ترجمة وتقديم نوفل نيّوف


تندرج مارينا تسفيتايفا في عِداد الكوكبة الألمع بين شعراء «العصر الفضيِّ» الروسي: فاليري بريوسوف، فياتشيسلاف إيفانوف، ميخائيل كوزمين، مكسيميليان فولوشِن، ألِكساندر بلوك، أندريه بيلي، نيكولاي غوميليوف، آنا أخماتوفا، إيغر سيفيريانِن، بوريس باسترناك، أوسيب ماندلشتام، سيرغي يسينِن، فلاديمير ماياكوفسكي...وآخرين. ويغطي «العصر الفضي» (1890 ـ 1930) مرحلة ظلَّ معظمها حتّى وقت قريب شديدَ الغموض والتعقيد. وقد جاء مصطلح «العصر الفضي» للإشارة إلى ولادة نهضة ثانية، توازياً مع نهضة «العصر الذهبي» (الثلث الأول من القرن التاسع عشر) في تاريخ الشعر الروسي.


1. سيرةٍ ذاتية
ولِدتُ يوم 26 أيلول (سبتمبر) عام 1892 في موسكو. والدي: إيفان فلاديميروفِتش تسفيتايف، بروفيسور في جامعة موسكو، أسس وجمع الموادّ اللازمة لمتحف الفنون الجميلة (يسمّى الآن متحف الفنون التشكيلية)، وعالِمُ فيلولوجيا فذّ. والدتي: ماريّا إلِكساندْروفنا ماين، عازفة مولعةٌ بالموسيقى، تحبّ الشعر بشغفٍ وتكتبه أيضاً. ولَعي بالشعر أخذتُه عن أمِّي، وشغفي بالعمل والطبيعة أخذته عن والديَّ كليهما.
اللغات الأولى التي تعلّمتُها: الألمانية والروسية، ثم الفرنسية قبل السابعة من عمري. أكثرُ ما أحببت منذ سنِّ الرابعة: القراءة، ومنذ سنِّ الخامسة: الكتابة. كلُّ ما أحببتُه، أحببتُه قبل السابعة من عمري، وما أحببت بعد ذلك أيَّ شيء. أقول، وأنا في السابعة والأربعين من عمري، إن كلَّ ما قُدِّر لي أن أعرفه، قد عرَفتُه قبل سنِّ السابعة، وعلى مدى السنوات الأربعين التالية، كنت أعمل على وعيه وإدراكه.
أمِّي هي عنصر الطبيعة الغنائيّ نفسُه. أنا البنت الكبرى عند أمّي، ولكنّي لست ابنتها المحبوبة. إنها تفتخر بي، ولكنّها تحبّ ابنتها الثانية. ينغِّصني منذ الصغر نقصُ الحب. مَدْرستي الأولى هي المدرسة الموسيقية التي كنت أصغر تلميذة فيها، قبل أن أُكمِل السادسة من عمري. ثم المدرسة (الليسيه) التي انتسبت إلى الصف التحضيري فيها. خريفَ 1902، أسافر مع أمّي المريضة إلى الريفييرا الإيطالية، بلدة Nervi القريبة من جنوا، حيث أبدأ معرفتي الأولى بالثوريين الروس وبمفهوم الثورة. أكتب أشعاراً ثورية تُنشر في جنيف. ربيعَ 1902 ألتحق بمدرسة فرنسية داخلية في لوزان، حيث أبقى سنة ونصف السنة. أكتب أشعاراً فرنسية. صيفَ 1904 أرافق أمّي إلى شفارتسفالد في ألمانيا، حيث ألتحق في الخريف بمدرسة داخلية في فرايبورغ. أكتب أشعاراً ألمانية. كِتابي المفضّل في ذلك الزمن هو «ليختِنشتاين» لمؤلّفه ف. هاوف. صيف 1906 أعود مع أمّي إلى روسيا. وقبل الوصول إلى موسكو، تموت أمّي في البيت الريفي «بيسوتشنايا»، بالقرب من مدينة تاروسي.
خريف 1906 ألتحق بمدرسة داخلية في موسكو. أكتب أشعاراً ثورية. بعد هذه المدرسة، ألتحق بمدرسة داخلية أخرى، ثم أنهي السنتين السادسة والسابعة في مدرسة عادية ثالثة. نُمضي الصيف في الخارج، مرة في باريس، ومرة في دريزدِن. تنعقد صداقة بيني وبين الشاعر إلِّيس والفيلولوجي نيليندِر. سنةَ 1910، وأنا بعدُ في المدرسة الثانوية، أنشرُ مجموعتي الشعرية الأولى «أَلْبوم المساء» ـ تتضمّن قصائدي في سن 15 و16 و17 ـ وأتعرَّفُ إلى الشاعر مكسيميليان فولوشِن الذي كتب عنّي أوّل مقالة كبيرة (إن لم أخطئ). وفي صيف 1911، أسافر لزيارته في كوكتِبِل (في شبه جزيرة القِرْم. ـ ن.ن.)، وهناك أتعرّف إلى زوجي في المستقبل، سيرغي إفرون، وعمره وقتئذ 17 عاماً، ومنذ ذلك اليوم لا ننفصل. في عام 1912 نتزوّج. سنة 1912 تصدر مجموعتي الشعرية الثانية «المصباح السحري»، وتولد ابنتي الأولى أريادْنا. عام 1913 وفاة والدي...
منذ 1912 وحتى 1922 لا أتوقّف عن الكتابة، ولكنّي لا أنشر كتباً. لا أنشر في الصحافة الدورية إلا بضع مرّات في مجلة «سيفِرنيّي زابيسكي». منذ الثورة وحتى عام 1922 أعيش في موسكو. في عام 1920، تموت في المأوى ابنتي الثانية إيرينا وعمرها ثلاث سنوات. سنة 1922، أسافر إلى الخارج حيث أبقى 17 عاماً، منها ثلاثة أعوام ونصف العام في تشيكيا، و14 عاماً في فرنسا. عام 1939 أعود إلى الاتحاد السوفيتي لألتحق بأسرتي وأمنحَ ابني غيورغي (ولِد سنة 1925) وطناً.
أُحبُّ من الكتّاب: سلمى لاغِرْلِف، زيغريد أونْدْسِت، ماري بيب.
منذ 1922 حتى 1928 تصدر كتبي التالية: عن «دار غوسيزدات» ـ «الفتاة القيصر»، «فراسخ» 1916، ومجموعة «فراسخ»؛ في برلين عن دور نشرٍ مختلفة ـ ملحمة «الفتاة القيصر»، والمجموعات الشعرية («الفراق»، «قصائد إلى بلوك»، «المهنة» و«الروح») التي لم تستوعب كثيراً مما كتبته بين 1922 و1928. في براغ، سنة 1924، أنشر ملحمة «الشجاع»؛ وفي باريس، عام 1928، مجموعتي الشعرية «بعد روسيا». ليس عندي كتبٌ أخرى. تنشر الصحافة الدورية في الخارج: مسرحيّات غنائية lyriques كنت قد كتبتها في موسكو: «القدَر»، «مغامرة»، «نهاية كازانوفا»، «العاصفة الثلجية». الملاحم الشعرية: «ملحمة الجبل»، «ملحمة النهاية»، «السلَّم»، «من البحر»، «محاولة غرفة»، «ملحمة الهواء»، جزءان من ثلاثية «ثيسيوس»: ج1 «أريادنا»، ج2 «فيدرا»، «رأس السنة»، «الثور الأحمر»، ملحمة «سيبيريا». ترجماتي إلى الفرنسية: «Le Gars» (ترجمتُ ملحمة «الجدع» وفقاً للبحر الشعري في الأصل) مع لوحات نتاليا غونتشاروفا، ترجمتي عدداً من قصائد بوشكِن، ترجماتي الأغاني الثورية الروسية والألمانية والسوفيتية أيضاً. وبعد عودتي إلى موسكو، ترجمت عدداً من قصائد ليرمونتوف. بعد ذلك لم تُنشر لي ترجمات أخرى.
النثر: «بطل العمل» (لقاء مع ف. بريوسوف)، «ما هو حيٌّ عن حيّ» (لقاء مع م. فولوشِن)، «نتاليا غونتشاروفا» (حياة وإبداع)، روايات قصيرة من الطفولة: «بيت عند بيمِن العجوز»، «أمِّي والموسيقى»، «الشيطان»... مقالات: «الفن في ضوء الضمير»، «ملك الغابة»، قصص: «السياط»، «افتتاح متحف»، «برج في اللبلاب»، «عريس»، «الصيني»، «حكاية أّمي» وأشياء كثيرة أخرى. كتاباتي النثرية كلّها مستمدّة من سيرتي الذاتية.
كانون الثاني (يناير) 1940 غوليتصينو

2. إلى مسافرة لا تفارقني
تقفين في الباب مع حقيبة السفر.
يا لَلحزن في وجهك!
لو تريدين، قبل فوات الأوان، سنقرأ
الشعر معاً آخِرَ مرة.

ليكُن أن صوتنا المشترَك يردّد
كلاماً عامّاً حتى الآن،
لكنّ القلب انشقَّ فَرعَين
وطريقنا المشترك انشقَّ اثنين.

قبل فوات الأوان، احني رأسكِ
فوق البيانو، كما في قديم الأيام.
ولْنُغنِّ وداعنا الأخير
بابتسامات وأحزان ثنائية.

آن الأوان! صناديق الكرتون مربوطة،
واللحاف مشدودٌ بالحزام من زمان...
فليحفظِ اللهُ صوتكِ الرنّان
وعقلَك الحكيمَ ذا الستّةَ عشرَ عاماً.

حين تتجمّد السماوات كلّها في النجوم
فوق الغابات والحقول،
ستسرع اثنتان لا تفترقان صوب
أُناسٍ مختلفين في قطارات مختلفة.
1911

3. لقاء مع بوشكِن
أصعدُ طريقاً بيضاء،
غبراءَ، رنّانةً، شديدةَ الانحدار.
لا تَتعب رِجلاي الخفيفتانِ
من العلوِّ فوق الأعالي.

على يساري ظهْرُ جبلُ آيو- داغ العالي،
تحيط به هوَّة زرقاء.
أتذكّر ساحر هذه الأماكن
المخوتمَ الشَّعر.

على الطريق وفي الكهف
أرى يده السمراء قرب جبينه...
مثلَ عربة من زجاج
تقرقع على المنعطف... ـ

رائحة دُخانٍ ـ من عهد الطفولة ـ
أو قبائلَ ما...
فتنةُ القِرم الذي كان
في أيامِ بوشكِن الغالية.

بوشْكِن! ـ كنتَ ستعرف من الكلمة الأولى
مَن ذا الذي في الطريق إليك!
كنتَ أشرقتَ، وما عرضتَ عليَّ
أن أتأبّطَ ذراعَك ونمضي إلى الجبل...

كنتُ قلتُ لك وأنا أمشي،
غيرَ مستندةٍ إلى ذراعك السمراء،
بأيِّ عمقٍ أزدري العِلْمَ
وأرفض الزعيم،

كم أحبُّ الأسماءَ والرايات،
الشَّعرَ والأصوات،
الخمورَ القديمةَ والعروشَ القديمة، ـ
وكلَّ كلبٍ أصادفُه! ـ

الردَّ بأنصاف ابتساماتٍ على الأسئلة،
والملوكَ الشباب...
كم أحبّ شعلة لُفافة التبغ
في دروب الغابة المخملية،

الدُّمى ورنينَ قرْعِ الطبول،
الذهبَ والفضّةَ،
والأسماءَ الفريدة: مارينا،
بايرُن ورقصةَ الـ بوليرو،

التمائمَ، ورقَ اللعب، قناني العطر الصغيرةَ والشموع،
رائحةَ الرُّحَّل ومعاطفِ الفِراء،
ما تقوله الشفاهُ الفاتنةُ
من كلامٍ كاذبٍ يَدخل الروح.

هاتَين العبارتَين: كلّا أبداً، وإلى الأبد،
أخدوداً تخلِّفه العَجلة...
الأيدي السمراءَ والأنهارَ الزرقَاء،
ـ آهٍ، ومريولاك!

قرْعَ الطبول ـ معطفَ الآمِر ـ
نوافذَ القصور وعرباتِ الخيل،
الشجرَ في فم الموقد المتوهِّج،
والشّررَ المتطايرَ نجوماً حمراء...

قلبيَ الأبديَّ وخدمتَه
الملِكَ وحدَه!
قلبي وصورتي في المرآة... ـ
كم أحبُّه...

طبعاً... ـ لَما كنتُ تكلّمت،
ولكنتُ خفضتُ نظري...
ولكنتَ صمتَّ بحزنٍ ولطفٍ شديدين
وأنا أعانق شجرة سروٍ نحيلة.

لكنّا صمتنا كِلانا، أليس كذلك؟
ونحن ننظر كيف يشتعل أولُ ضوء
في مكان ٍ ما عند أقدامنا،
في كوخٍ جبليّ لطيفٍ صغير.

ولأن المسافة بين أسوأ الأحزان واللعبِ
خطوةٌ ـ لا أكثر!
كُنَّا انفجرنا بالضحك وركضنا
يداً بيدٍ نهبطُ الجبل.
1913

4. مقتطفات من دفاتر ويوميات
16 شباط 1936. لو خيّروني بين ألّا أرى روسيا أبداً، وألّا أرى دفاتر مسوَّداتي أبداً (أّقلُّه هذا الدفتر الذي يضمّ صياغات متنوّعة لـ «أسرة القيصر») لَما تلكّأت، وفوراً. وواضح ماذا. تستطيع روسيا أن تستغني عنّي، أمّا دفاتري: لا. أستطيع أن أستغني عن روسيا، أمّا أن أستغني عن دفاتري: لا. ليس إطلاقاً من أجل: العَيش والكتابة، بل من أجل العَيش ـ الكتابة، و: الكتابة ـ العيش. أي أنّ كلَّ شيء يتحقّق بل ويعاش في الدفتر فقط. أمّا في الحياة، فماذا؟ في الحياة هناك الحياة المنزلية: ترتيب البيت، الغسل، إشعال المدفأة، العناية. في الحياة: خدمة وغياب.

1917. عن الحبّ: نَبالةُ القلب أُرْغُن. احتراسٌ لا يضعف. دائماً هو أوَّلُ من يدقّ ناقوسَ الخطر. أستطيع أن أقول: إن الحبّ يستدعي فيَّ دقّات القلب، ودقّاتُ القلب تستدعي الحبّ.
■ ■ ■
القلب أُرْغُن أكثرُ ممّا هو عضو.
■ ■ ■
القلب يكون مقياساً لأيِّ شيء، ولا يكون مقياساً دقيقاً للحُبِّ.
■ ■ ■
كلَّ مرّة، حين أعرف أن شخصاً يحبّني أتعجّب، لا يحبّني أتعجّب، ولكنّي أكثر ما أتعجّب حين لا يبالي بي.
■ ■ ■
نظرة الحب الأولى هي المسافة الأقصر بين نقطتين. ذلك الخطّ الإلهيّ المستقيم الذي لا ثانيَ له.
■ ■ ■
في مشاعري، كما في مشاعر الأطفال، لا يوجد درجات.
■ ■ ■
قصة. ـ حين كنت في الثامنة عشر من عمري أحبّني مصرِفيّ يهوديّ حبّاً جنونيّاً. كنتُ متزوّجة وكان متزوِّجاً. كان سميناً، ولكنه جذّابٌ للغاية. لم نبقَ وحيدَين أبداً إلا نادراً جدّاً، ولكنه في تلك الحالة كان يقول لي كلمة واحدة فقط: «عيشي! عيشي!». ولم يقبِّل يدي أبداً. وذات مرّة أقام سهرة، من أجلي شخصيّاً، دعا إليها راقصِين رائعِين، فقد كنت حينها مغرمة بحبّ الرقص! أمّا هو فلم يكن يستطيع الرقص، لأنه شديد السمنة. وكان عادة، في سهرات من هذا النوع، يلعب الورق. في هذه السهرة لم يلعب. (عمر المتحدِّثة ستّ وثلاثون سنة، فاتنة)
■ ■ ■
قصّة بعض اللقاءات. تَوازُن مشاعر. حكاية طالب في الكلية العسكرية: ... «أعترف لها بالحب، وطبعاً، أُدندِن».
■ ■ ■
كم من قبلات الأمّهات تتساقط على رؤوسِ مَن ليسوا أطفالاً، وكم من قبلاتِ مَن لسنَ أمّهاتٍ تتساقط على رؤوس الأطفال!
■ ■ ■
عن نشيد الأنشاد: يؤثِّر بي نشيد الأنشاد، مثلَ الفيل: تأثيراً مرعباً ومضحكاً.
■ ■ ■
نشيدُ الأنشاد كُتِب في بلادٍ عِنبُها بحجم المِحدلة.
■ ■ ■
نشيد الأنشاد عالَمُ النبات والحيوان في خمسةِ أجزاء هو الأرض مجتمعة كلُّها في امرأة واحدة/ وحيدة. (بما في ذلك أميركا غيرِ المكتَشفة).
■ ■ ■
أفضلُ ما في نشيد الأنشاد قولُ أخماتوفا: «وفي الكتاب المقدَّس ورقةُ حَورٍ حمراء/ علامةٌ على نشيد الأنشاد».
■ ■ ■
كان يجب أن أَشرَبَك من رُبعيّة، لكنّي أشربك قطرةً قطرة، فأسعُل.
■ ■ ■
1918. لستُ بطلةَ حبّ، لن أغرق يوماً بحبيب. أغرق دائماً في الحبّ.
■ ■ ■
تنقسم الحياة كلُّها إلى ثلاث مراحل: التنبّؤ بالحب، فعلُ الحب، وذكرى الحبّ. أنا: ـ على أن يمتدّ وسطيّاً من 5 سنوات إلى 75، نعم؟
■ ■ ■
1919. 14 آذار. إنني، بالطبع، سأنهي حياتي بالانتحار، لأن كلّ رغبتي بالحبّ رغبةٌ بالموت. وهذا أشدُّ تعقيداً بكثير من «أريد» و«لا أريد». وربّما سأموت ليس لأن الحال سيّئة هنا، وإنما لأنها «جيِّدة هناك».
■ ■ ■
حبّي أمومةٌ حارّة، ليس لها أي علاقة بالأطفال.

5. شمْعتا وداع
في الحياة كنت دائماً أتجنّب الكبار، أحيط بهم مثلما يحيط كوكب بكوكب. لماذا أضيف إلى همومهم الحياتية والروحية جبلَ حبي أيضاً؟ إن لم يكن من أجل الحب، فلماذا اللقاء؟ إن كان من سبب آخر فهناك الكتب. وإن لم يكن الحب جبلاً، أستعمل هذه الكلمة بكل أبعادها، فأيُّ حبٍّ ذاك... صيانة النفس؟ ممّا من أجله جئتُ إلى هذا العالم؟ كلّا، ففي قاموسي دائماً «يُصان» الآخر.
■ ■ ■
قبلة من لا يحب تقول أكثر بكثير، وقبلة من يحب تقول أقلّ بكثير. القبلة بحدِّ ذاتها ليست كافية. إنها الشرب لكي نشرب من جديد. قبلة الحب ماء بحرٍ وقت العطش (ماء بحرٍ أو دمٌ يطيب لمن تحطّمت سفينتهم!). إن كان هذا قد قيل من قبل فإني أكرره، لأن الشيء الأهم ليس أن تقول جديداً بل أن تجد الكلمة الوحيدة الصائبة. أنا أفضِّل ألّا أروي عطشي أصلاً. إليكم أيضاً شيء آخر لم يكتب عنه أحد من قبل، رغم أنه واضح للعيان: قبلة الحب طريق سيّئ يفضي إلى النسيان. القبلة من الحبيب، وليس إلى الحبيب. يبدأون من قبلة الروح، يمضون إلى قبلة الشفتَين، وينتهون إلى قبلة القبلة. إلى الدمار.

(*) مقتطفات من كتاب صدر حديثاً، بعنوان: «مارينا تسفيتايفا: بعضُ حياةٍ وشِعر»، منتخبات شعرية ونثرية ويوميات وشهادات لها وعنها، تجميع وترجمة: نوفل نيوف، دار التكوين، دمشق.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا