي أكثر منطقية وأقرب إلى العقل... ولكنني لا أعلم هل القيامة التي ستأتي بعد أسابيع أو شهور ستكون الأخيرة، أم أنّ عالماً جديداً سيبدأ من بعدها؟؟
مالت عليّ حتى اقترب شعرها الأحمر الداكن من كتفي، وقالت لي إن الشابين المجاورين يتبادلان المغازلات الجنسية بينما أنا أكلمها عن يوم القيامة ورفضي للتطبيع. كنت قد نسيت أمر لاعب الجودو، إلا أنها ذكرتني مرة أخرى، فكدت أنشد عليها قصيدة «لا تصالح» ولكني توقفت لأني لا أحفظ منها إلا كلمتي لا تصالح. خرجنا إلى الشارع وأخذت أشير إلى الجدران التى أود هدمها والأماكن التى أحلم بأن أبني فيها حوائط جديدة. قالت إنها طالما تمنّت هدم الجدار الذي يفصل غرفتها عن المطبخ، ثم ضحكت... ظللنا ندور في وسط البلد حتى انتصف الليل، اصطحبتها إلى فيلم أميركي في «سينما مترو». أخذ قاطع التذاكر مني خمسة جنيهات ليضمن لي مكاناً منزوياً، رغم أن السينما خاوية، كما دفعت للمرشد ورقة أخرى ليتركنا وشأننا، كان الفيلم عن رجل خارج عن القانون يتحول إلى بطل وطني بعد أن يكوّن ميليشيا من أفراد عائلته أثناء حرب التحرير الأميركية. ورغم أن حبكة الفيلم جادة تخلو من أي رومانسية، إلا أنني قبّلت فتاتي الجديدة قبل نهاية الفيلم، قبلة طويلة تزامنت مع المعركة التي قادها البطل، فبينما كان يحصد أرواح أعدائه ويسدّد بندقيته إلى رؤوسهم، كنت أداعب نهدها بيدي اليسرى بينما تغوص يمناي بين شعرها.
كانت الثالثة صباحاً عندما خرجنا من السينما، مسحت آثار الروج من على شفتي ومشينا قليلاً في صمت، ثم هتفتُ «الحرية لجزر الفوكلاند»، فرددت بعدي «الحرية لجزر الفوكلاند». قلت لها إننا نخرق قانون التظاهر ولو لمحنا أي ضابط شارد، لوضعنا في السجن وقد نتهم بالعمالة للأرجنتين، فهتفت مرة أخرى «الحرية لجزر الفوكلاند»، صرختُ من بعدها «المجد لمارادونا»، «المجد لمارادونا»، «لا تصالح... لا تصالح»، «لا تصالح... لا تصالح» وظللنا نهتف حتى شروق الشمس. جلسنا فى قلب ميدان التحرير الذي بدا خاوياً تماماً وكأن قدماً لم تطأه منذ سنين، وكأن لا أحد يعيش فى المدينة سوانا، وقالت لي «يبدو أن القيامة ليست اليوم». هززت رأسي موافقاً، ثم أضافت «علينا أن نصبر يوماً آخر دون أن ننام... نحطم فيه جداراً ثم نبني غيره». قالت لي «وهل سيفيد؟». قلت: «إذاً، فلنشاهد فيلماً جديداً، على ألا يكون حربياً هذه المرة، ثم نهتف حتى الصباح منتظرين أن ينتهي العالم وتقوم القيامة».
* مصر