جاء يومي... وكنت أعدّ لكما المفاجأة. لا أريد ثياباً زرقاء ولا سريراً موشّحاً بالدانتيل الأزرق ووسادة طريّة ودبّاً أبيض يحتضن نومي. لا أريد الكرات والسيارات واللُّعب الصبيانية. أريد أن أكون أنا، «نور» ذلك الاسم الذي لم أحصل عليه إلا بعد خمسة عشر يوماً، لكنّ أمي، التي شققت بطنها بالطول حتى أخرج لأنني كنت أجلس كما قال الطبيب «متربعة بعناد»، رفضتني. لم تتقبّل فكرة أنها أنجبت بنتاً. حارت معها الممرضة كي تقنعها أن ابنتها جميلة، ولكن أمي رفضت أن تضمني إلى صدرها لحظة خروجي منها. ولم أدرِ هل بكيت لأنني رُفضت أم لأنني طفلة حديثة الولادة وطبيعية الأداء؟

تعلمت أن أثور وأثبت وجودي منذ نفَسي الأول. صرخت كثيراً. حاولت تحريك يديَّ وقدميَّ، بكيت ووجهي يواجه سقف غرفة المستشفى والدمع يسيل على وجنتيَّ. هو المستشفى ذاته الذي يدخله أبي من حين لآخر للعلاج، لم أكن أستطيع تحريك رأسي كثيراً وكنت جائعة. لم يكن صوت موج البحر المنبعث عبر النافذة يهدّئ من روعي، في الحقيقة صرت غاضبة لأنني جائعة، ولم يعد يعنيني ثوبي الأزرق والملاءات البيضاء النظيفة في كل مكان ورائحة الأجنّة ودموع الأمهات الفرحات بمواليدهنّ، كل الورود التي تغمر المكان لا أشمّها ولا تصل إليّ رائحتها، البالونات الزرقاء والزهرية المنتشرة بين أروقة المستشفى لم تعنني. جهّز أبي لأمي ولي بالونات زرقاء زيّن بها المكان.
عندما أتت بي الممرضة إلى الغرفة قالت لأمي وهي تضحك وتشيح برأسها يميناً وشمالاً كمن يبدي رفضاً لشيء ويدعو لتغييره:
- بدنا نجيب بالونات زهر بدل هالبالونات الزرقا.
وأضافت وهي ترفعني قليلًا بيديها وتنظر إليّ تارة وإلى أمي الثلاثينية تارة أخرى:
- جبتيلنا بنوتة قمر زيّك.
أمي التي كانت تسمعها وتنظر إليها، أشاحت بوجهها باتجاه النافذة وقالت بصوت خفيض يبرز بوضوح تعب الولادة وأوجاعها:
-هيدي مش بنتي إنتو مخربطين.

كيلي رمستين ــ "فجوة جندرية" (2016)

لم أعد أسمعها برغم ما آلمني هذا الكلام، من قال إن الطفل لا يستوعب؟ لا يفهم من يظنّ ذلك. الطفل كائن واع منذ لحظة ولادته، يشعر ويبكي ويفرح ويضحك. لكنني في لحظتها لم أعد أسمع سوى قرقعة معدتي. أحبّتني أم لم تحببني أمي لم يعد ذلك الموضوع هاجسي، كل ما كان يعنيني كلمة من أربعة حروف ح ل ي ب، لكنها تدخن سيجارتها وتنظر إلى الشباك، لماذا؟ لمَ كل هذا الألم والصدمة؟ هل كانت تنتظر أن يقول لها الطبيب إن خطأ ما قد حصل وتمّ تبديل مولودها الصبي ببنت؟ كانت بائسة جداً وكان أبي مع صديقه الطبيب فرحاً. الطبيب نفسه كان متفاجئاً لأنه السبب في كل ما حصل، لم يكن مجتهداً بما يكفي ليكتشفني، فأغرق أمي بالأوهام. لكنني لست عيباً! أتى أبي إليّ، أسمع أنفاسه اللاهثة رغم أنه لا يدخن، إنه يقترب نحوي. صوته ضخم كبير أو أن أذنيَّ الصغيرتين لا تستطيعان تعديل الداخل إليها من أصوات. لا اسم لي ليناديني به، كان يفترض بي أن أكون أخي هاشم الذي حضر إلى الدنيا بعدي بسنة، لقد استعجلوا حضوره وكنت أكره ذلك، كان عدوي قبل أن يصبح صديقي وأخي. حملني أبي عندما خرجت من رحم أمي رغم ملامحه المتفاجئة لكنه ضمّني وأعادني إلى الممرضة، والآن عاد ليأخذني إلى أمي. ها هو يقترب أكثر، أرى يدين كبيرتين تمسكان جسدي كله، ثم تضعان رأسي فوق زند صلب ودافئ، ها هو ينظر في عينيَّ. عيناه كبيرتان سوداوان وشاربه أسود لا يخفي شفتين رقيقتين وأنفاً صغيراً. إذاً هذا هو أبي، لونه قمحي ويبتسم كثيراً. لديه سنّ ذهبية تقع في الصف الأمامي لجهة اليسار، لمعت السن في عينيَّ فأبهرتني. أرخى أبي جفنيه عندما بدأ يقربني إلى صدره ودمعت عيناه، وقعت فوق جبيني قطرة دمع شعرت بحرارتها، وبحركة تلقائية ضمّني إليه، لقد كان دافئًا جداً. إنها رائحة غريبة، عرفت بأنه ليس أمي لأنني لم أشمّه من قبل، حاول أخذي إليها. مشى نحوها وهو يقول لها:
-سلام، تعي شوفي هالقمر الزغير، بنتنا بتجنن.
وتابع وهو يمدّ يديه على وسعيهما حاملًا إياي ليقدّمني إليها:
-فتحي إيديكِ ومسكيها
دقّق النظر فيها، لكنها لم تنظر إليّ بل نظرت في عينيه ثم أشاحت بيدها التي تحمل بين إصبَعَيْها الثاني والثالث سيجارة «لاكي سترايك» المفضّلة لديها برغم تحذيرات الأطباء. كانت تبكي. أعادني أبي إلى السرير ولفّني بغطاءٍ لأبقى دافئة، لا أمّ لي حتى الآن. كانت ملامحي تشبهها. مرت ساعة كاملة، بدأ صراخي يعلو، فرضتُ عليها حملي واحتضاني لشفقتها عليّ وخوفها من أن أصاب بالفتاق لفحش بكائي. نادت الممرضة بعد أن كان أبي خارج الغرفة مع الطبيب، وطلبت منها إحضاري إليها، لقد زاد الموضوع عن حدّ الرفض، لأنني كدت أختنق وصار لون وجهي أحمرَ، وعندما ضمّتني إليها أتوقّع أنني لم أعاتبها وأعترض. تقول لي:
-ملكت الدنيا بس شمّيتك.
وهل كنت أحتاج إلى أن أبدأ حياتي بعذاب حتى تدرك أمي بأنني جيدة وأستحق الاهتمام؟ ومنذ ذلك الحين ميّزني والديّ عن كل إخوتي، كان حباً فائضاً.

* مقطع من الفصل الأول من رواية «محبس» للكاتبة زينة زيدان (إصدار «دار المجمّع الإبداعي» ــــ 2020)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا