صدر لي قبل أيام كتاب مختارات شعرية عن دار «خطوط وظلال» في عمّان في الأردن بعنوان «جبل التجربة». وهي مختارات من مجموعاتي الثلاث الأخيرة (زراوند، علندى، كشتبان). بذا فهي لا تمثّل المجموعات الست التي سبقت. وقد اخترت اسم «جبل التجربة» من واقعة أنّ جزءاً لا بأس من قصائد المجموعات الثلاث انبثق من أجواء أريحا ومن جبلها «جبل التجربة» أو «جبل الأربعين» كما يسمّى كذلك. واسم الجبل أتى من الاعتقاد بأن الشيطان جرّب المسيح فوق هذا الجبل مدة أربعين يوماً. وكنت أردت في البدء أن اسمي المختارات باسم «جبل الأربعين»، لكنني خشيت أن يُفهم الرقم 40 على أنّ له علاقة بالعمر، وأنا تخطّيت الأربعين منذ زمن طويل جداً. لذا انتهيت إلى أن أسمي المختارات باسم «جبل التجربة».

والاسم يلعب في الواقع لعبة مزدوجة. فهو يشير من جهة إلى تجريب المسيح على جبل الأربعين، أي إلى التجربة الدينية- التصوفية، لكنه يشير، من جهة ثانية، إلى التجربة الشعرية. فثمة أيضاً جبل أربعين للشعر، يصعده الشاعر خطوة خطوة، كي يُختبر، ويُختبر شعره، فوقه. إذ لا بدّ من شيطان ما يختبرنا، أو يوقعنا في التجربة، دوماً.
هذه هي فكرتي عن العنوان والمجموعة. لم أرغب في تقديم مختارات كاملة من شعري. كما لم أستسِغ من قبل جمع شعري في «أعمال كاملة» كما جرت العادة. أردت العبور في طريق فرعيّ مختلف حين عُرضت عليّ فكرة المختارات. وقد بدا لي أن أفضل ما يمكن أن أعمله هو تقديم مختارات من مجموعاتي الثلاث الأخيرة. فهي تشكل وحدة ما. كما أنها تشكّل مرحلة مختلفة من تطوري الشعري.
وتقليد أن يصنع الشاعر مختارات من شعره بنفسه ليس بعيداً في الزمن في الشعر العربي. إنه تقليد حديث. ويمكن عزوه إلى أن دور النشر عندنا أضعف من أن تعمل على المختارات الشعرية غير الشخصية. فمثل هذه المختارات مكلفة. فهي تقتضي أن يعمل ناقد ما عليها، وأن تدفع له الدار مقابل ذلك. لهذا لم يزدهر مثل هذا التقليد عندنا. ذلك أنه أسهل على دور النشر، وأقل كلفة، أن تطلب من الشاعر أن يصنع هو بيده مختارات من شعره، وأن يرسل لها ما أختار كي ترسله إلى المطبعة.

لم يقُم شاعر عربي قديم بإنجاز مختارات من شعره باستثناء أبو العلاء


ولم يكن لدينا تقليد المختارات الشخصية في الماضي. كان التقليد أن يجمع الشاعر شعره في كتاب يسمى ديواناً كما هو الحال مع «ديوان المتنبي» أو أن يجمعه له أحد ما بعد رحيله، كما حصل مع الشعر الجاهلي. وحسب علمي، لم يقُم شاعر عربي قديم بعمل مختارات من شعره. هناك بالطبع أبو العلاء الذي خرج عن التقليد وجمع شعره في ديوانين «سقط الزند» و«لزوم ما لا يلزم». بل قل ثلاثة دواوين إن اعتبرنا قصائد «الدرعيات» كياناً خاصّاً. لكن يمكن القول بأن جمع الشاعر لشعره في «ديوان» يعدّ نوعاً من النقد. ذلك أنّ صنع الديوان يقتضي شيئاً ما من التصفية. فالمتنبي لم يجمع كل ما كتب في ديوانه. لقد أسقط شيئاً ما منه. أي أنه عمل تصفية ما. لكننا لا نعرف مقدار التصفية، ولا كيف جرت. ولا بدّ أن غيره فعل ذلك. لكنّ أحداً لم يكتب عن هذه التجربة.
وكان لدينا تقليد آخر هو تقليد المختارات من شعر الآخرين يستند إلى الموضوع، ويقوم به الشعراء لا النقاد مثل مختارات الحماسة: «حماسة أبي تمام، وحماسة البحتري». لكن هذا التقليد لم يُتابع. وهناك تقليد آخر لم يُتابع هو تقليد جمع النفائس (المعلقات). لقد حددت المعلقات- النفائس مرة واحدة وإلى الأبد. ولم يعد بالإمكان اختيار معلّقات أخرى. لقد أُغلق باب المعلقات على الأقل بالنسبة للشعر القديم. ذلك أن بإمكان أحد ما أن يختار لنا معلقات من الشعر الحديث نظرياً.
غير أن تقليداً آخر نشأ حديثاً وهو تقليد المختارات العامة من الشعر العربي مثل «مختارات أدونيس» و«مختارات الجواهري». وهو تقليد جميل يقوم على استخراج زبدة هذا الشعر من وجهة نظر محددة. ولا أدري لِمَ لَمْ يُتابَع هذا التقليد الجميل أيضاً. كأن هناك شعوراً بأن هذا التقليد يُصنع مرة واحدة أو مرتين في أقصى مدى. أما أنا فأفترض أن على كل جيل شعري أن يقدم مختاراته من الشعر العربي السابق. بل ربما يجب أن يكون جزءاً من حكمنا على كل جيل شعري مرتبطاً بمختاراته من الشعر القديم. ولعل على الجوائز الشعرية كذلك أن تضع هذا في اعتبارها دوماً. أي أن تعتبر المختارات جزءاً من عملية تقييم الشاعر.
في كل حال، فأن يختار الشاعر لنفسه يعني أن ينتقد نفسه. أو قل أن يعمل تصفية لشعره. وهذه ليست مهمّة سهلة أبداً. فهي تقتضي أن يتأمل الشاعر شعره، وأن يتبع بوعيه خيط تطوره الشعري، وأن يعكس هذا الوعي في مختاراته. ومن المفترض أن يكتب مقدمة تشرح هذا الوعي.
وهذه المختارات حصيلة تأمل في شعري، وحكم بأن المجموعات الثلاث اختلفت جدياً عما قبلها. أي أن شعري فيها تغيّر، أو تطوّر. لكنني لم أكتب مقدمة لهذه المختارات تشرح ذلك. كان المطلوب أن تصنع المختارات بسرعة، وأن ترسل للمطبعة بسرعة. ولعل هذه الكلمات أن تكون مقدمة صغيرة متأخرة.
لكن أسوأ ما في المختارات الشخصية هو أن الشاعر ضنين بشعره في آخر الأمر. أي أنه يحاول أن يوسع مختاراته ما أمكنه، وأن يحذف أقل ما يمكن من قصائده. هذا رغم أنه يمكن اختصار أكبر شاعر بكتاب من سبعين صفحة، إلا إن كان شاعراً عبقرياً. بل إنه حتى يمكن اختصار كل شاعر بعشر قصائد من شعره فقط.
بذا فمختارات الشاعر لنفسه تظلّ، رغم أهميتها، عوراء.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا