ترجمة مهدي النفري

(عن الهولندية)
يمكن أن تكون الحياةُ فريدةً كالحلم - حلم السعادة الذي يتحوَّل من دقيقة إلى قرن، أو ككابوس لا يمكنك الاستيقاظ منه مبكراً. ولكن يمكن أن يبدوَ الحلم أيضاً حقيقياً لدرجة أنك تتساءل عما إذا كنت تحلم حقاً، وما إذا كان العالم يُرى حقاً من خلال عيون اليقظة أم النوم، وحتى إذا كان العقل السليم يرسم خطاً بين الخيال والواقع، فيجب أن نعترف إذا كان الأمر صحِّياً بما يكفي للنظر فيه، وغالباً ما يكون التمييز بين الاثنين لغزاً.


لكن من يستحق أن يُدعى عقله بصحة جيدة؟ هل هو الرجل الذي لم يحلمْ قطُّ ولا يعرف حتى ما هو الوهم أم ذاك الوحيد الذي عقله خالٍ من العيوب؟ في هذه الحالة، يمكننا أن نكون على يقين من أنَّ هناك عدداً قليلاً من الأشخاص في هذا العالم الذين تكون عقولهم مثالية ولا تشوبها شائبة. يبدو أن الرجال الذين لا يحلمون أبداً نادرون جداً حقاً. أما بالنسبة لعقولهم، فقد قال أحد العلماء ذات مرة أن هؤلاء الرجال يفتقدون شيئاً أساسياً لأن قوة الفكر تعتمد على قوة الخيال.
ومضى يقول إن الأفكار الجديدة تولد في الواقع من الأحلام ومن الأوهام.
من ناحية أخرى، يبدو من المشكوك فيه أن الرجل الذي يحلم كثيراً يتمتع بصحة جيدة. هناك أشخاص تتوق عقولهم إلى الهروب من الواقع اليومي لدرجة أنهم يحتاجون فقط إلى إغلاق أعينهم لرؤية صور الأحلام. هذا ليس طبيعياً، يجب أن تعترف هذه العقلية بالإكراه على الفرار من عالم الأصحاب إلى عالم آخر من كائنات غير حقيقية؛ إنها غير معتدلة وغير منتظمة. أولئك الذين يفعلون ذلك فنتازيون وحالمون وقد يكونون عينات عادية وفريدة من نوعها، لكن في المجتمع البشري هم مثل بساتين الفاكهة بين الزهور وإحدى مراوغات الطبيعة الغريبة.
عندما كان كلوفرليف لا يزال شاباً، كان منعزلاً بسبب العديد من الانحرافات. الطعام والشراب الذي كان يتمتع به الجميع، مثل خبز الكشمش والحليب، يثير غضبه رغم اتفاق الجميع على جماليته، مثل بدلة يوم الأحد (بدلة تُلبس خصيصاً للذهاب إلى القداس) القبيحة في نظره.
الأشياء التي تلهب العاطفة في كل قلب، مثل شابة جميلة أو كأس من النبيذ الأحمر، تجعل معنوياته تغرق، لم يهتمّ بهذا ولا بذاك، وما كان يهتم به هو أشياء لم يعرفها حقاً، أشياء خارجة عن متناوله، مثل الجنيات والطعام الشهي. قال الناس إن هذا الرجل غريب، لا يوجد ما يرضيه، في الحقيقة لم يكن لديه رغبة في المتعة.
الشيء الوحيد الذي كان يستمتع به هو الجلوس بمفرده، أو الأفضل من ذلك، المشي بمفرده، لأن في فعله ذلك لم تنزعج الأوهام في رأسه.
كانت هذه التخيلات عملية مستقلّة عن إرادته. تبدأ في الجري في رأسه بمجرد أن يفتح عينيه في الصباح، وعندما يغلق عينيه مرة أخرى في السرير ليلاً. استمرّ في طريقته المختلفة قليلاً. كان يحاربها أحياناً، لأنه سئم منها أو لأنه يعتقد أن قلبه بحاجة إلى شيء أكبر. فجأة، يعود برغبة عارمة إلى الانحراف، ليفاجئ سلوكه المتطرف الناس. ومع ذلك، رغم أن رأسه سيوقف عرض الصور الخاصة به، طالما ظل نشطاً بشكل محموم، لا يكاد يتوقف حتى يفاجئه بعرض جديد أكثر حيوية وأكثر تلوُّناً من السابق. من حين إلى آخر، تحول هذا إلى معركة بين كلوفرليف وعقله. كان يتحدث مع الأصدقاء كثيراً وبصوت صاخب لدرجة أن عقله لم يكن لديه طريقة للعب ألعابه. لكنه لم يستطِع الاستمرار في ذلك لفترة طويلة.
سوف ننصب لـ «عقله» كميناً أثناء نومه، عندما لا تستطيع إرادته حمايته، وتغلب عليه الأحلام، القوية والقاهرة، بصور لا تعد ولا تحصى، عُرضت على عينه الداخلية في كل مرة لقرون، بينما كان كلوفرليف مدركاً للكذب بلا حول ولا قوة، ربما أعطيك انطباعاً خاطئاً عن تخيلات كلوفرليف. من يضع على هذه الصور أهو نفسه؟ عقله؟ هذا ما كان يؤمن به في شبابه، ولهذا قاوم في البدء تلك التخيلات وعارضها بقوة لكنه مع مرور الوقت استسلم لها وتقبّلها كما لو أنها جزء منه، رغم كل ما أصابه لم يترك فكرة أن هناك عقلاً أو روحاً أخرى تمتلكه وتستخدمه كلعبة. ربما كانت هذه مجرد فكرة خادعة أخرى، أبعد قليلاً عن الواقع وعن الفكرة السابقة، لأن هذا الوهم ذهب إلى أبعد من ذلك ليشمل ما هو خارق للطبيعة. ستفهمون مدى سهولة استعباد الرجل بخياله.
يمكن أن يؤمن بمثل هذا الشيء مهما كانت الحالة، لم يكن لدى كلوفرليف أدنى شك في أنّ رأسه كان مجرد ملعب لجميع أنواع الأرواح، التي تواصلت مع بعضها البعض هناك، من دون أن ينتبه لها، على الرغم من أنه بدا أحياناً أنه يسلي الجميع بأفعاله.
من أطواره الغريبة الأخرى تفضيله القويّ لبعض الألوان والأصوات والروائح ونفور قوي بنفس القدر من الآخرين. قال إن صوت قطة أو نغمة تسبب له الألم، بينما صوت الرضيع أو الكلب كان موسيقى. من بين جميع الألوان، كان أكثر ارتباطاً باللون الأزرق، لدرجة يصعب أن تجد له مثيلاً، إذ لا يرتدي غير الأزرق - الأزرق الداكن أو الفاتح، في الشتاء، والأزرق السماوي في الصيف. كان هناك أيضاً لون يمقته، لون تسبب له في آلام شديدة تطعن في رأسه: الأخضر، بكل ظلاله. قد تعتقد أن هذه سمة شخصية غير طبيعية، لأن الطبيعة تحبها، بما أنها تحب أن تكتسي بالألوان الخضراء، بينما هو معجب بالألوان في الأشجار والعشب، رغم أن أفكاراً تراوده في كثير من الأحيان ليتّهم نفسه بسببها بأنه كاذب وسامّ وخبيث. الأخضر يحسده، كما يقول، والأخضر كره، وقلب الشيطان، عندما يرى أحداً ما مرتدياً اللون الأخضر، فإنه يتجنّب عينه. كان يعتقد أن السماء مليئة بضوء أزرق مشع، بينما الجحيم مشتعل بلهب أخضر تنبعث منه أبخرة خضراء. لا عجب أن الكثير من الناس اعتقدوا أنه رجل ذو أذواق وكراهية غريبة، وأن أولئك الذين علموا بأوهامه أشفقوا عليه، قائلين إنه يجب أن تكون لديه روح مريضة.
وذات يوم كان لديه حلم، أو وهم، أو هلوسة، أياً كان ما يمكن تسمية تلك الظاهرة، وبعد ذلك خشي هو نفسه أن يسمِّم ذلك عقله.
عندما غادر المنزل في ذلك اليوم حوالى الساعة الرابعة عصراً، كان لا يزال في حالة يقظة. كان الجو في أواخر شهر حزيران حاراً ورطباً بشكل جائر. فوق الأسطح، قام بإخراج وهج أخضر من النوع الذي تراه أحياناً قبل العاصفة، وفوق الطوب الذي يصطف في الشارع هو أيضاً.
اكتشف بعض تلميحات اللون الأخضر في الظلال. ذكّره الهواء الذي يتنفّسه برائحة مخلل الخيار. كان بإمكانه عادةً تحمل تلك الرائحة جيداً بما فيه الكفاية، ولكنها الآن أصبحت تشعره بالاشمئزاز لدرجة أنه قام بالالتفاف في شوارع مختلفة. بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى أطراف المدينة، كانت السماء قد غُطيت ببريق أصفر هنا وهناك. يا له من مكان غريب، قال كلوفرليف في نفسه، متخيلاً أنه ضلَّ طريقه. ثم تجمد في دهشة. على سرواله الأزرق الخزامي، من أعلى إلى أسفل، وسترته الزرقاء الغامقة، خاصة على الأكمام، رأى نجوماً صفراء صغيرة وأزهاراً تدور بسرعة. أراد أن يمسحها بيده، لكنه لاحظ أن هذه البقع تركت خضرة مثل مياه القناة. جعلته يرتجف. عندما نظر إلى أعلى، وقف سائق حافلات أمامه مرتدياً سترة خضراء، بشوارب خضراء طحلبية، وأمره بركوب عربة ذات لون أخضر داكن وقذر. فكّر كلوفرليف، هذه فكرة سيئة، ولكنها قفزت على أي حال بداخله كرائحة الكبريت، ولاحظ أن العربة تسير باتجاه منحدر حاد. توقف السائق بشكل مفاجئ، وأشار إلى الباب وأمره بالهرب سريعاً، لأن الأمر أصبح خطيراً هناك. كنت أعرف ذلك، فكر كلوفرليف، الذي شعر كما لو كان حلقه مقروصاً. ركض إلى أسفل التل بدافع ما، وبينما كان يجري أدرك أنه كان يحلم. حسناً، إذن، فكّر، ليس لديّ ما أخاف منه. يجب أن تكون هناك روح تلعب خدعة لئيمة أخرى. توقف، ولما بدأ رأسه يزداد ثقلاً، ترك نفسه تستلقي على بعض الشجيرات، التي كانت رائحتها كما لو كانت مرسومة. كانت البقعة التي جلس فيها لا تزال على نفس المنحدر، مع أشجار تحته ذات قمم مستديرة ومظهر مطلي بلون داكن، مظلمة مقابل زرقة السماء. من اليمين واليسار، رأى نساء محجبات يجلسن من حوله، وجوههن مغطاة، مذعورات، تفحصهنَّ واحدة تلو الأخرى وأعتقد أن كل واحدة منهن جميلة، جعلنه يعتقد ذلك، لأنهن كنَّ جميعاً يرتدين حجاباً أخضر، في مجموعة متنوعة من الظلال أكثر من أي وقت مضى - أخضر بحرياً، أخضر شفافاً، من الفاتح إلى الداكن وعلى طول الطريق إلى الأسود المخضر، البرونزي الأخضر، الزمرد الأخضر، والماكريل الأخضر، والأخضر الراتينجي - ويمكنه أن يدقِّق في كل حجاب ويرى القلوب الخضراء. على الرغم من أنه كان يعلم أنه لا يمكن أن يكنَّ جميلات، إلا أنه شعر بالانجذاب إليهن. عند النظر إلى إحداهن، كان يتوق إلى النظر إلى الأخرى، وبمجرد أن استدار إلى الأخرى، انجذب إلى الأولى. قال كلوفرليف في نفسه: هكذا يبدأ الحب. لم أعتقد أبداً أنه سيكون لدي أي علاقة بالحب، وسأندهش إذا تمكنت روح غبية من تغيير ذلك. هل حان وقتي بعد كل شيء؟
نشر ذراعيه وكان على وشك الوقوف والالتفاف حول إحدى الشخصيتين، لكنه لم يستطع. استعدت وانتفضت، وسقط الحجاب من رأسها، وعيناها الكبيرتان من الملكوت تنظران إليه. انزلقت ضفيرتان على كتفيها، ثعبانان أخضران. فتح الفم وكان الصوت مثل أمواج بحر تتصادم.

(❊) ولد آرثر فان شخندل في جاكارتا، في أندونسيا عام 1874 وتوفي عام 1946 في أمستردام. صدر له العديد من الروايات منها: «المتشرد في الحب»، «دراما هولندية»، «جبل من أحلام».