أغمض عيني ثم أفتحها على مشهد لأناس يصعدون إلى الباص، وآخرين ينزلون منه تباعاً على امتداد الطريق. ولا أوليهم اهتماماً.

أعاود النظر من النافذة إلى اللاشيء، إلى اللامكان، بعينين ذابلتين، والباص يسابق الريح، عائداً بي إلى البيت محمَّلةً بخيبة أملي. المقابلة رقم عشرة باءت بالفشل. لم أنجح في الحصول على عمل، بالرغم من شهاداتي المعلقة على الحائط.

جاك سبنسر ــــ «دوار الشمس» (مواد مختلفة ـــ 62.9 × 61 سنتم)

لطالما روى لي أبي معاناته في تحصيله للعلم.. في صغره، لم يملك أبداً وقتاً للدرس، أو المراجعة قبل الامتحانات، إلا ما يتبقى بعد فراغه من معاونة جدي في عمله في الأرض. ورغم ذلك لم يكن مسموحاً له أبداً أن يرسب في صفه. غادر القرية إلى بيروت لإكمال دراسته الجامعية، واندلعت الحرب الأهلية، ولم يخسر أيّاً من سنواته الجامعية! كان يتلطى - مع غيره من الشبان - من رصاص القناصين كي يصل بسلام إلى جامعته التي كانت تقفل أبوابها بين حين وآخر، لفترات غير قصيرة.
تخرَّج أبي من دون إضاعة سنة واحدة، وتقدَّم إلى امتحان الوظيفة الرسمية، ليحصد المرتبة الأولى ويغدو أستاذاً ثانويّاً ذا مستقبل آمن بعض الشيء. ذكيٌّ أبي، ذكيٌّ جداً، لدي يقين أنه كان قادراً على أن يصل إلى أهم المراتب العلمية، ويحصد أعلى الجوائز لو ساعدته ظروفه.
لا أجد من حاز جائزة نوبل للعلوم أذكى من أبي أبداً. ولكنه حرص على أن يفني عمره في سبيل توفير ظروف أيسر لنا، كي يفتخر بما سنكون عليه في المستقبل.
إلى جانبي امرأتان في منتصف العمر، تثرثران كثيراً كما لو كانتا في الدار تحتسيان الشاي. يعلو صوتهما على صوت الهواء الذي يلفح وجهي وضجيج السيارات على الخط السريع والأغاني الهابطة التي يرغمني السائق في هذا اليوم المنحوس على سماعها. لا أرغب في الالتفات إليهما مطلقاً.
تكمل المرأتان صراخهما وأعلم رغماً عني أنهما تسكنان في حارتين متجاورتين، وأنهما لا تلتقيان بسبب كثرة الأشغال، وأن ابنيهما تصادقا في طفولتهما إلى أن أبعدتهما مسافات الحياة. وأشعر بالتعب.
وتكمل ذات الصوت الخشن من فرط التدخين حديثها، وأفهم أنها تواسي رفيقتها بطلاق ابنتها من «ابن الحرام»، فتقول لها: - يعني.. اللي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته..
وتسترسل المرأة بالشرح واصفةً حياة جارتها التي تسمع صراخها كل أسبوع ولا تترك بيت معنّفها، إذ لا مأوى لها غيره.. ويعلو صوت المرأة المنكوبة بطلاق ابنتها فتسترسل بالحديث عن «أشباه الرجال» ثم يخمد حزنها..
وأشعر بالكثير من الأحاسيس التي لا أدرك ماهيتها، وأسأل نفسي: هل عليَّ أن أجد من هو أسوأ حالاً مني كي أشعر بالرضا؟
«يلي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته»! أيؤنسني مثلاً أن أجد صبية في مثل عمري تعاني من أزمة صحية منعتها من أن تعيش يومها بيسر، فلا تشغلها قضية كالحصول على عمل؟
يا لهذه المعادلة المريضة.. أن ننقب عن تعاسة غيرنا كي نواسي أنفسنا. يا لغبائنا حين ندّعي أننا نفهم كيف تلهو الحياة بمصائر غيرنا.
يدخل الهواء عينيّ فتذبلان أكثر. تنزل المرأتان بضجيجهما ويكمل الباص طريقه. وأنعم بنظري الذي يسرح في حقل منسَّق بعناية إلهيَّة، أتأمّل دوّار الشمس وهو يلتفت إلى النور بتناغم جميل.
- داخلي مبعثر يا الله، هلا رتبته؟
* نانت/ لبنان

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا