أعلنت «دار أدب للنشر والتوزيع» (الرياض) قُرب إصدار ترجمة كتاب «العلم الجديد الأول» The First New Science للمفكّر والمؤرخ الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1686-1744). صدر الكتاب عام 1725، وتُرجم إلى لغات كثيرة ما عدا العربية. تكمن أهميته في أنّ فيكو هو صوت غير تقليديّ للقارئ العربي، فهو أحد نُقّاد النزعة العقلية الحديثة الشائعة في الأوساط الأوروبية الحديثة، وواحد من المدافعين عن الفكر الذي كان سائداً في العصور الإغريقية القديمة.

بذل فيكو جهده لإثبات أن النزعة العقلية التجدّدية الغربية منبثقة من الأنموذج الأفلاطوني المتمثّل في محاورة كراتيلوس التي ذاع صيتها، وأنها تضرب بجذورها في اللغة اليونانية التي قدّمت للبشرية بعض الميزات الأزلية التي تضرب بجذورها في الأديان الأسطورية. وهي قبل أن تكون ذات طابعٍ عقليٍّ استدلاليٍّ، كانت محترَمةً ومقدّسةً. وبناءً على هذه الفكرة، بادر فيكو في بحوثه إلى تتبّع جذور الكلمات اللاتينية كي يثبت أنّ النزعة العقلية التي شاعت في الأوساط الفكرية الإيطالية تضرب بجذورها في مدرسة فيثاغورس الفكرية. ومن الآراء الأخرى التي طرحها فيكو، أنّنا من خلال دراسة وتحليل الأساطير الإغريقية القديمة نتوصّل إلى نتيجة أنّ الأشياء تسير في حركةٍ تصاعديّةٍ نحو المبدأ الأوّل، أي الله. كما أنّ أصول جميع الأشياء مكتسبةٌ منه، وعلى هذا الأساس فهي تكوّن حلقةً كماليةً. ما يجعلنا نتفق مع الرأي القائل بأنّ «العلم الجديد» يُعتبر أوّل كتاب انتقد الحداثة الأوروبية في جانبها العقلاني.


كما عمل فيكو على وضع قانون لتطور البشرية كالقانون الطبيعي. لذا، درس الإبداع البشري كما تُدرس الظواهر الطبيعة. انطلق من دراسة الأساطير اللاتينية لأن فلسفة التاريخ تبدأ عنده مِن دراسة الثقافة الوطنية للشعوب. وتوصل إلى ثلاث ظواهر مشتركة عند كلّ الشعوب في التاريخ: الدين، الزواج، دفن الموتى. كما وجد أنّ كل شعب يمر بثلاثة عصور: عصر الآلهة، عصر الأبطال، عصر البشر. ويستمر التاريخ في دورانه، مقلّصاً كُلّ عصر ليسمح بالوصول إلى العصر الذي يليه، ثم يطول عصر البشر حتى يصبح مستقبل الإنسانية هو الإنسان ذاته. («آفاق التمرد: قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي»، ص155).
في كتابه «جذور الرومانتيكية»، وصف الفيلسوف ومؤرخ الأفكار إيزايا برلين كتاب فيكو The First New Science بأنّه أول انتباه إلى غرابة الثقافات القديمة. إذ أوضح مدى الاختلاف بين النماذج الفكرية، متتبعاً أثر تاريخ التحولات في الوعي الإنساني. لكنه -أي فيكو- بعد فترة ازدهار في القرن الـ18، ظلّت أعماله مُهملة. وبنوع مِن التفصيل، تناول إيزايا برلين في كتاب «ضلع الإنسانية الأعوج» (فصل «السعي وراء المُثل العُليا») كتاب The First New Science، الذي يجعل فيكو -في نظر إيزايا - الأب الحقيقيّ لمفهوم الثقافة الحديث، وما يمكن تسميته بالتعددية الثقافية التي تقرّ بأن لكلّ ثقافة أصيلة رؤية تتفرد بها، ومعايير قيميّة خاصّة يُستعاض عنها عبر مسار التطوّر برؤى وقيم مغايرة، ولكن بشكل جزئي فقط، بحيث لا تصبح المنظومات القيميّة المبكرة غير قابلة كليّة للفهم مِن قبل الأجيال اللاحقة. وخلافاً لدعاة النسبية أمثال أوسفالد شبينغلر وويستر مارك، لم يفترض فيكو أن البشر مُغلق عليهم في عصورهم أو ثقافاتهم، بحيث يكونون معزولين وعاجزين عن فهم المجتمعات والحقب التي لا ينتمون إليها والتي تختلف كثيراً عن قيمهم وقد يجدونها غريبة وبغيضة.
ينطلق فيكو مِن قاعدة فكرية هي أن صنيع الإنسان قابل لأن يُفهم من الإنسان. قد يتطلب فكّ مغاليق دلالة السلوك أو اللغة المغايرة قدراً كبيراً من المكابدة، ولكن، في ما يزعم فيكو، إذا كانت كلمة «إنساني» تحوز على أي معنى، يتوجب وجود قاسم كافٍ مشترك بين الكائنات البشرية، عبر إعمال قدر كافٍ من الخيال وفهم الكيفية التي يبدو بها العالم لمخلوقات نائية زماناً ومكاناً. مخلوقات مارست مثل تلك الطقوس واستخدمت مثل تلك الكلمات وأبدعت أعمالاً فنية بوصفها وسائل طبيعية للتعبير الذاتي اشتملت عليها محاولة فهم وتأويل عوالمها لأنفسها.
يعدّ نهج فيكو أساساً لنهج كُلّ علماء الاجتماع الأنثروبولوجيين الذين حاولوا فهم سلوكيات واستعارات القبائل البدائية، فلم يقوموا برفض أساطيرهم وتشبيهاتهم واستعاراتهم بوصفها هراءً، وغير عقلانية، بل بحثوا عن سبل تمكّن من الولوج إلى عالمهم من خلال النظر في عيونهم، متذكّرين وفق ما يقر الفلاسفة المتأخرون أن الإنسان هو ذات وموضوع لنفسه في آن.
في قراءة ايزايا، لا يخبرنا فيكو بما يعنيه بالولوج إلى عقول البدائيين، لكن ممارسته في The First New Science تنبئ بأنه يشترط تبصراً خيالياً، موهبةً يسميها «الفانتازيا». ثمة مفكرون ألمان متأخرون يتحدثون عن «الفهم» في مقابل «المعرفة التي نحصل عليها من العلوم الطبيعية»، حيث لا يُسمح بالولوج إلى عقل الإنسان إلّا بعدما تتخيل الولوج إلى آمال ومخاوف النحل أو القنادس. لا غنى عن فانتازيا فيكو لمفهومه في المعرفة التاريخية. إنها فكرة لا تشبه الدراية بأن يوليوس قيصر ميت، أو أن الأسبوع سبعة أيام. أيضاً، فإن الأمر لا يشبه معرفة كيفية قيادة دراجة أو القيام ببحث. إنه أشبه بدراية معنى أن يكون المرء فقيراً منتمياً إلى أمة، ثورياً، أو معنى أن يهتدي المرء إلى دين، يقع في الغرام، يحاصر برعب لا يعرف له اسماً، أو يبتهج لعمل فني.
تجدر الإشارة إلى أنّ فيكو لم يكن معنيّاً بخبرات الأفراد بل بتجارب مجتمعات بأسرها. وما أراد تحليله هو ذلك النوع الذاتي الجمعي: ما فكر فيه الناس، ما شعروا به، وتخيلوه، ما رغبوا به، وكافحوا لأجله ضد الطبيعة المادية في أحد أطوار التطور الاجتماعي، المعبر عنه بمؤسّسات وآثار ورموز كتابة وحديث نتجت عن محاولتهم عرض وتفسير ظروفهم لأنفسهم. لقد اعتقد فيكو أنه اكتشف درباً لم يسبقه إليه أحد. الباب الذي فُتح لفهم التاريخ الثقافي عبر فك شفرات الأساطير والمراسم والقوانين والصور الفنية اعتبره إنجازه الأساسي. لا غرو أن أشاد كارل ماركس في رسالته إلى لاسال بعبقرية فيكو في مجال التطور الاجتماعي، كما يشير إيزايا.
لذا ليس ثمة من هو أقرب إلى أبوة الأنثروبولوجيا التاريخية من فيكو، كما يُعدّ إيزايا فيكو المتنبئ المنسي في المدرسة التاريخية الألمانية، وبطريقة ما الخصم الأكثر إرعاباً للتعاليم اللاتاريخية القائلة بالقانون الطبيعي والسلطة الأبدية. مثلاً، يطرح إيزايا فرض سبينوزا الذي يشير فيه إلى مقدور أي شخص اكتشاف أي حقيقة في أي وقت، لكن سوء الحظ وحده المسؤول عن تخبط الناس كل هذا الوقت في الظلماء، كونهم لم يقوموا بتوظيف عقولهم أو عجزوا عن توظيفها بشكل صحيح. فكرة التطور التاريخي بهذا المعنى الواسع، أي بوصفه سلسلة من الثقافات المتلاحقة التي تنشأ كل منها عن سالفتها عبر مسار كفاح بشري مستديم ضد قوى الطبيعة بطريقة تنتج أحد مراحل التطور الاجتماعي حرباً بين الطبقات الاقتصادية، نجمت وفق عملية الإنتاج ذاتها. يشير إيزايا إلى أن تلك الفكرة التي نجدها لدى فيكو تشكل حدثاً أساسياً في تاريخ نمو الفهم البشري الذاتي. والواقع أنه لم يسبق أن تمت بهذا الكمال صياغة مثل هذا المفهوم لطبيعة التغير التاريخي.
ثلاث ظواهر مشتركة عند كل الشعوب في التاريخ: الدين، الزواج، دفن الموتى


حديثاً، يشير نقاد فيكو إلى أنّ مذهبه القائل بأن الإنسان لا يفهم سوى ما صنعت يداه لا يكفي لاكتشاف الثقافات وتحليلها. ولا ريب أن كلّ هذه النقود صحيحة في نظر إيزايا وأنها تعترض سبيل مذهب يقرّ أن كون التاريخ البشري صنيع البشر يستلزم أن يكون قابلاً حتى من حيث المبدأ لأن يُفهم كاملاً عبر الولوج في عقول الأسلاف. ولكن رغم أنّ التاريخ البشري ليس مجرد تصور لآمال وأفكار البشر والسلوكيات التي تجسدها، وليس مجرد تصور في الخبرة البشرية أو مراحل الوعي، ورغم أن مزاعم فيكو تبدو الآن مسرفة في طموحاتها، فإن ثمة شيئاً مهماً يبقى رغم كل تلك الاستدراكات. يجب أن نعي اليوم الفروق التي تميز بين المؤرخين الذين يقومون برسم صور متكاملة ثلاثية الأبعاد لمجتمعات أو جماعات بأسرها، ما يجعلنا نعتقد محقين أو مخطئين، أننا نستطيع تحديد طريقة العيش في الظروف التي مروا بها، ما يمكن أن نؤسس تعميمات شاملة تفتح الباب على إرعابات التخمين والذاتية والتسطيح الصحافي أو ما هو أسوأ من ذلك.
هذا التمييز المهم نجده لدى فيكو، المؤسَّس على الموقف المتخذ تجاه الملكة التي يسميها فانتازيا، الملكة التي يستحيل في غيابها بعث الماضي. لم يُعمه ويتعين ألا يعمينا الدور المهم الذي يُعزى للخيال عن ضرورة التحقق. إنه -أي فيكو- يسلّم بوجوب المناهج النقدية في فحص القرائن. بيد أن الماضي في غياب الفانتازيا يظل ميتاً. بعث الروح فيه يتطلب، في الوضع المثالي على أقل تقدير، الاستماع إلى أصوات الناس، والتخمين (وفق شواهد) بخصوص الكيفية التي كانت عليها خبراتهم، وشكل تعبيرهم وقيمهم، ورؤاهم ومقاصدهم وسبل عيشهم. بدون ذلك، لن نستطع فهم متى جئنا وكيف أصبحنا ما نحن عليه، ليس فقط مادياً وبيولوجياً، سياسياً ومؤسساتياً بالمعنى الضيق، بل اجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً. بدونه ليس ثمة فهم حقيقيّ للذات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا