تقديم وترجمة: محمد ناصر الدين
«عَدْن، عَدْن، عَدْن»، يكرر بيار غيوتا (١٩٤٠ــــــ ٢٠٢٠) اسمَ الفردوس ثلاثاً كمن «يغرز مسماراً في جدار»، كما يقول ميشال ليريس في تصديره للكتاب «المحرّم» الذي ظهر في «منشورات غاليمار» عام ١٩٧٠، ورصده ميشال فوكو مباشرة بالقول: «ستكون فضيحة ولكن...» إيذاناً ببدء معركة ثقافية كبرى حول «المراقبة والمعاقبة» الأدبية، وليقول عنه فيليب سوليه في حينها: «إنّه أول أدب خَطر منذ ماركي دو ساد»، و«نصٌّ يوضع تحت الحظر الجنسي يأخذ بقانون المنع إلى نابضه اللاشعوري: إنه قانون بورنوغرافي»، مهاجماً بقوة الرقابة المتمثلة في مرسوم من وزارة الداخلية الفرنسية موقّعاً من مدير الشرطة الوطنية الذي فرض على الكتاب حظراً ثلاثي الأبعاد: في إظهاره للعلن، والتسويق له وتوزيعه على القصّر.


في Eden Eden Eden، لا يسعى غيوتا إلى أن يثبت شيئاً، أو أن يروي حكاية بالأدوات المعروفة للفن الروائي، وإنما ببساطة نحن أمام عرض لوحة بصرية حادة في صحراء الجزائر، بالجنود المستعمرين القادمين إلى «الفردوس» بنسائه وغلمانه وإيروسيته وحليّه وملابسه وموسيقاه التصويرية القادمة من ديكور المكان ذاته، ومراعيه ومواشيه ودوابّه وكثبانه وشمسه التي تخترق البشرة إلى الدم، وإيقاع القارئ حتى النهاية في فخ هذيانيّ لا ينتهي، هذيان لا يصله إلا قدر قليل من الأدباء، في لغة أشبه بقصيدة النثر في توهجها ولمعتها وكلام بشري يصدر كما يقول ليريس «كما في معجزة، من تلك المنطقة الوجودية حيث ينمحي الكلام نفسه». قاموس مصطلحات مذهل في تواتره وتوتره، حيث تتساوى كل الأشياء في الحسية كما في جنّة عدن، وتحضر كل الكائنات في حضورها الفيزيائي والمادي، وحيث تصنع الأشياء بنفسها قشرتها وحقيقتها وتوابعها، في عالم تغيب عنه الهرمية والأخلاقية، وتسود الرغبة فقط بحيث لا شيء يكون ثميناً أو مقززاً.
عند منع الكتاب فور صدوره، تداعت مجموعة من الأدباء والفنانين والفلاسفة أبرزهم رولان بارت، سيمون دو بوفوار، جان بول سارتر، كلود سيمون، ميشال بوتور، ناتالي ساروت، كاتب ياسين، جاك دريدا، مارغيت دوراس، ميشال فوكو، بيار بوليه، آلان روب غرييه لتوقيع عريضة وصلت إلى فرانسوا ميتران الذي أذاعها في مجلس الأمة، وليكتب في حينها الرئيس بومبيدو رسالة لوزير داخليته ريمون مارسولان لفك الحُرم عن الكتاب الملعون، من دون جدوى. كرة الثلج التي أثارها الكتاب، ستستمر في التضخم، إذ سيستقيل كلود سيمون من لجنة تحكيم «جائزة ميديسيس» (١٩٧٠)، مهاجماً باقي أعضاء اللجنة ممن توفرت لهم فرصة لا تعوّض لرد الاعتبار لكتاب محظور بإجراء إداري أحمق، ولأدب «من الدرجة الأولى ليس له من سابق»، فلم تنتصر هذه اللجنة لحرية التعبير المقدسة. بعد معركة أدبية امتدت سنوات عشراً، تم رفع الحظر عن الكتاب الذي صار يرمز إليه في الصحافة بـ EEE في نهاية عام ١٩٨١، وليُعاد الاعتبار بالتدريج لصاحب «قبر لخمسمائة ألف جندي» و«قفزة إلى الأمام» و«كاسيت ٣٣» و«حيوانات البؤس السعيدة» الذي يقول في مقابلة له عام ٢٠١٨ إنه يستذكر بحنين فترة الستينيات تلك، مناضلاً وشيوعياً ومن ثم يسارياً: ستحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بذخائر غيوتا كاملة، وسيُحتفل هذا العام في خمسين فعالية حول العالم وباللغات كلها بخمسينية الكتاب التي كان لبيروت منها نصيب، مع أول ترجمة لنصوص منه للّغة العربية. إذ أقيمت الفعالية الخاصة بخمسينية Eden Eden Eden في الجامعة الأميركية في بيروت في منتصف الشهر الحالي، وبتنسيق مع «مؤسسة بيار غيوتا» بالتزامن مع الفعاليات العالمية الأخرى. وقد ضمّت رايموند براسييه (تنسيقاً وإشرافاً)، ميليا عياش (قراءة بالإنكليزية)، مروى خليل (قراءة بالفرنسية)، وكاتب هذه السطور (ترجمة النصوص أدناه وقراءة بالعربية).

(برتران ريندوف بيتروف ــ وكالة غيتي)


1

الجندُ بقبّعاتهم، بسيقانٍ مفتوحة، يخطون بعضلاتٍ مرخيّةٍ فوق حديثي الولادةِ المقمّطينَ في الشالاتِ القرمزيةِ والبنفسجية: يتدحرجُ الرضّعُ خارج أذرعة النسوة اللواتي يجلسنَ القرفصاءَ فوق الصفائحِ المدروزةِ بالرصاصِ لسيارة الـ «جي. أم. سي». يطردُ السائقُ بقبضةِ يده الطليقةِ عنزةً مقذوفةً في المقصورة. عند قبّة «فركوس»، يتجاوزُ فصيلٌ من فوجِ المشاةِ البحريةِ المنصّةَ؛ يقفزُ الجُندُ من شاحناتهم؛ يفترشُ جنودُ فوجِ المشاةِ البحريةِ الحصى، مسندينَ رؤوسَهم إلى الإطاراتِ المخترَقةِ بالصوّان، بالأشواك، يُعرّون القسمَ الأعلى من جسدِهم المظلّلِ بمصدّةِ الوحل: تهدهدُ النسوةُ الرضّعَ على أثدائهنّ: حركةُ الهدهدةِ تحركُ مدعومةً بعرَقِ اللهيبِ العطورَ المشرّبةَ بها خرقُهنّ، وشعرهُنّ، وجلودهنّ: زيتٌ، قرنفلٌ، حنّاءٌ، زبدةٌ، صبغةٌ نيليةٌ، كبريتُ الأنتيمون ـ في سفحِ «فركوس»، تحت النتوءِ الصخريِّ المثقلِ بأشجار الأَرزِ المحروقة، شعيرٌ، قمحٌ، قِفارٌ، قبورٌ، مَشرَبٌ، مدرَسَةٌ، معيارُ الماء، أشجارُ تين، بيوتُ الطين، جُدران منخفضةٌ مغطّاةٌ بسيلٍ من مِخاخَ وبياراتٍ محمرّة ونَخلٍ ممددةٍ بالنار تنفجر: وردٌ، طلعٌ، سنابلُ، أوراقُ حشائشَ، ورقٌ، أقمشةٌ ملطّخة بالحليب، بالغائطِ، بالدمِ، لحاءٌ، ريشٌ، مرفوعةً، تتماوجُ، من لهبٍ لآخر، عبر الريحِ التي تقتلعُ النارَ من الأرض. ينتصبُ الجنودُ النائمون، يشمّون أغطيةَ شادرِ الشاحنة، يضغطون بوجناتهم الموسومةِ بالعَبَرات الجافةِ على الجنباتِ المضطرمة، ويحكّون أعضاءَهم الذكورية بالدواليب المغبّرة. ساحقين وجناتِهم، يتفّون على الخشبِ المطلي. الذين في الشاحنات، وقد هبطوا سهلاً جافاً، يقطعون شجرَ الدفلى، حليبُ السيقان يختلطُ على شفرات سكاكينهم بدمِ المراهقين ممن بقروا بطونَهم عند الحائطِ الرئيسي لمقلع الرخام. الجنود يقلّمون، يقتلعون النباتات، يسلخونَها عن جذورها بأحذيتِهم المدببة. بعضُهم الآخر يسدّدُ مستعرضاً. فضلاتُ جِمال، رمّاناتٌ يدويةٌ، جثثُ نسور؛ جنودُ فوجِ المشاةِ البحرية يتسلقون سلالمَ الشاحنات، ويرتمون فوق النسوة، بكاملِ أسلحتهم، عضوهم الذكري يضغطُ على الأسمالِ البنفسجية التي تشدها النسوةُ في أعماق أفخاذهنّ. الجندي، ساحقاً بصدرِه الرضيعَ الملصقَ بالثدي، يُنحّي الخصلاتِ التي نشرتها المرأةُ فوق عينيها، يداعبُ جبينَ المرأةِ بأصابعه التي تحملُ أثرَ غبارِ الرخام. النشوةُ تفجّرُ من فمه رشقاً من اللُعاب الذي يبلّل الجمجمةَ البراقةَ للرضيع. العضوُ الذكريُّ المسحوبُ يرتاح متقلصاً فوق الشالاتِ التي يأخذ صِبغتها. الريحُ ترجُّ الشاحنات، الرملُ يجلدُ محاورَ عجلاتها وصحائفَ المعدن.

2

ذكَران يربطان البهائمَ خلف الخيمة؛ الأطفالُ، بأدبارهم المحشوةِ بالبرازِ المعقود، جالسين على العشبِ المقروض بالملح، يلهثون، الجبينُ مكسوٌّ بالغبار، الرأسُ المنحنية تتهادى فوق الكتف، العينُ مزرقّةً تحدّقُ في جبلِ الخيام؛ جنديٌّ مشعثُ الشَعر أسمر، بخدين مكتنزَين باللحم الأسودِ المتّصلِ بشحمتي الأذنِ الدقيقتين يجلسُ القرفصاء، بعضوٍ ذكريّ قذرٍ يقفزُ في السروال، قرب فتاة، يداعبُ عنقَها، يدُه تنزلُ تحت الخِرَق التي تغطّي حنجرتها، يجسُّ ثدييها، والإبطين: تغلقُ الفتاة عينيها، رأسها تلمس الإبهامَ المغمّسَ بعصيرِ عنبِ الجنديّ.

3

ينتصبُ، رافعاً ضدَّ بطنِه المرأةَ من موضعِ خاصرتيها، يتقدمُ بأرجلٍ مفتوحة، يترنّحُ، يمتشقُ وزنُ المرأةِ المعتلاةِ عضوَهُ، شادّاً الجِلد على فقراتِ عنقه، على الفهقة، والمحورِ والقَصّ؛ على منصّةٍ من الرملِ الجاف، عند حدودِ جنّةِ النخل، يستريحُ: ذبابٌّ، بعوضٌ يحتشدُ تحتَ قبّعتِه، عند عقدةِ زرداتِ العنق؛ تتصلبُ سيقان المرأة، تضرب أفخاذَه الدقيقة؛ يركعُ، ينكمشُ، سيقانُ المرأة مطويّة، دوالٍ تتغضنُ فوق الرمل، لاهثاً، فوق البطنِ البارد، بعضلاتِ الأربيتين وأنسجةِ العضو الذكري المضغوطة؛ تضربُ قبضتُه حول فرجِ المرأة، أصابعهُ تسحبُ الأشفار، تحفرُ تحتَ ما تطويه العضلاتُ الغليظة. الجنديّ البوهلي يجرُّ على وركِه خنجرَه، يرسمُ بحدّ الشفرةِ المنحنيةِ فوق حائط الرخام، نصفَ دائرةٍ حولَ فرجِ المرأة، يغرسُ الشفرةَ في اللحمِ الأخرس، يمزّقُ، يسلخُ، يقلّمُ كلَّ العضلاتِ والأعصابِ التي تهيمن على فرجِ المرأة، يفري المحيطَ الطريَّ المغمدَ في عضوِه المنتصِب.

4

«...أشربُ دمَ الثائرِ المعذّبِ من فمه، ملامساً مأبضَه، أحتفظُ بالدمِ في فمي، أركضُ بين الكشمشِ المغمّسِ بالنار، بالسمّ، المنجلُ مربوطٌ بالسواِر الذي يشحذُ خنجري، حتى الحقلِ حيث تقفزُ الأسماكُ خارجَ حظيرةِ السخرة. في أعلى الجبل، أبصقُ الدمَ على حوض نافورةٍ من رخام؛ البعضُ الآخر، بخنفسةِ الروث تعلو قذالَهم، الجبينُ على الجبين، يبصقون دماءً أخرى، ذهبيةً، زرقاءَ، سوداء؛ ترمي الريحُ بالدمِ على خاصرتيَّ المكشوفتين، سحابةٌ غائطيةٌ تُظلِمُ قمة الجبل: تحتَ إفريز الصخرة، ينفخ الجنودُ على نارٍ من الأغصان منتصبةٍ فوقَ الفمِ المفتوحِ لامرأة ميتة، (نارٌ) معدّلة، جاثمينَ بخصلاتِهم العُلويّةِ المجدولةِ تكتسحُ الأثداء. أفركُ صدري بفروةِ عُضوه، قبّرةٌ تفعل ذلك؛ على صراخه، كلَّ مرّة أجثمُ بصدري على جسده، تنفجرُ الدموعُ في مقلتيّ؛ دمٌ ساخنٌ يسيلُ خارج أذنيّ. مطرُ البرازِ يلطّخُ الصخور؛ الدماءُ، في الحوض، تحترق، تغلي؛ ثائرٌ شابٌّ، أقدامُه ملطخةٌ ببودرةِ الرخام، شفاهُه بالطحين، يخرجُ من الأرض، ينحني على الحوض، يغمسُ رأسه وقبضتيه؛ رافعاً رأسَه المكسوةَ بالدم، يزأرُ بنداءٍ مبحوحٍ نحو الجبال، تتحركُ الأجمات: تندفعُ ليوثٌ؛ جاثيةً عند أقدامِ الثائر، تلحسُ مأبضيه. الثائرُ الشاب، آخذاً الدماءَ الممزوجةَ بالبراز في يديه يقتطعُ منها ويرشُّ بها فروةَ الأُسُود»

5

«أمي، أحملُها إلى مهجعِ البامبو، أُرقدُها على حصيرِ القشِّ المسمَّم: الرأسُ والأكتافُ غاطسةً تحت ثوبها، آكُلُ الفاكهةَ، وفطائرَ الظبيِ على فَرْجِها المُسمَرّ، بينما هي، مرهقة من السفر، في قعرِ الشاحنة، في الصندوق، تغفو؛ عندَ الشَفَق، انسلّتْ هاربةً من تحتِ جسدي، معانَقَةً من قِبل الجنود تحتَ برجِ المراقبةِ حيث أسهرُ قاذفاً منيي، رُكباتُهم تقلّبهُا فوقَ الرمل، زنبورٌ يُغِيرُ على ثديها الأيمن، الذي ترضعُه شفاهُ الجنود»

6

في المهاجعِ حيث البامبو يتماوجُ تحت هواءِ الشَفَق، الجنودُ الآرقون، العراة، الجالسون القرفصاءَ فوق أرائكهم، يفلّون أعضاءَهم الذكريّةَ المسمرّة؛ مشتبَهٌ فيه، مراهقٌ بوغِتَ وهو يقرأُ عملاً كلاسيكاً غربياً خَرِءاً، أمام الخيمة، قُذف بصدرٍ عارٍ إلى قلب المركَز: فوقَ وجنتِه، فوق ثدييه، فوق بطنِه، كدماتُ أيدٍ وتجاويفُ في الدم. الجاويشُ يمشّطُ رأسَه المدمّى بدَلوِ القهوةِ الفارغ. يلتصقُ السُكّرُ بشعَرِ الظنين، يسيلُ الدم، يملأُ الأذُنَيْن. جُنديٌّ مُسخَّر، ببزتِه العسكريةِ الرثّةِ على ردفِه المقوّس، يُحضرُ من بيت الخلاءِ هراوةَ البراز، يضربُ ثلاثَ مراتٍ كتفَ الظنين، سبعَ مراتٍ فكّهُ بطرفِ العصا المغمّس بالكريزيل، ويجبِرُه على إمساكها بقبضته. يأخذُ سائقٌ من شاحنتِه مفتاحاً، مدوّرة مانيفيل. بالمفتاح، يفتحُ الفكّ المنكمشَ للظنين، يفتكُّ أزرارَه، يبولُ بين شفاهِه الممزقة. معدِّلاً وضعيةَ الظنينِ بثلاثِ ضرباتٍ متتاليةٍ من المفتاح على الحنجرة، يغرسُ له المانيفيلَ عبر مِزْقٍ في البزّةِ بين عجيزتيه. كلُّ الجنود الذين قاموا مُحمرّينَ من أرائكهم يسحبونَ المانيفيل، ويديرونَها في دبرِ الظنين؛ الظنينُ، برأسٍ مقلوبة، مغمورةٍ بالبصاق، على الكتف، والقذالُ لامساً السوستةَ المدعّمةَ لمعذّبيه، شفاهُه قاذفةً البصاقَ البرازيَّ تضغطُ بالأسنانِ على المفتاح. حدُّ المانيفيل يضغطُ على خاصرته، يسحبُها الشاويشُ ملطّخةً بالدم، يرميها خارج المركز، يدعكُها بأكياسِ رملِ السياج. الظنينُ، مغمىً عليه، ينهارُ فوق الأريكة. الجنودُ، باصقين، ضارطين، يفتكّون أزرارَه. بفوهةِ البندقية، يرفعون عضوِه الذَكريّ، يلوونه على بطنَه حيث الحذاءُ المدبّب للشاويش يثبته مسحوقاً؛ جنديٌّ أصهب، بعيون غائرة، وبعضوٍ خارجٍ محشورٍ بنفسجي بين زرَّترين من السوستة، ينحني، يمسكُ بقبضتيه الخصيتينِ الفارزتين، يربطُهما بخرقةٍ متسخةٍ من تحت الأريكة؛ أصابعهُ تداعبُ الحنجرةَ الصغيرةَ المكوّنةَ عند جذرِ العضوِ المضغوطِ حيث تتّخذُ سبيلها الأغشيةُ المترابطة.

7

امرأةُ الجزّارِ تسهر، ممدَّدةً قربَ الرجُلِ المُغتسِل، المفروكِ الجِلد، الدمُ يحومُ في الغرفة، بودرةٌ من الدمِ المجفّفِ تسيلُ في الأذنِ الصغيرةِ للجزّارِ الذي تهزُّه الكوابيس؛ تنزلُ المرأةُ من السرير، تمشي، عاريةَ القدمين، في الحديقةِ الصغيرة؛ صبيُّ السريرِ الأول، منكمشاً في أفيونِه السري، يسحبُ قدمَ المرأةِ الشابة، يحشرها بينَ فخذيه. ترفعُ المرأةُ الصبيَّ المسمّرَ كالمومياء، تنتزعُ حفنةً من الأفيون، تسحقُها على قضيبِ الصبي؛ الجزّارُ الشابُّ يتدحرجُ في سريره، المرأةُ ترتمي في الغرفة، تسهر، عاريةَ الصدر، قرب النار، تفركُ حلمتيها بالغسيلِ المبلّلِ لزوجها المعلّقِ في الزاوية؛ تفتّشُ في كومةِ ثيابهِ الملطخةِ بالدم، خلفَ الموقد. الجزّار، جالساً، عارياً، عند حافةِ السرير، يأكلُ قطعاً من العجّة، تَمْرا؛ تجلسُ المرأةُ القرفصاءَ أمامَه، تلتقطُ بلسانها الفضلاتِ المتساقطةَ فوق الصوف؛ مرفوعةَ الهامة، تغسلُ أذنيه بعودٍ مغروزٍ في غطاءِ قماش. تقطعُ، بعد أن ينتصبُ محدّقاً في أسنانِه في مرآةٍ مكسورة، كرياتِ البرازِ الجافةَ المعلّقةَ بزغَبِ الكفل. عصبٌ يهتزُّ على طولِ ساقِ الجزّار. تمدّدُ المرأةُ الرَجُلَ ثانيةً، تجلسُ على طرفِ السرير، تداعبُ أصابعَ أقدامِ الرَجُلِ العاري تحتَ الأظافرِ التي يتعفّنُ تحتَها الدمُ الذي يخترقُ لحظةَ ذبحِ البهيمةِ خيشَ الخُفَّينِ غيرِ المتناسقين؛ يدُها تعلو على طولِ الجسدِ الممدّد على الجانبِ حتى العضوِ الذكريِّ المثنيِّ أسفلَ البطنِ في ثنايا الملاءة: الرجُلُ، مستديراً، غافياً، بقبضةٍ واحدةٍ مشدودةٍ بين الفخذين، يقبّلُ... زغبَ الكفل، الشفاهُ مرخيّةً مما ترتكبُ، تعضُّ شَعرَها المزخرفَ بفضلاتِ مصّاصي الدماء.

8

يتوقفُ القطيعُ عند طرفِ الهاوية، الضبابُ المبثوثُ من الوادي ذي الفيضانٍ يغطّي القريةَ السوداء، الأغنامُ تصطدمُ بالرضّعِ العراةِ المسنّدينَ إلى الحواجز، متمرغينَ في بودرةِ الفش ـ فش. الأولادُ المهيّجونَ بحفيفِ الصوف، ينامون تحتَ بطونِ الأغنام، متكئينَ على الأرض، يكوّرون بطونَهم ويحفّونَ بها أثداءَ البهائم؛ يجلسُ الرعاةُ القرفصاءَ في قعرِ أخدودٍ مفتوحٍ على الوادي الجارف؛ يمررون القبضةَ تحتَ مفصلِ الركبةِ المنثنية، يستمنون، مبدّلينَ وضعيّتَهم فوق الحصى، حينما توتُّرُ العصَبِ والعضلاتِ يحملُ الرُكبة إلى حدّ الانفجار. غنمةٌ أنثى ترفعُ عُضوَ طفلٍ مرتكزٍ إلى صفيحةٍ صدئةٍ لمِبْولة. -مسحوبةً إلى هنا ليلةَ شغبٍ في المدينةِ العليا من مراهقين مغرورين- تلعقُ لطخاتِ الغائطِ الطازجِ على أرداف الطفل؛ ترجعُ لحَمَها، تلعقُ أسفلَ إليتِه، تستديرُ، تدسُّ بخطمِها بين سيقانِ الولدِ الذي يباعدُ فخذيه، ويداعبُ العيونَ الباردةَ للشاة. في الحقولِ البلدية، النسوةُ يحصدنَ الشعيرَ والقمح؛ قبضاتُهنَّ وأعضادُهنَّ موشومةٌ بالندوب، بالخدوشِ البنفسجية.
في «عَدْن، عَدْن، عَدْن»، نحن أمام عرض لوحة بصرية حادة في صحراء الجزائر، بالجنود المستعمرين القادمين إلى «الفردوس»

لدغاتُ ثعابين، ضرباتُ مناجل، جروحٌ من جريدِ النخل. ولدٌ، مكسوٌّ بحلّةٍ مقصّبةٍ زرقاء، يتعلّقُ بثوبِ أمِّه، التي، رافعةً رأسها، تتلقى في وجهها تماماً، شعاعاً نيئاً من اللهبِ الأحمرِ المصفّى عبرِ النخل. مبهورةً، تنحني ثانيةً على القمح، ترمي بمنجلِها على الجانب، في حزمةٍ لم ينلْها الحصاد: يضربُ المنجلُ البنتَ المختبئةَ في الحزمة؛ على طولِ مِزقِ اللحم، يتشكّلُ خطٌّ من الدمِ يخترقُ البطنَ المكوّرَ من الوركِ الأيمنِ حتى الأربية اليسرى؛ تتهاوى الفتاةُ فوق القمحِ النائم، جبينُها، شفاهُها تشحب، المنجلُ يبقى مغروزاً في اللحم؛ في القريةِ يتراشقُ الصِبيةُ في الوجه سراطينَ حيّةً مسحوبةً من مستنقعاتِ الرملِ الزَهريّ. تتغوطُ السراطينُ في قبضاتهم، يخوزقُها الأولاد، منفوخةً، عندَ الحواجزِ الخشبية: تلك التي خوزقوها من الضلعِ تقع، بلَحمٍ متساقطٍ على طولِ الحواجزِ في الحدائقِ حيث الأولاد، غافين، يُتركون أُسارى حتى مهبطِ الليل، مع الحِملان والعَنز: المستيقظُ من أولئك الأطفالِ بملامسةِ برودةِ الرمل، يعودُ إلى النومِ بسرعة، مهدهَداً بأجراسِ الحملان؛ عنزٌ يعبُّ الماءَ الفاترَ المالحَ للقنواتِ تحت بساطِ الشعير؛ الرعاةُ المرتعدونَ ينتصبون؛ أسمالُهم التي تمسحتْ بالقذارةِ تلتصقُ بأفخاذهم؛ اللطخاتُ تلمعُ فوق الحصى السوداء؛ الرعيانُ يعتنون بأغنامِهم الأثيرة؛ عند موضعِ الصوف، يمسحون مربطِ الأفخاذ، طرفِ الإليةِ المغطى بالعرقِ في حركة التذبذب؛ عند ملمسِ الصوفِ المنعش، القضيبُ، مرتخياً، متصلّباً، ينعقدُ، ليلكيّاً، في الصوفِ المتّسخ. النسوةُ، مجتمعاتٍ حول الفتاةِ المجروحة، يستدرنَ برؤوسهنّ.

9

المرأةُ تضمُّ الرأسَ الملثّمَ للبدوي إلى وجهِها؛ أصابعهُ تتسللُ في ثنايا العباءةِ، تلمسُ الشفاهَ، المنخرينِ، الوجناتِ، الفكّ الليّنَ، شحمةَ الأُذُنِ؛ تحت أصابعهِ، بسمةٌ تغضّنُ الخدّين، الجِلدُ المجعّدُ، يتمددُ، يرقُّ، أزغبَ عند الأُذُن؛ أصابعهُ المتسللةُ في فراغاتِ الجلّابة، تداعبُ الثديين، الصدرَ الأزغبَ في المنتصف، حيث البشرةُ ملتهبةً بأتون الرئتين تفرزُ عَرَقاً ينتشرُ فوق أصابعه بقطراتٍ من أسيد؛ الأصابعُ و الكفُّ تغطي الإبط، عظامَ الترقوة، الفقراتِ المتحركةَ تحت الجِلْد الحرير للظَهرِ بفِعلِ لُهاث البدويّ. العرقُ يسيلُ من الكفل المجعّد للبدوي، على خصيتيه من الخَلف.

10

«وازو، الرجالُ يضربون صفائحَ الزنك، ألقِ بالممسحةِ فوق فخذيّ؛ بدلَ القذارة، الدموعُ تغلي في بطني. سُمُّ الرتيلاءِ أحال دمي جليداً، اسحبني بأقدامي نحو الشمس، الرتيلاءُ التي تقفزُ على القاتلِ في موضعِ ألمِه مرّت نصفَ ميتةٍ من عضو الجزّار الذَكري إلى عضوي».
ينتصبُ «وزّاق»، يسحبُ «خمسيةَ» من القدمين، تحت الفتحة؛ يسَبَحُ وجهُ خمسيةَ المدمّى بالدموع. العينُ الزرقاءُ تقبعُ في المحجرِ الليلكي. وزّاق يلقي بممسحةٍ فوق فخذي خمسية؛ رأسٌ ملطّخةٌ بالشحم، تتنطحُ، بجسدٍ منتصبٍ على طول الحائطِ، عند الفتحة: الرأسُ الحليقةُ المزرقّة تغور. الفمُ، مفتوحاً على شدقيه، يكشفُ أسناناً براقةً حيث اللعابُ يسيل، مطروداً بلسانٍ أرجواني: لهاثُ الزائر ينفثُ غبارَ الطوب، عيناه، أسنانُه، «سأضاجعُكَ من الخلف عبر الحائط، أيها الكلب».
تعضُّ الفكَّ الأعلى للعاهر، حنجرتَه العليا، تقشّرُ صدرَه، تعضُّ قضيبَه الممدود، وخصيتَيه المتصلّبتَين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا