صقر أبو فخر، المؤرّخ البحّاثة، يعيد في جديده «الماسونية في عماء التاريخ: خرافات وأغاليط وحقائق» (رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت: 2021، تصميم الغلاف والإخراج الفني: آرتيستو – علي الحاج حسن) النظر في مسألة رآها بعضهم شائكة، فيما رآها بعضهم الآخر لغزاً مُبهماً. لكن قلّة رأتها جمعية حرفية حديثة عرفتْها أوروبا في العصور الوسطى، فيربط المؤلّف ها هنا الماسونية بالفكر الربوبي الأوروبي وبالأفكار التأليهية التي مهّدت الطريق أمام انبلاج عصر التنوير. وعليه، فإنه يجد نفسه يدحض الأغاليط التي شاعت في النصوص العربية عن الماسونية وتاريخها الملتبس. كتاب صقر إذن، في بعض منه، تصفية حسابات، وإن كان في بعضه الآخر وضع الأمور في نصابها الصحيح، فالحركة الماسونية في إطارها التاريخي تحتاج إلى وقفة نقدية، لا سيّما لفهم دوافع من انتمى إليها في المشرق العربي، وإن في بعض المراحل، أمثال عبد القادر الجزائري، والإمام محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وعبد الرحمن الشهبندر وبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وابراهيم اليازجي وخليل مطران.

يلحّ الباحث أبو فخر على أن ثمّة خرافات لا حصر لها تكتنف الحركة الماسونية ونشأتها، فادّعى بعضهم أن جماعتها صَلبتْ السيّد المسيح ودسّت السمّ للنبي الكريم، فيما هي حركة علنية لا سرية تأسّست مجدّداً في عام 1717 تحت عنوان «الفريماسون» أي «البنّاؤون الأحرار»، فيسرد عناوين كتب في الماسونية مارست تضليلاً علمياً وتاريخياً على عقول العرب.


يرى صقر أن في معظم هذه الكتب ونظائرها الكثيرة، لا حقائق تُعرض ولا خفايا تُكشف وإنما مجرّد ثرثرة اعتباطية لأرباع الحقائق أو لبعض الأكاذيب الصحيحة وخرافات سارية وخيال كسيح، فيما يشير إلى أن منظّري الجماعات الإسلامية كلّها، بقطعانها الناعمة أو بذوات الأنياب، ما برحوا يتقوّلون على الماسونية بما ليس فيها، وهذا إما جهل أو تضليل. والسبب هو أن الماسونية، ــ مع أنها تحتضر، ولا يكاد يكون لها أثر في المشرق العربي ـــ هي حركة علمانية. وفي الوقت نفسه يشير الباحث إلى أن الماسونية التي ترفع لواء العلم والعقلانية، ما برحت تمارس طقوساً خرافية مضحكة، مع أن رموزها كالبيكار والشاقول والمثلّث المتساوي الأضلاع مصدرها هندسة اقليدس، والمئزر الذي يرتديه الماسوني هو نفسه المئزر الذي كان يرتديه كلّ بنّاء ليضع فيه عدة العمل كالمسامير وآلة قياس الطول وميزان الاستواء الزئبقي وغيرها. والماسونية في اعتناقها مبادئ المساواة والاخاء تتعارض في جوهرها مع اليهودية، فاليهودية الارثوذكسية حرّمت الانضمام إلى الماسونية واعتبرت من ينضمّ إليها خارجاً على الدين.
لا يجد الباحث بُدّاً من عقد مقارنة بين الملاحدة العرب وأفكارهم وبين الربوبية الأوروبية، ضمن سياق استقرائي يميط من خلاله اللثام عن الفروق بين الإلحاد العربي الذي كان ينكر النبوّات ولا ينكر الخالق، والفكر الربوبي الأوروبي الذي لم ينكر الخالق وإنما أنكر المعجزات الواردة في الكتاب المقدّس.
البداية إذن حيث يجب: برونو معلّم جميع مفكّري الربوبيين الذين جاؤوا بعده، مع أن سبينوزا هو من منح الربوبية شكلها الفلسفي، فكان من القائلين بوحدة الوجود وأن الطبيعة والله واحد، وأنكر ألوهية المسيح واعتبره «سيّد الأنام» جراء حكمته التي منحها الله له. أُغرم سبينوزا بأفكار برونو فطُرد من اليهودية. وبحسب الربوبية، فإن الكون لا نهائي وليس له مركز أو حدود أو محيط أو ارتفاع أو انخفاض وكل شيء يجري ويتحرّك ويدور. ووراء هذه العوالم التي نراها ثمّة عوالم أخرى ووراءها عوالم لا حصر لها وهكذا إلى ما لا نهاية. أنكر برونو التثليث والتجسيد المسيحييْن، واتّهم المسيح والرُسُل بخداع الناس وتضليلهم بالمعجزات المزعومة. حُوكم وبقي متمسّكاً بأقواله، ورفض التراجع عن أفكاره، وعندئذٍ جُرّد من ثيابه ورُبط لسانه وشدّ إلى خازوق فوق ركام من الحطب وأُحرق حيّاً.
يرى أن الفكر العربي بدأ انغلاقه مع أبو حامد الغزالي


أما في ما يخصّ الملاحدة العرب، فيشير أبو فخر إلى أن الإلحاد العربي أنكر الوحي والنبوءات، ولم ينكر الخالق، إذ أحلّ العقل في محل النقل، أي الوحي، والإنسان في محل النبوّة، فلم يكفّ الشاعر السوري الخالد أبو العلاء المعري عن تنبيه الورى إلى ضلالاتهم وخطَل معتقداتهم، إذ قال:
أفيقوا أفيقوا يا غواةُ فإنما
ديانتكم مكرٌ من القدماءِ
إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ
لجلبِ الدنيا إلى الرؤساء
وأيضاً له:
إذا رجع اللبيبُ إلى حُجاه
تهاونَ بالشرائع وازدراها
يرى أبو فخر أن الفكر العربي بدأ انغلاقه مع أبو حامد الغزالي عندما اعتقد واعتقد المسلمون معه أنهم ختموا العلم ووصلوا إلى ذروة المعرفة، وأن معارف الوجود محفوظة كلها في السِّير النبوية وكتب الأحاديث والتفاسير والروايات ونصوص الفقهاء وكلام المتكلّمين.
وعلى هذا النحو، فإنه إذا كانت الماسونية في أوروبا وارثة الفكر الربوبي والتأليهي الذي كان له الأثر الكبير في انبثاق عصر التنوير، فإنه لم يكن للماسونية في بلادنا غير أثر بسيط لدى المفكّرين المتنوّرين أمثال جرجي زيدان، وفارس نمر، ويعقوب صرّوف، وعبد الرحمن الشهبندر وأمثالهم. إذن فمعيار أبو فخر كتابة بحثه لمن نزع من رأسه خرافات الأقدمين مقتدياً بقول أرسطو «أفلاطون حبيبي ومعلّمي، لكن الحقيقة أحبّ إليّ منه»، ومردّداً، في الوقت نفسه، قول المتنبّي:
لكلّ داءٍ دواءٌ يُستطبّ به
إلا الحماقة أعيتْ من يداويها
إشارة إلى أن ملاحظة المؤلف على احتضار الماسونية في المشرق العربي عموماً تحتاج إلى وقفة متأنية، إذ رأى، مصيباً، أن نكبة فلسطين عام 1948 مثّلت بداية انحسار الماسونية في بلادنا، ولاحقاً أُقفلت المحافل الماسونية في مصر (1964) وكذلك في سوريا (1965)، ودخلت في سبات عميق وانشقاقات صاخبة، وصارت مدعاة للهزء كما جرى في لبنان في ثمانينيات القرن المنصرم على سبيل المثال.
على هذا النحو هو كتاب صقر أبو فخر: إيضاح ما استشكل في شأن الماسونية العربية التي لم يكن لها أي شأن سياسي مهم، ومحاولة لإعادة التاريخ إلى نصابه الصحيح.
هذا هو الأستاذ صقر في سفره النفيس، الأنيق الدقيق، عن الماسونية، أصلاً وفصلاً. أمّا أنا، ومن باب تصفية نيّتي، كما يُقال في بلادنا، وحيث إن صوفتي حمراء، وإنْ كانت أقلّ احمراراً من صوفة صقر، فإنّ معياري النقدي دائماً نصّ أنطون سعادة وعليه أتكئ في موقفه من الماسونية كما أعلنه في بيانه عن الماسونية يوم 10 أيار (مايو) 1949، وقبل شهرين من إعدامه وشهادته، ففقرته التاسعة والأخيرة هي القول الفصل ومسك الختام:
«إن كل حقّ وكل خير وكل جمال إنساني يجدها الإنسان في مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية وتعاليمها السامية فلا يحتاج إلى غيرها. إن السوريين القوميين الاجتماعيين الذين كانوا ماسونيين قبل انتمائهم إلى الحركة القومية الاجتماعية، والذين انتموا إليها بعد أن اعتنقوا المبادئ القومية الاجتماعية غير عالمين بالتضارب بين أهداف المنظمتين يجب أن يعلموا أنه لا يمكن الجمع بين ولاءين».

* باحث فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا