تصطفّ الأهرام من الجنوب إلى الشمال بدءاً من الهرم الأكبر. لكنه ليس اصطفافاً شمالياً- جنوبياً تاماً، بل مع ميل إلى الشرق. وقد سمّتها المصادر العربية تبعاً لموقعها. فهرم خوفو هو الشماليّ، وهرم خفرع هو الجنوبيّ. لكنه يشار أحياناً إلى هرم خفرع على أنه «غربي» مقارنة بهرم خوفو الذاهب شرقاً. أما هرم منقرع، فلا يوصف بموقعه بل بالإزار الحجري الغرانيتي ذي اللون المحمر الذي يلفّ أسفله. لذلك يُسمى أحياناً بالهرم الملوّن، وأخرى بالهرم المؤزر.

وتحدد لنا المصادر العربية، نقلاً عن مصادر قبطية قديمة، الهوية الجنسية لكل هرم من أهرام الجيزة الثلاثة. وهي تفعل ذلك عن طريق وصف «روحانية» كل هرم. وبالروحانية تقصد التجسّد. والتجسد يعبّر عن الطبيعة الجوهرية للهرم. أما روحانية هرم خفرع، فهي روحانية مؤنّثة، في حين أن روحانية الهرمين الآخرين روحانية مذكرة. فهرم خوفو يتجسّد بروحانية، أي روح، شابة، في حين أن هرم منقرع يتجسّد بروح رجل مسنّ. وخذ ما يقول المقريزي، الذي ينقل عن إبراهيم وصيف شاه في ما أظن:
«وحكى القبط في كتبهم: أنَّ روحانية الهرم الشماليّ [هرم خوفو]: غلام أمرد، أصفر اللون، عريان، في فمه أنياب كبار. وروحانية الهرم الجنوبيّ [هرم خفرع]: امرأة عريانة، بادية الفرج، حسناء، في فمها أنياب كبار تستهوي الإنسان إذا رأته، وتضحك له حتى يدنو منها، فتسلبه عقله. وروحانية الهرم الملوّن [هرم منقرع]: شيخ في يده مجمرة من مجامر الكنائس يُبخَر بها. وقد رأى غير واحد من الناس هذه الروحانيات مراراً، وهي تطوف حول الأهرام وقت القائلة، وعند غروب الشمس» (المقريزي، المواعظ والاعتبار). وهكذا، فهرم خوفو «غلام أمرد»، أما هرم منقرع فـ «شيخ في يده مجمرة»، في حين أن هرم خفرع «امرأة عريانة بادية الفرج حسناء». وقد رأى الناس، تبعاً للمقتبس، تجسّدات هذه الأهرام تطوف عند غروب الشمس مراراً.


يضيف البكري مؤكداً هذا التصنيف الجنسي للأهرام:
«وفي خبر آخر أنه وكّلَ بالأهرام روحانيين، فجعل في الهرم الغربي [هرم خفرع] روحانياً في صورة امرأة عريانة، مكشوفة الفرج، لها ذؤابتان. فإذا أرادت أن تستفز الإنسان ضحكت إليه واستجازته إلى نفسها. وقد ذكر ذلك من رآها وقصدها. ووكّل بالهرم القبلي [المقصود هنا الشرقي، أو الشمالي وليس القبلي. والحديث عن القبلي سهو أو خطأ. فالمقصود هرم خوفو] روحانياً في صورة غلام أمرد عريان، قد رُئي من خارجه مرة بعد مرة، ثم تغيّب عنهم. وفى الهرم الملون [هرم منقرع] صورة شيخ في كفه مجمرة كنائسية كأنه يتبخّر، وعليه ثياب الرهبان» (أبو عبيد البكري، المسالك والممالك).
وأنا أعتقد، أن هذا التحديد الجنسي ينقل تقليداً فرعونياً قديماً جداً، وأصيلاً صحيحاً. أعرف بالطبع أن الاعتقاد السائد الذي بثّه الباحثون الغربيون أن الأهرام الثلاثة قبور للملوك الثلاثة الذين بنوها. لكن فرضيتي تقول إن الأهرام ليست قبوراً بشرية، بل مقرات آلهة. أو قل إنها قبور آلهة. وما كان بإمكان الناس أصلاً أن يتحملوا التكاليف الرهيبة لبناء هذه الأهرام لو كانت قبوراً لملوك. لقد تحمّل المصريون القدماء تكاليفها لأنها مشروع ديني ضخم. فهي تمثل مكة العهد القديم وفاتيكانها وقدسها معاً.
وما دامت الأهرام الثلاثة تتكوّن من ذكرين وأنثى في الوسط بينهما، فهي بشكل ما تشبه الثالوث العربي المكي (اللات والعزى ومناة). أقصد أن الثالوث المصري هو ذاته الثالوث المكي، لكن مطروحاً بالحجر على أرض الجيزة:
اللات – العزى - مناة
خوفو – خفرع - منقرع
بالتالي، فروحانية الهرم الأكبر تشبه روحانية اللات، في حين أن روحانية الهرم المؤزر تشبه روحانية مناة. أما هرم خفرغ، فروحانيته تشبه روحانية العزى، التي هي المؤنث الوحيد في الثالوث العربي هو. أما الحدان الطرفيان، أي اللات ومناة، فهما مذكران، كما برهنت طوال سنوات. بذا فالمرأة الـ «عريانة بادية الفرج» التي تسكن هرم خفرع شبيهة العزى. إنها العزى الفرعونية، أي إيزيس في الواق. وإيزيس هي نجمة الشعرى اليمانية. يؤيد هذا أنّ أبا الهول مرتبط بالهرم الأوسط على وجه الخصوص. فهو وهرم خوفو يشكلان كتلة واحدة. وأبو الهول كلب ما.
بذا يمكن الافتراض أنه (أنوبيس) ابن إيزيس المتبنّى. فهو في الأصل ابن أختها نفتيس، لكنها تبنّته وصار ابنها. ومن أجل هذا وضع قرب هرمها، هرم خفرع، ولم يوضع قرب واحد من الهرمين الآخرين. يؤيد هذا أن للهرم الأوسط بابين لا باباً واحداً. ذلك أن روحين تسكنانه: إيزيس وابنها أنوبيس.
ويمكن لي أن أقول بناءً على هذا أن الأهرام الثلاثة ميزان كوني معقّد. فهي:
أولاً: ميزان جنسي بين الذكر والأنثى، حيث للذكر مثل حظ الأنثيين. أي أن للرجل ضعف ما للمرأة.
ثانياً: ميزان الشباب والشيخوخة، أي ميزان للزمان. فهرم خوفو هو الشاب، وهرم منقرع هو الشيخوخة.
ثالثاً: ميزان الفصول. فهرم خوفو مثل «اللات» المكي يمثل الصيف، في حين أن منقرع مثل «مناة» الذي يمثل الشتاء.
تحدّد لنا المصادر العربية، نقلاً عن مصادر قبطية قديمة، الهوية الجنسية لكل هرم من أهرام الجيزة الثلاثة


وإذا كان هذا الميزان يبدو مختلاً بالنسبة إلينا الآن، حيث يحصل الذكر على ضعف ما تحصل عليه الأنثى، فإن هذه معتقدات القدماء. لكن عليّ أن أقول إنّ هذا الخلل يعتدل إذا انتبهنا إلى أن الثالوث يشبه ميزاناً بكفتين، وأن عقدة الميزان فيه الأنثى. فإذا انحدرت نحو اليمين انتصر الصيف. وإذا انحدرت إلى الشمال انتصر الشتاء. بذا فالأنثى بوجهين اثنين لا وجه واحد. إنها عملياً الخريف والربيع معاً، أي نقطة الاعتدال. بذا فالذكورة تطرّف، والأنوثة اعتدال. وهذا يبين أن الكون في نهاية المطاف رباعي لا ثلاثي.
وكنت قد قلت بهذا قبل سنوات طويلة في كتابي «عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية». الكتاب كان رحلة مغامرة في ديانة مكة والديانة المصرية القديمة. وما زلت متمسكاً بجوهر هذه المغامرة، رغم أي أخطاء فيها. بذا فالأهرام ليست قبوراً لملوك، بل فلسفة مطروحة بالحجر على أرض الجيزة. وفي عصر بناء الأهرام، بل وفي عصور أقدم بكثير، كانت الفلسفة تتبدّى كمعمار أكثر من أي شيء آخر. كانت تكتب بالحجر.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا