إشكاليّات كتابة تاريخ للبلاد، ظلّت حاضرةً بعمق في كتب ومؤلّفات ماهر الشريف. تحدّيات كثيرة ساءلها المؤرّخ والباحث الفلسطيني، منها إمكانية كتابة تاريخ محلي بالاستقلال عن المناهج الغربية، من ضمنها المناهج الاستعمارية في الفترة ما بعد النكبة، فضلاً عن النزعة العربية التي طغت على كتابة التاريخ الفلسطيني في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. لا ينفكّ الشريف عن العودة إلى تلك الفترة من التاريخ الفلسطيني، في مؤلّفات ودراسات جاءت كمساهمات أساسية في كتابة التاريخ الفلسطيني بكل جوانبه الثقافية والفكرية والسياسية كما في «الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919-1948» (1981)، و«مقدمة في تاريخ فلسطين الاقتصادي والاجتماعي» (1985)، «البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993» (1995).

هكذا، يعود الشريف مجدّداً إلى تلك الفترة، من نافذة الحداثة الثقافية والفكرية الفلسطينية خلال سنوات ما قبل النكبة في مؤلّفه الجديد «المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة (1908 – 1948)» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية). ينطلق المؤلّف من الإقرار بوجود مشروع فكري حداثي فلسطيني يمتدّ من سنة 1908 و1948، خلال أربعة عقود هي الفترة التي تتناولها الدراسة. لكن، تحدّي الكتاب وأسئلته الأساسيّة تكمن في تلمّس وكتابة ملامح هذا المشروع، وتأثّراته ما بين النهضة العربية، والثقافات الأوروبية الحديثة إن كان من خلال مدارس الإرساليات الأجنبية في البلاد، أو عن طريق الطلاب الذين ارتادوا الجامعات الأوروبية. حملت تلك الفترة هواجس كثيرة رافقت المشروع الحداثوي، لم تكن تنفصل عن الواقع السياسي في فلسطين وصراع البقاء الذي فرضه المشروع الصهيوني. يطأ الشريف تلك السنوات عبر مرجعيات عدّة، منها الصحف والمجلات الليبرالية، والوطنية، والقومية، واليسارية التي بدأت تصدر منذ الانقلاب العثماني عام 1908، وتواصل صدورها خلال عهد الانتداب البريطاني. كذلك، يوغل في الإرث الذي تركه المثقفون الفلسطينيون حينها في مذكّراتهم، كما في يوميات خليل السكاكيني وعمر الصالح البرغوثي وأكرم زعيتر وآخرين. تتسع الدراسة أيضاً لمؤلفات أبرز وجوه تلك الحقبة مثل إسعاف النشاشيبي، وأحمد سامح الخالدي، ومحمد روحي الخالدي، وقدري حافظ طوقان ونجاتي صدقي. من خلال فصوله الـ 12، يتناول الكتاب خصائص وجوانب الحياة الفلسطينية في تلك الحقبة، منها واقع التعليم والأدب والترجمة، وأبرز الوجوه الثقافية والفكرية الفاعلة حينها. بالتزامن مع إطلاق الكتاب، تنظّم «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» ندوة للباحث ماهر الشريف، يحاوره فيها الأكاديمي إبراهيم أو هشهش في «مركز خليل السكاكيني» في رام الله عند السادسة من مساء بعد غد الاثنين 12 تشرين الأوّل (أكتوبر).

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا