السواد الأعظم من الناس اليوم يؤمنون أن الشيوعية كانت وحدة سياسية وإيديولوجية وفكرية واجتماعية لغوية متكاملة. العيش في هذا النظام يعني أنه يجب على المرء أن يطيع توجيهات دقيقة للحزب الحاكم، إلى درجة أنه كان متوقّعاً أن يصبح المرء غير قابل للتمييز في الكلمات والأفكار والأفعال عن ملايين المواطنين الآخرين. روسيا ستالين، صين ماو، ألبانيا الشيوعية، وكوريا الشمالية هي أقرب نموذج إلى ذهنية الناس. أما بالنسبة إلى الديمقراطية الليبرالية، فلا يزال الاعتقاد قائماً بأنه نظام من التنوع الغني. لكن هذا الاعتقاد انحرف عن الواقع، إلى درجة أن النظرة المعاكسة تبدو الآن أقرب إلى الحقيقة. فالديموقراطية الليبرالية هي آلية توحيد قوية، تطمس الاختلافات بين الناس وتفرض التوحيد في الآراء والسلوك واللغة. أخيراً، أعلنت «دار سطور» (بغداد ـــ ترجمة رعد زامل) عن قرب صدور النسخة العربية مِن كتاب «كيف تموت الديمقراطيات ـــ ما يخبرنا به التاريخ عن مستقبلنا» لأستاذَي العلوم السياسية في «جامعة هارفرد» دانيال زيبلات وستيفين ليفيتسكي. يأتي الكتاب في ظلّ مناخ سياسيّ يتّسم بتزايد الاستقطاب الأيديولوجي في الديمقراطيات الغربية، لا سيما الولايات المتحدة. «كيف تموت الديمقراطيات» تيمة تحذيرية بلاغية يقدّمها مؤلفا الكتاب كالتالي: «المفارقة المأساوية للطريق الانتخابي إلى الاستبداد هي أن قتلة الديمقراطية يستخدمون مؤسسات الديمقراطية ذاتها، بشكل تدريجي ومهذب وحتى قانوني، لقتلها».



مع نهاية الحرب الباردة، ركّز المؤلِّفان على ما اعتبراه ظاهرة مثيرة للاهتمام، هي أنه لم تتم الإطاحة بمعظم الديمقراطيات من الخارج من خلال الانقلابات العسكرية العنيفة، لكن داخلياً من خلال صناديق الاقتراع والاستيلاء اللاحق على المؤسسات السياسية من قِبل المستبدين. رغم أن التاريخ لا يعيد نفسه، إلّا أنه «يتناغم»، وهذا التناغم يتمثّل في انتخاب دونالد ترامب عام 2016. يرغب المؤلِّفان في الكشف عن أنماط مماثلة، أو «قوافي» كما يقولون، من التآكل المؤسّسي داخل الديمقراطيات في كلٍّ من الماضي البعيد والقريب.
كما حدّد المؤلفان المؤشرات الأربعة الرئيسية، أو علامات التحذير السلوكية للاستبدادي وهي: الرفض بالقول أو الفعل للقواعد الديمقراطية للعبة. ثانياً، إنكار شرعية المعارضين السياسيين. ثالثاً، التسامح أو التشجيع على العنف. وأخيراً الاستعداد لتقليص الحريات المدنية للمعارضين، بما في ذلك وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. في الحقيقة، ما يقدّمه الاثنان ضد ترامب وموت الديمقراطية الأميركية يدين أكثر المنظومة السياسية ككل، فالإعلام الديمقراطي يحجب صوت المعارضة. وسائل التواصل تشنّ حرباً على حملة ترامب، وهناك حالة إنكار دائم لوجود تيار مساند وطني داعم لإدارة ترامب، وأخيراً دعوة هيلاري كلينتون الديمقراطية لجو بايدن بعدم الاعتراف بالهزيمة حسب قواعد اللعبة الديمقراطية.
ما يحاول المؤلفان تأكيده يدينهما أكثر. تاريخياً، شهد عام 1968، خلال ذروة حرب فيتنام، ترشيح الحزب الديمقراطي لهوبرت همفري، وهو مرشح لم يكن يحظى بشعبية كبيرة. تم هذا الاختيار من دون ما يُعرف الآن بالانتخابات التمهيدية (وسيلة لاستطلاع آراء الناس). بعد الإعلان في المؤتمر الديمقراطي في شيكاغو، اندلعت احتجاجات عنيفة، وامتدت إلى قاعة المؤتمر. وبعد هزيمة همفري من قِبل ريتشارد نيكسون في الانتخابات، شكّل الديمقراطيون «لجنة ماكغفرن-فريزر»، ما أدى إلى أن تصبح الانتخابات التمهيدية إلزامية. منذ ذلك الحين، سيتم اختيار المندوبين من قبل أعضاء الحزب، وهؤلاء المندوبون مسؤولون الآن عن اختيار المرشحين الرسميين للرئاسة.
تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية عند الحزب الديمقراطي ليس بالأمر الجديد. قبل واقعة همفري، كان 1867 عام قانون إعادة الإعمار، بعد نهاية الحرب الأميركية الأهلية. في ذلك الوقت، كان المواطنون السود الذين مُنحوا حريتهم حديثاً يصوّتون للجمهوريين (حزب أبراهام لنكولن). خشي الديموقراطيون من أن هؤلاء الناخبين الجدد سيخرجونهم من السلطة في الجنوب، فغيّروا قواعد التصويت من خلال فرض ضريبة على الاقتراع وإدخال «قانون دورتش» الذي أدى إلى تعقيد الاقتراع وطلب أن يكون المواطنون المتعلمون فقط مؤهلين للتصويت. وُضعت القواعد الجديدة لإبقاء الناخبين السود بعيداً عن صناديق الاقتراع، ما يؤكد أن الديمقراطيين ظلوا حزب الجنوب طوال القرن الذي تلاه. لكنهم قوّضوا أيضاً جوهر الديمقراطية المدّعاة لهم الآن، بل وبصورة عنصرية أكثر مما يتّهمون بها خصمهم ترامب اليوم. وعندما تنظر إلى أنشطة الديمقراطيين خلال السنوات المئة الماضية، سيتّضح أنهم كانوا متشدّدين في قضية الحرية على المستوى النظري، ولكن انتهازيين في الممارسة العملية.
في بداية التسعينيات، اكتشف سكان أوروبا الشرقية، وخصوصاً السياسيين منهم، شيئاً لم يكن يصعب اكتشافه في ذلك الوقت، هو أن الديمقراطية الليبرالية الوليدة ضيّقت بشكل كبير مجال ما هو مسموح به، بشكل لا يصدق. السنة الأخيرة من انحطاط الشيوعية كان لديها روح حرية أكثر من الفترة التي أعقبت إنشاء النظام الجديد. خلقت الديمقراطية الليبرالية إحساساً بفتح العديد من الأبواب وإمكانيات كثيرة للسعي وراءها. سرعان ما تبخر هذا الإحساس، وخفتت الحرية من خلال خطاب «الضرورة» الجديد الذي جلبه النظام الليبرالي الديمقراطي مع نفسه. لم يستغرق الأمر طويلاً لاكتشاف آخر أكثر إحباطاً هو أن هذا الاتجاه الموحّد لم يقتصر على عالم ما بعد الشيوعية، ولم ينتج عن خصوصياته، بل يمكن أن يرى المرء آثاره السلبية طوال تاريخ الديمقراطية الليبرالية داخل الحضارة الغربية.
تبدو حجة المؤلفين ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبلات واهية، بل ذات طابع شخصي ضد فوز دونالد ترامب تحديداً، ويبدو طرحهم لما أسمياه قواعد اللعبة السياسية، وحماية بوابات الديمقراطية أمراً مثيراً للضحك. بالعودة إلى التاريخ، نجد أن مثل هذه القواعد الديمقراطية جعلت ألد أعداء النمط الأميركي ــ وهم الشيوعيون ــ يتكيّفون بسهولة وبنجاح أكبر من المنشقّين السابقين ومناهضي الشيوعية الذين دعوا لأنظمة الديمقراطية الليبرالية الجديدة التي تأسّست في وسط وشرق أوروبا بعد سقوط جدار برلين في 1989. بل بالنظر إلى امتلاك الشيوعيين السابقين خبرةً إداريةً أكبر، وخصخصة مؤسسات الدولة لتتحول إلى مؤسساتهم الخاصة، سهّلت لهم الديمقراطية الليبرالية جلب المزيد من الموارد للسيطرة على اللعبة السياسية عبر الإعلام وتشكيل الحكومات.
تستخف الديمقراطية الليبرالية بعقولنا. مَن كانت تصفهم بالديكتاتوريين، وأعداء الحريات، ومنتهكي حقوق الإنسان، تحوّلوا بين ليلة وضحاها جراء قواعد الديمقراطية الليبرالية إلى ديمقراطيين اجتماعيين أو ليبراليين، وسيطروا على النقاش وشكلوا الحكومات. لم يكن هذا النموذج محصوراً في أوروبا الشرقية، بل في أوروبا الغربية كذلك. يبدو أن المؤسسات العامة والخاصة، بما في ذلك هيئات الاتحاد الأوروبي صارت ترى الشيوعيين السابقين أكثر ملاءمة من المنشقّين السابقين كشركاء في السياسة والأعمال. كان الأمر يبدو تقريباً كما لو كان يُنظر إلى الديمقراطيين المناهضين للشيوعية على أنهم تهديد أكبر للنظام الديمقراطي الليبرالي الجديد من أولئك الذين كانوا أعداءه في اليوم السابق فقط. بالإضافة إلى مزاياهم العملية، تمتّع الشيوعيون السابقون بميزة إيديولوجية غامضة، هي أنهم أدركوا أن الديمقراطية الليبرالية ما هي إلا قواعد ولعبة مصالح معولمة.
عند قراءة كتاب «كيف تموت الديمقراطيات...»، ستجد أنّ مؤلفي الكتاب لديهما إيمان دوغمائي بتاريخ أحادي الاتجاه يدور حول الإنسان فقط. وهناك علاقة ملحوظة بين النظام السياسي وذلك الإنسان المُتخيل، علاقة لم يشهدها التاريخ مِن قبل، وقد حاول الشيوعيون تشكيل رجل شيوعي يناسب مؤسسة ومنطق النظام الشيوعي، لكنّهم تجرعوا كأس الهزيمة. لكن مِن حيث فشلوا، أثبت الديمقراطيون الليبراليون نجاحهم. وإذا كان هناك أي نظام مصمّم بشكل مثالي لتطلعات الأشخاص الذين يدورون في فلكه، ستجد أنه الديموقراطية الليبرالية. وإذا كان هناك أي نموذج بشري تم تصميمه بشكل مثالي للفرص التي يوفرها النظام السياسي والتطلعات التي يعززها، كان رجلاً ديمقراطياً ليبرالياً.
قتلة الديمقراطية يستخدمون مؤسسات الديمقراطية ذاتها


اعتنق الديمقراطيون الليبراليون بإخلاص اعتقاداً بحتمية التاريخ. ولم يتم رسم نماذج سياسية بديلة أو حتى التفكير في ما هو قائم بجدية، حيث لا تزال فعالية النظام الديمقراطي عالية بشكل مثير للإعجاب. لذلك، من المحتمل أن يستمر توسيع الديمقراطية الليبرالية، وسيستمر النظام في تأكيد مجموعة من المعتقدات/ القواعد ـــ كما يسميها مؤلفا الكتاب ـــ التي لا يدعي مؤمنو النظام الديمقراطي الليبرالي بأنها تعيش فيها فحسب، بل تُعتبر أيضاً المجموعة الوحيدة من المعتقدات التي تستحق العيش بها. إن الديمقراطي الليبرالي يشعر بالامتياز والحظ لأنّه ليس مثل هؤلاء «الحمقى» أو «الأوغاد» المؤسفين مِن الشيوعيين وأبناء اليمين القومي الذين فشلوا في قبول ما هو واضح. كل هذه العوامل مجتمعة تعزز إيمان الديمقراطيين بأنه إذا كان للعالم أن يعيش ويتطوّر، يجب أن يتحرك في اتجاه واحد فقط... اتجاه الديمقراطيين الليبراليين الخاص.
لذا فإنّ الديمقراطيين الليبراليين على حق تماماً عندما يستمرون في الإيحاء بأن التاريخ قد انتهى، وأنه إذا كان يجب أن يستمر العالم في الوجود بطريقة مُرضية، فيجب تطويره على المنوال نفسه. بالطبع، من المحتمل جداً اختراع بعض الحقوق الجديدة لجعل كل شيء أكثر ملاءمة.
لكن، الأيديولوجيا الديمقراطية الليبرالية وانبعاثاتها ستثبت أنها أكثر سخافة من ذي قبل... أن الأشخاص الذين يعبدون بفخر استقلالهم الفكري ونضالهم الثوري سوف يفاجئون الجميع مرة أخرى من خلال تبنّيها بكل تواضع. يمكننا أن نتخيّل أدباً يتحدث بشكل متزايد عن لا شيء، وخطاب تنوع أكثر صخباً وإخفاء أكثر للتطابق بين البشر على النمط الأميركي. لكن كلّ هذا سيكون مشهداً آخر في نفس الفصل الأخير من القصة الطويلة التي بدأت تاريخياً وهي: ليل الديمقراطية الليبرالية الطويل!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا