يقول الشاعر آلان بوسكيه: «الوجود كتاب نقرأه بلا توقف. وسرعان ما نكتشف أنه كُتب في لغة أجنبية، لا يمكن فهمها أبداً». من هنا تبدو الكتابة بالنسبة إلى الروائية الأردنية كفى الزعبي محاولة قويّة للذهاب إلى منطقة اكتشاف المعضلات النفسية والاجتماعية والشعور بالتماس معها، كأنّها تسرد أسئلة الواقع بطريقتها الخاصة لأن الواقع لغة صعبة تحتاج إلى سبر وخوض. واللغة هي أيضاً عالم تريد أن تكتشفه، وتشعر بجرح الواقع داخله حتى يتسنّى لها معرفته معرفة أخرى.

في روايتها الجديدة «مدينة أبي» الصادرة عن «دار الآداب»، تتحدث الكاتبة بلسان شخصيتها الرئيسية نبيل الذي يعود إلى المضارب «مدينة أبيه» كي يدفنه فيها. يحاول أن يقيم ويكتشف المدينة التي دخل فيها أبوه السجن، ولكنه حين خرج منه، هرب من مدينته إلى أوروبا، إلى مدينة غاربيا وهي مدينة أمه. لا تبدو الغربة في الرواية انقساماً بين عالمين أو مدينتين، بل هي عودة إلى «هنا»، ورؤية الـ «هناك» كعالم بعيد. يذهب نبيل إلى المضارب كي يقيم هناك، لكنه مثل بطل قصته التي يكتبها، يغرق في عتمة المدينة وكأنه يبحث هناك عن أبيه ولا يجده. إنها الغربة الداخلية حيث يشعر نبيل أنه وحيد والشخص الذي يبحث عنه هو نفسه في عالم يفكّر بمنطق جمعي ولا يحترم الفرد. تتنقل الروائية بين عنوانين لكل الفصول هما «المدينة التي لا تعرف البحر» و«المضارب». نكتشف في ما بعد أن «المدينة التي لا تعرف البحر» هي القصة التي يكتبها بطل الرواية نبيل، وهي نفسها المضارب وربما يكون البطل هو ذاته نبيل أو أبوه أو المغدور به الذي صادفه في المدينة ورأى فيه شخصية أبيه.


لعل المعنى من «التنقل» بين هذين العنوانين أو الفصلين هو انعكاس لمعنى أن نعيش في اللغة أيضاً، وهي عالم حقيقي للغاية يحدث بالتوازي مع الواقع. فها هي القصة التي يكتبها نبيل تحاور وتناقش شخصيته الحقيقية، وما يختلف فيها هو أنها بلا أسماء ولكن مفرداتها مجازية تتحدث عن العتمة والكابوس والماء الذي لا يريد أن يشربه كباقي الناس.
تطرح الكاتبة هنا معضلة المثقف كأنه المثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي. إنه ليس المثقف الذي يعيش في أبراج وهمه ويكذب على نفسه وعلى الناس، حيث كانت هذه الشخصية متمثّلة في طليق سناء التي تعرّف إليها نبيل ونشأت بينهما علاقة حب لم تتوّج بالزواج بسبب طريقة تفكير طليقها الشاعر الذي لا يفكّر بها ولا بابنه، فيرفض أن يعيش ابنه مع شخص غريب ويهدّدها بأخذه منها إذا تزوجت. وتظهر هنا شخصيتان مختلفتان لفهم الثقافة. ورغم أن نبيل أيضاً يكتب، لكن الكتابة ليست انغماساً في عالم مجازي منفصم عن واقعه، كما كان طليق سناء. كانت الكتابة بالنسبة إلى نبيل هي وضع يده على الجرح الحقيقي وفهم دوره كفرد.
ورغم أن نبيل لا يفقد الأمل، إلا أنه يكتشف أنه في مدينة تريد أن تقتل روحه. يظهر أمامه عالم الـ «هنا» قاسياً مثل عالم الـ «هناك». ورغم أن الـ«هنا» يضطهدك كفرد، فإن الـ«هناك» يضطهد الأقوام الأخرى بتمييزه العنصري. لذلك يكتب نبيل عن بطل قصته «المدينة التي لا تعرف البحر» بأنه في النهاية يختار الوسيلة المتاحة له كي يحافظ على بقائه هي الاختفاء منه، وهذه هي المعضلة الحقيقية. ولكن الكاتبة تختار نهاية أخرى لبطلها نبيل. فرغم أن سناء تُقتل في جريمة شرف يرتكبها أخوها لأنه يعلم بعلاقتها مع نبيل، إلّا أن نبيل يختار أن يعود إلى المضارب كي ينتقم من الذين قتلوها. يبدو أن نقد الواقع هنا هو غوص بداخله لرؤيته كما هو. كأنّ مهمّة الكاتبة هي الكشف ونزع الستار. الخروج من المأزق هو هم البطل، لكنه لا يرى الهروب هو الحل. فهو يقترح عودة أخرى إلى مدينة أبيه للانتقام، وليس للاكتشاف هذه المرة. يبدو أن أفق الحب مسدود وهو ليس الخلاص الوحيد، فهو يشكو أيضاً من القيود التي تحاصره فيصبح الحب بذاته ضحية.
تطرح الكاتبة معضلة المثقف كأنه المثقف العضوي الذي تحدّث عنه غرامشي


لا تعطي الكاتبة لبطلها هالة ما، فرغم أنه مثقف وآتٍ من عالم آخر لكنه في الوقت نفسه ينخرط أحياناً داخل هذا المنطق الجمعي ويراعيه ليتفادى مخاطره، فيضطر أحياناً ليقول أشياء عكس ما يؤمن به. وأما الشخصيات، فتتداخل وتتشابه أحياناً، فتبدو سناء الوجه الآخر لنبيل وقد قتلت مثل المغدور به، ونبيل هو وجه آخر للمغدور به ولأبيه ولبطل القصة التي يكتبها. فالكل هو ضحية لا المرأة وحدها، وهذا ما يجعل الذكورية منظومة فكرية. هذا التداخل في الشخصيات يذكّرنا أن الحياة تعطينا وجوهاً نحاول أن نضيف ملامح خاصة لها في خيالنا، فتطرح أسئلة مختلفة لكي تتفرد وهذا ما فعلته الكاتبة. إنها لعبة لتكرار الأشياء نفسها، كما تحدث في المدينة، فمرّة تسرد الكاتبة فصلاً عن المضارب، ومرة عن المدينة التي لا تعرف البحر رغم أنها الحكاية نفسها، فهي محاولة لسردها كما يراها البطل. نشعر أننا أمام مرآة هي مرآة الكاتبة تجعلنا نرى الأمور من وجهة نظر نبيل كأنه وجه آخر من وجوهها وأدوارها في انتقاد منظومات الثقافة السائدة كما تقول على لسان سناء: «كلهم أخذوا يكررون صراخ الحشود بكلمات منمقة».
«مدينة أبي» رواية عن الغربة الداخلية في عالم لا يحب الاختلاف، فلا يستطيع الفرد الذوبان ولا يقترح الهرب، ليظل عالقاً يحلل ويرى الأمور وفي الوقت نفسه لا يفقد الأمل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا