القاهرة 2012. كل شيء ذلك الصباح كان مختلفاً، الشوارعُ مغسولةٌ بماء المطر، رائحة هواء مُنعشة، نسمات باردة تهبُّ من وقتٍ إلى آخر، وكانت تشعر بأنها خفيفة، خفيفة كريشة تحملها الرياح.

ولكن في هذه الصباحات الجميلة التي لها مذاق خاصّ.. ماذا على المرء أن يفعل؟ مؤكّد أي شيء.. أي شيء سيكون أفضل من أن ينفقها بين أربعة جدران زجاجية كاتمة للصوت.. كاتمة للحياة، ليواصل هناك روتينه. «لا، لن أذهب للعمل»، هكذا قررت.
ليس فقط لأنه صباحٌ يُبشّر بيوم جميل، ولكن لهذه الخفة في الروح التي تشعر بها، هذه الخفة التي نادراً ما شعرت بها، كريشة تحملها الريح.
أخيراً تخلصت من ألم الفقد، هذا الشعور الذي أخذ يتضاءل مع الوقت بداخلها حتى بات لا يُذكر. تأكدت من ذلك منذ كفت عن مدِّ يدها للطاولة التي بجوار فراشها تتناول هاتفها وتتحرى وجوده على تطبيقات المحادثة! كانت تتألم ويساورها الشك كلّما وجدت ظهوره في ساعات متأخرة ليلاً.. أما إذا كان متصلاً لوقتٍ طويلٍ أو بدَّل صورته لأخرى أكثر وسامة، فتأكلها الغيرة. كيف لتقنية تطبيق تكنولوجي أن تفعل بها كل ذلك!
اليوم ما عاد يعنيها وجوده من عدمه، هكذا هي الحياة، الوقت يُنسينا كل شيء حتى من كنا نعتقد أن مواصلة الحياة بعدهم ضربٌ من الخيال. مع الوقت لا يبقى منهم سوى صدى أصواتهم.
من شارع لآخر، وجدت نفسها أخيراً في ميدان صلاح الدين بالقرب من بيتها في مصر الجديدة.

محمد أبو النجا ــــ «شارع القاهرة ــــ 2012 ـ 2013» (مواد مختلفة ـــ 100 × 100 سنتم)

الحياة في الشارع تبدأ هي الأخرى في الاستيقاظ. زمجرة شاحنات القمامة وقرقعتها، رجال متعلّقون بظهور شاحنات على الأرصفة يلقون عند أكشاك الجرائد حزماً ضخمة من الصحف والمجلات، المقاهي تُعدّ طاولاتها. المتاجر ترصّ معروضاتها، وتفوح من المطاعم روائح الفطور الشهية. إنها الحياة بعد ساعات طويلة من النعاس.
قادتها قدماها لمقهاها المفضّل الذي تذهب إليه منذ كانت طالبة، قبل اجتياح المقاهي الأميركية والإيطالية. كان وجوده إلى اليوم بمثابة تحدٍّ لهم.
وُضعت سبورة أمام باب المقهى خُطَّت عليها بالطبشور الأبيض قائمة الطعام بالخط نفسه لم تتغير منذ زمن. ابتسمت للنادلة وطلبت قهوة بالحليب وفطيرة تفاح بالقرفة. تنساب موسيقى هادئة يتخللها أصوات الزبائن ومن حين لآخر صوت ماكينة القهوة، هذه الضجة كانت تُحبّها.
من خلف الواجهة الزجاجية للمقهى جلست تُراقب الترام وهو يمر بهدوءٍ ورويةٍ، وكأنّ أمر الركاب لا يعنيه. لا تعنيه المشاوير التي تنتظرهم، ولا المصائر التي تتربص بهم..
تذكرت عندما كانت تستقله إلى مدرستها، وهذه الوجوه التي تنظر إلى بعضها، وجوه تترك وراءها شبح ابتسامة. ووجوه جامدة، وجوه مُعبّرة..
من بين الوجوه وجه لسيدة في منتصف العمر اعتادت أن تستقل معها عربة الترام ذاتها في التوقيت ذاته لتلفظهما إلى المحطة نفسها وتتوه بعدها كل منهما في زحام الحياة، على مدار السنوات لم تُبدّل معطفها الصوفي الذي نحل وبره، وبين دقيقة وأخرى كانت تُحكم عُقدة الإيشارب حول رقبتها، لا تنبس ببنت شفة ولا تشي عيناها الصامتتان بأي تعبيرات. تتطلع خارج النافذة إلى شيء غير مرئي، بعدها تختفي في الاتجاه الآخر من الحياة. حتماً كانت تلك المرأة مهمومة بشيء ما.
تساءلت: تراها أين هي الآن؟
بعد أن تركت المقهى، ابتاعت باقة من زهور الزنبق البرّي التي تزهر في هذا الوقت من العام وتجولت سيراً على قدميها في السوق. حتى انقضت ساعات الصباح ككل الأشياء التي تنتهي، تنتهي بجمالها، تنتهي بقبحها، كل الأشياء سواء، مصيرها الفناء.
عادت إلى المنزل وأعدّت لنفسها وجبة غداء شهية. جلست لتتناولها أمام الشاشة وهي تشاهد فيلماً فرنسيّاً عندما رنَّ هاتفها.
- مستيقظة؟
- نعم.
- حسناً، سأعرج عليك، خبزت كعكة البرتقال التي تحبينها..
أقفلت الخط دون أن تنتظر ردّاً منها. على أي حال لم يعد الأمر بمثل هذه الأهمية، كانت علاقتهما قد توطّدت، وأصبح من العادة أن تزورها في أي وقت وتستقبلها بملابس البيت، وتذهب للمطبخ بنفسها لإعداد قهوتها المفضلة.
كانت تُحاول بشتى الطرق أن تخرجها من عزلتها. في البدء، لم يرقها ذلك واعتبرته تطفّلاً خاصة أنها تهوى وحدتها، تشعر براحتها في هذه الشرنقة التي صنعتها لنفسها في هذه الزاوية الضيقة جدّاً من العالم: شيزلونج ومكتبة صغيرة ونافذة بستائر حريرية. كان هذا ما يكفيها ويمنحها الأمان.
مع الوقت تقبّلت وجودها. صحيح هي تهوى وحدتها، ولكن ليس هناك من ضرر لوجود كائن بشري يُثرثر في أذنك بمشاكله وآماله وأحلامه. هكذا أقنعت نفسها.
لم تمرّ خمس دقائق حتى كانت دينا ترنّ الجرس بإلحاح كعادتها.
قطّعت الكعكة إلى شرائح وحضّرت لهما الشاي، وصاحت تسألها وهي في المطبخ:
- أتريدين حليباً؟
- نعم. القليل منه.
عندما وضعت أمامها كوب الشاي لاحظت أنها تبدو حزينة.
– هل هو مرة أخرى؟
- نعم.. فهو الوحيد القادر على أن يرفعني إلى السماء السابعة ثم يتركني أقع على جذور رقبتي.
- كيف تسمحين أن يتحكّم أحد بك بمثل هذا الشكل؟
- كيف أسمح؟! أنا لم أسمح، الأمر فوق إرادتي. أنا مسلوبة الإرادة.
- إذن اتخذي قراراً!
- لقد خيّرني بين الاستمرار معه على هذه الحالة أو الانفصال.
مدَّت ريم يدها وسحبت الكوب..
- أي حالة هذه التي تتحدّثين عنها؟.. إنه غير موجودٍ في حياتك بالمرة، من الأفضل أن تنسيه!
- لا أريد أن أنساه.
- مؤكد أنك مازوشية، تتلذّذين بتعذيب نفسك..
- وهل هناك أجمل من عذاب الحب، هل جرّبت هذا الشعور من قبل؟
- تقصدين الحب، أم عذابه؟
- وهل يوجد حب بدون عذاب؟
حملقت ريم في اللامدى هناك دون أن تُجيبها.
رنَّ هاتف دينا، ومن ردّها الجاف، علمت ريم أنه أخوها الذي تسكن معه بعد طلاقها من زوجها، فقد عادت لبيت أسرتها بعد ست سنوات زواجاً، غادرت فيهم أمها الحياة وسبقها والدها منذ سنوات طويلة.
– كالعادة، يقول إنني تأخرت ويسألني ماذا أفعل معك كل هذا الوقت؟ لقد أصبح كالسجان الذي يريد أن يتأكد من أن سجينته في الزنزانة قبل أن يُحكم إغلاقها بالأقفال والمتاريس.
غادرت متثاقلة الخطى بعد أن تمنّت لها أحلاماً سعيدة.

(*): الفصل الأول من رواية للكاتبة المصرية رشا عدلي تحمل العنوان نفسه صدرت حديثاً عن «الدار العربيَّة للعلوم ناشرون/ بيروت».
(**): القاهرة/مصر

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا