ثمة مثل يردد في هذا المقام، كما يتضح من عنوان كتاب «تاريخ من الأمل الكاذب: لجان التحقيق في فلسطين» (منشورات جامعة ستانفورد ـــ 2020)، يقول: «إللي بيجرب المجَرَّب بيكون عقله...». ثمة أناس يتعلمون من تجاربهم، وآخرون يتعلمون من تجارب غيرهم، وهناك أيضاً أناس لا يتعلمون من تجاربهم ولا من تجارب غيرهم. وهذا ينطبق على جماعة أوسلو.

موضوع هذا المؤلف لجان التحقيق واستكشاف انخراط فلسطينيين في لجان التحقيق الخاصة بفلسطين في القرن الماضي عبر دراسة أنثروبولوجية وإثنوغرافية، كما تقول الكاتبة لوري آلن، وهي أستاذة مساعدة في مادة التاريخ في «جامعة هارفارد» الأميركية، وتصف عملها بأنه يبين كيف شكلت لجان التحقيق السياسات الفلسطينية والمشكلة مع الصهيونية و«إسرائيل» من بعدها، عبر تنشيط القانون الدولي كواسطة أولية للإيديولوجيا والسياسة، مع أن تاريخ الصراع الفلسطيني-الصهيوني/الإسرائيلي قد شهد مجيء عشرات لجان التحقيق الدولية إلى فلسطين، بهدف مزعوم هو جمع الحقائق [كذا] والبحث عن طرق لإحلال السلام في المنطقة.
تحلل الكاتبة أسباب تفضيل حكومات العالم اللجوء إلى طريق لجان التحقيق الدولية، وتلخصها بتوقع ميكانيكية لإنتاج سياسة قائمة على أرضية الحقائق المثبتة. لكن المرء يلاحظ أن الواقع هو أن تلك اللجان تصدر تقارير بيروقراطية مملة وتصريحات مكرورة وتتجاهل في الوقت نفسه المسائل السياسية الأساس ذات الصلة. وهذا ما يلاحظه المرء في تقارير لجان التحقيق الخاصة بفلسطين، إذ لم تقد يوماً إلى صياغة السياسات المطلوبة ولا إلى كيفية تطبيقها أو تطبيق القانون الدولي، عدا عن أنّها كانت أبعد ما يمكن عن حل المشكلة. مع ذلك، ومع الانتقادات الكثيرة لسياسة اللجوء إلى لجان التحقيق، وأنها ليست سوى غطاء سياسي لحجب الحقائق، يتم اللجوء إليها.
لا يكتفي الكتاب بالاعتراف بالاستخدام السياسي العيَّاب للجان التحقيق، بل يطرح أيضاً أسئلة حول آثارها الاجتماعية والإيديولوجية الواضحة التي تنشر تصورات الليبرالية من خلال مؤسسات القانون الدولي. المشكلة، وفق الكاتبة، هي أن لجان التحقيق الدولية أضحت آلية لأعداد متزايدة من الفلسطينيين المتورطين مع القانون الدولي وحساسياته الليبرالية، وأصبح النهج القانوني جزءاً من التقاليد الفلسطينية بكل ما يتضمنه من العادة وعمق الإيمان، بل حتى الإيمان الأعمى! ويتم تجاهل حقيقة أن القانون الدولي هو عملية «اجتماعية (وخاصة تفسيرية)» تحمل في طياتها مجموعة من المفاهيم الأخلاقية وانقسامات النظام السياسي.

تصدر تقارير بيروقراطية مملّة وتتجاهل المسائل السياسية الأساس


تلفت الكاتبة إلى حقيقة أن الانخراط في القانون الدولي من جانب الجميع، من الممثلين السياسيين والتكنوقراط والمحامين إلى ناشطي المنظمات غير الحكومية والصيادين والمزارعين، أدى إلى تضييق الرؤية السياسية والعمل لفلسطين، ووفّر «للمجتمع الدولي» وسيلة لتبرير وتمكين الرفض العملي لمطالب الفلسطينيين بالاستقلال. فالقانون الدولي، كما يتم تفعيله بشكل فريد من خلال لجان التحقيق، هو ميدان عملت فيه الليبرالية بطرق مختلفة كإيديولوجيا للحكم، لكل من الحكام والمحكومين.
وتاريخ من الأمل الكاذب يتتبع حياة القانون الدولي في فلسطين لشرح كيف وجد بعض الفلسطينيين في الليبرالية أيديولوجيا ومنهجية سياسية يمكن من خلالها التحدث إلى ذلك الجمهور الغامض المسمّى «المجتمع الدولي»، وحشد التضامن حول كفاحهم من أجل الاستقلال وحقوق الإنسان. كما يقدم المؤلف تاريخاً لفلسطين يروي كيف فهم بعض الفلسطينيين القانون الدولي، والآمال التي استثمرها كثيرون فيه، وخيبات الأمل التي مروا بها، والسخرية التي أثارها، والوعود التي لم يتم الوفاء بها، والتفاؤل المتجدد الذي أثارته الابتكارات القانونية الدولية من خلال رسم خريطة للعوالم الاجتماعية التي تجمدت حول كل لجنة. كما يسلط الضوء على الطرق التي أدت بها الليبرالية القانونية، كما تتجلى في عمل لجان التحقيق، إلى تشكيل السياسة عبر قرن من التاريخ الفلسطيني الذي يكشف عن استثمار ثابت في المبادئ والمؤسسات الليبرالية، وهو ما يتعارض مع سرديات القومية الفلسطينية التي تركز فقط على الكفاح المسلح، دوماً وفق الكاتبة.
إن الأممية الليبرالية عقدة إيديولوجية ومؤسسية تطرح القيم الليبرالية كطريقة للتعامل مع الألغاز المركزية في السياسة الدولية، بما في ذلك طبيعة الحروب وأسبابها، ودور الأخلاق والقانون، والشروط المسبقة اللازمة لتأمين السلام. لكن سرعان ما أصبح واضحاً لمن يعيشون في ما نسميه الآن الجنوب العالمي، أن النظام الدولي الليبرالي يعني لكثيرين مصادرة الملكية والفوضى.

* A History of False Hope: Investigative Commissions in Palestine- Stanford University Press 2020