كوني منخرطاً في نشر مؤلفات، وعرضها، وليس نقدها، منذ نحو عقدين من الزمن، أثار كتاب «داخل حلقة النقاد: عروض الكتب في أوقات عدم اليقين» (بوب ـ 2020) اهتمامي وآمل أن يجد القارئ متعة في قراءته. مع أن هذا المؤلف موضوع العرض يتناول نقد المؤلفات الأدبية في الولايات المتحدة، إلا أنه يكشف أموراً مشتركة مع النقد في بلاد العرب، على ما اطلعت عليه. الكاتبة فيليبا ك. تشونغ، عالمة اجتماع ثقافي متخصصة في كيفية تحديد وتقييم القيمة: وهذا يشمل القيمة التي نخصصها للأشياء الاجتماعية (مثل الكتب واللوحات والمعرفة والآراء وما إلى ذلك) والمجموعات الاجتماعية (مثل الخبراء والفنانين، مجموعات الأقليات...). حتى الآن، كان تركيزها التجريبي على مراجعي الكتب كوسطاء في السوق الثقافية.


يستكشف هذا الكتاب كيفية انخراط مراجعي الأدب الروائي في المشروع المزدوج لبناء: 1) قيمة الروايات الجديدة في غياب المؤشّرات الموضوعية للجودة الجمالية، و2) شرعية أحكامهم المهنية بالنظر إلى ذاتية الذوق. تقول إنها ابتعدت عن الحديث في ما يجب أن تكون عليه مراجعة المؤلفات إلى التركيز العملي على التحديات التي يواجهها المراجعون أثناء القيام بعمل المراجعة الفعلي. يرتكز نهج فصول العمل إلى أنواع عدم اليقين التي يواجهها النقاد عند كتابة المراجعات، وكيف يستجيب النقاد لهذه الشكوك، وكيف يؤثر ذلك في ما يفعله النقاد. تحدثت الكاتبة إلى أربعين من «نخبة النقاد» الذين نشروا مراجعات في الصحف والمجلات الرئيسية (معظمها أميركية) وسألتهم: كيف ولماذا دخلوا في مراجعة المؤلفات؟ وكيف فهموا أدوارهم وأهدافهم كمراجعين ومعتقداتهم حول «أخلاقيات المراجعة»، وأيضاً «لتحديد المراجعين الذين أعجبوا بهم أو لا يحبونهم وما وجدوه يستحق التقدير أو مسيئاً بشأن عمل أولئك المراجعين». علماً بأنها أخفت هويتها عمن قابلتهم.
تحدثت الكاتبة إلى أربعين من «نخبة النقاد» الذين نشروا مراجعات في الصحف


من خلال أخذ القراء وراء الكواليس في عالم مراجعة الأدب، يستكشف مؤلفها الطرق التي يقيّم بها النقاد المؤلفات رغم الذاتية المتأصلة فيها، والشكوك المتعلقة بالمراجعة عندما يبدو أن أي شخص يمكن أن يكون مراجعاً. بالاعتماد على المقابلات مع النقاد الذين يكتبون في «نيويورك تايمز» و«لوس أنجلوس تايمز» و«واشنطن بوست»، على سبيل المثال، تتعمق الكاتبة في بحث تعقيدات عملية كتابة المراجعة، بما في ذلك الاعتبارات والقيم والمخاوف الثقافية والشخصية. تستكشف الكاتبة كيف يقترن النقاد بمهام المراجعة، ولماذا يقبلون هذه المشاريع التي تستغرق وقتاً طويلاً، وكيف يرون مؤهلاتهم الخاصة لمراجعة مؤلفات معينة، والمعايير التي يستخدمونها عند إصدار أحكام أدبية. تكتشف أنه على الرغم من أن القراء يهتمون بالمراجعين، إلا أنهم قلقون بشكل خاص بشأن الكُتَّاب الذين يتلقون المراجعات، لأن هؤلاء هم على الأرجح أقرانهم الذين سيعيدون خدمات مماثلة في المستقبل، فإن مخاوف النقاد وإحباطاتهم عامل في استعدادهم أو إحجامهم عن كتابة مراجعات سلبية.
في وقت تتضاءل فيه فرص المراجعة التقليدية بينما تزدهر الأشكال الأخرى للمراجعة، أصبحت مراجعة الكتب كممارسة مهنية موضع تساؤل. يقدم المؤلف للقراء نظرة كاشفة على ردود فعل النقاد على هذه التحولات الهائلة وكيف يتم تحقيق القيم الأدبية من خلال جهودهم.
بعد الجزء الأول المخصص لعدم اليقين الإبستمولوجي، ننتقل إلى الجزء الثاني من المؤلف وهو عدم اليقين الاجتماعي، وهي منطقة مليئة بالمزالق وحقول الألغام التي يُضرب بها المثل لأن عدم اليقين الاجتماعي يشير إلى «عدم قدرة النقاد على التنبؤ بمدى استجابة أو رد فعل الآخرين ذوي الصلة (مثل المؤلفين والمراجعين الآخرين) على تقييماتهم».
الجزء الثالث والأخير يركز على ما يوصف بعدم اليقين المؤسسي، أو «النقص النسبي في الإجراءات، والإجراءات الروتينية، والهياكل التي تنظم تجارب النقاد وأنشطتهم كمراجعين». كما تعمل الكاتبة هنا على تفكيك هذا الأمر في ما يتعلق بكيفية تأثير الافتقار المذكور في تصورات النقاد الذاتية حول ما إذا كانوا مؤهّلين كنقاد أم لا. يرتكز هذا إلى عدم وجود معايير أو عمليات محددة لتحديد المؤهل للقيام بمراجعة الكتاب.
إن نقد المؤلفات أكثر من مجرّد تقرير عنه، والكاتبة كونها أكاديمية، صريحة تماماً بشأن هدفها، فهي تستخدم مقياساً دقيقاً لقياس عيوب ممارسة مراجعة المؤلفات. وهكذا، فإن مؤلفها هذا يكشف عن سلسلة من الأسئلة المشحونة التي تتعلق بالإكراه التجاري، والتقنيات غير القياسية للمراجعة والنهج التقويمي الذاتي، وهي تعطينا نظرة خاطفة على عالم النقاد والقيم الأدبية التي يقدمونها.

Inside the Critics› Circle: Book Reviewing in Uncertain Times

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا