اختيار وترجمة: محمد ناصر الدين
عشر روايات ستطبع بداية الموسم الأدبي الفرنسي بحسب استطلاعات رأي مجلة «ماغازين ليتيرير» lire magazine littéraire الفرنسية العريقة، وقد أبدى القرّاء في زاوية النقد في المجلة حماستهم لظهورها في فترة آب (أيلول) التي تشكل تظاهرة أدبية تفتتح موسم الروايات «الدسمة» في عاصمة الأنوار. المواضيع تنوّعت هذا العام بين مساءلة الروابط العائلية ومناقشة مسلّماتها في الأمومة والحق في الإنجاب والغفران في مجتمع حي ونقدي يناقش الأخلاقيات والروابط التي تحكمه في مداها وحدودها وجوهرها، انتقالاً إلى موضوع السلطة بكلّ أشكالها وخاصة «الليبرالية»، حيث لا تزال فكرة فوكو في «المراقبة والمعاقبة» تنبض بالحياة، وسط منظومة معولمة تحاصر الجسد الإنساني في تنقلاته وحريته، مؤازرة بثورة رقمية مهووسة بالرصد والتصنيف والتخزين... وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والأسلحة الموجّهة، بحيث يستطيع صاروخ يُطلق من مانهاتن أن يصيب قالب الحلوى في زفاف في هرات الأفغانية. كما تجدر الإشارة الى «ردة» نحو رواية الأرياف والفضاء الجغرافي المتحرّر من سطوة التكنولوجيا و«الحنين» إلى طبيعة أولى أقلّ تلوثاً بالمعنى المباشر والمجازي. موضوع العنصرية يحضر بقوة أيضاً في الروايات المختارة. رغم كل التقدم في التشريعات والنصوص القانونية، إلا أنّ ما شاهده العالم بأسره من إقدام الشرطة الأميركية على خنق عنق جورج فلويد، أعاد النقاش في موضوع يفترض أنه قد صار من الماضي إلى المربع الأول، وأعاد لهذه الثيمة الأثيرة مكانتها في الروايات التي تلقّفها الفرنسيون من وراء المحيط. نستعرض في «كلمات» الروايات التي احتلت المراكز العشرة الأولى في استفتاء القراء الذي شمل المئات من الأعمال المتنافسة، من دون أن ننسى الإشادة بروايات ممتازة مكتوبة بالفرنسية لكتّاب من أصول عربية مثل «أعشاب ضارة» لديما العبدالله، و«حوض سباحة في الصحراء» لديان مظلوم، و«ملح النسيان» لياسمينة خضر، و«زحل» لسارة شيش، و«التصرف بحرية» لفايزة غوين.



هولي روبرتس ــــ «شابة تقرأ» (مواد مختلفة ــــ 50.8 × 40.6 سنتم ـــ 2018)


■ «فتيان نيكل»
Nickels boys
كولسون وايتهيد ــــ دار Albin Michel

تعالج الرواية قصة الشابين الأسمرين ألوود وتورنر في إصلاحية للأحداث. في فلوريدا العنصرية في ستينيات القرن الماضي، يستلهم الشاب ألوود كوورتيس رسالة السلام من الزعيم مارتن لوثر كينغ ويتحضّر لدخول الجامعة المرموقة لاستكمال الدراسات العليا، ليرى آماله تتداعى بفعل خطأ قضائي حين يتم إرساله إلى «أكاديمية نيكل» المتخصّصة في تحويل فتيان الضواحي إلى «رجال شرفاء ومستقيمين». لكن الحقيقة أن الأكاديمية هي مكان حقيقي للرعب يتجرع فيه النزلاء الذل والهوان. رغم ذلك، سيجد ألوود في شخص النزيل تيرنر حليفاً حقيقياً، وستربطه به صداقة حقيقية. لكن مثالية الوود وشكوكية تيرنر ستكون لهما عواقب مدمرة. متوجاً عام ٢٠١٧ بـ «جائزة بوليتزر» عن روايته underground railroad ثم عام ٢٠٢٠ عن «فتيان نيكل»، يحجز كولسون وايتهيد لنفسه مكاناً في سلالة نادرة من الروائيين ممن نالوا هذه الجائزة مرتين مثل وليام فولكنر وجون أبدايك. مستلهماً الرواية من أحداث حقيقية، يتابع وايتهيد رشّ الملح على الجرح الأبدي للعنصرية الأميركية، عبر روايته التي تمثل عزاءً لكثيرين ممن تطاولهم العنصرية بسبب لون بشرتهم. «قراءة رواية كولسون وايتهيد ضرورة ملحّة. إنه يفصّل كيف تقضي القوانين العنصرية على حيوات كاملة وتظهر أنّ آثارها تمتد حتى اليوم»، حسب تعبير باراك أوباما.

■ Buveurs de vent
«شاربو الهواء»
فرانك بويس – دار Albin Michel

تدور أحداث الرواية في وادي «غور» الخيالي، أرض مأهولة بـ «الأرواح الخاضعة» التي تفقد تدريجاً ضميرها الديني، إذ أن طاغية أشبه بالعنكبوت العملاقة ينسج خيوط التحكم بهذا الوادي انطلاقاً من مصنع يمتلكه في قلب تلك الأرض. إنّه «جويس الجبار» الذي يدير المكان بأسره بعقلية ديكتاتورية ليبرالية. هنا ينبغي للنساء مثلاً أن يخترن بين الأمرّين: أن يكنّ إماء لأزواجهن أو النبذ من قبل المجتمع. عائلة من أفراد أربعة تعمل أباً عن جد في أملاك جويس في المعمل والمزارع والسد، سيضعها القدر في مواجهة مخططات الطاغية: مارك الذي يطالع الكتب في الخفاء، ماثيو الذي يقرأ أفكار الأشجار، لوك ذو المزاج التراجيدي الذي يجيد التخاطب مع الغزلان والضفادع والعصافير ويحلم يوماً أن يكون واحداً منها، ومابيل ذات الجمال الوحشي. تكسر مابيل التقاليد وتتبنى نمطاً متحرراً في السلوك وتهرب من «المحمية» لينطلق إخوتها الثلاثة في البحث عنها، وينطلق كذلك تحقيق للشرطة حول جريمة غامضة. في قلب مجتمع «المراقبة والمعاقبة» بتعبير فوكو، يناقش فرانك بويس ثيمات تبدو مألوفة للقارئ مثل الايكولوجيا، ووضعية المرأة في المجتمع والروحانية. لكن ما يميز «شاربو الهواء» أنّ النقد الاجتماعي سيأخذه الراوي إلى فضاء شعري، تبدو السكنى فيه إشكالية إلى حد ما، بين حد قوة الطبيعة ووعد التمرد الإنساني.

■ «الحميمية»
l’intimité
أليس فرناي ـ دار Actes Sud

يشكل ألكسندر وآدا ثنائياً ناجحاً ويتحضران لاستقبال مولودهما الأول. توكل آدا أمر حضانة الولد لجارتها ساندرا، التي اتخذت قراراً منذ وقت طويل بأنها لن تصير أمّاً قَط. بعد تلك الليلة التي اتُّخذ فيها القرار الحاسم بالحضانة، تجد أمينة المكتبة (ساندرا) النسوية نفسها في علاقة عاطفية قوية تربطها بالمولود وعائلته. بعد سنوات، وعلى موقع إلكتروني للمحادثة، يتعارف الكسندر وآلبا، التي ستأسره بجمالها الأخّاذ وإرادتها الحديدية.
ساندرا، ألكسندر، آلبا، على هذه الركائز الثلاث تبني أليس فرناي روايتها: بكشفها لطموحات ومخاوف وآراء وشكوك واختيارات هذه الشخصيات، توالف فرناي سمفونية متعددة الأصوات تتمظهر فيها الطرق العديدة لبناء شراكة عائلية، لدور الوالدين وللحق (أو عدمه) في التناسل. تتسلّى فرناي بوضع حوارات فلسفية في قلب العادات الاجتماعية، حيث تتعاقب وجهات النظر من أجل تقليب كل اليقينيات والمخططات على مختلف الوجوه، لتتفحّص مجتمعاً لا يتوانى عن دفع الحدود القصوى لوجود الإنسان والأخلاقيات التي تحكم هذا الوجود إلى أمكنة أبعد من أجل إشباع الذات الفردية والعائلية.

■ «معاً نعوي بصمت»
Ensemble, on aboie en silence
غيوم ترانشان الملقّب بـ «غرينج» ـ دار HarperCollins

«كانت هناك تلك السنديانة الهائلة قرب حمّام الفتيان، أعيد فوق جذعها تمثيل الركلات الخلفية لحصان الضوء، لأرسل إشارات إلى الأشباح التي تذهب لأجلك في طلب البندق. لن يصيبك مكروه، لديك أخ في ملعب الكبار، يجيد نظرياً قواعد الكاراتيه ويفتديك». تحكي الرواية قصة أخوين، غيوم الوديع وتيبو الشجاع، كأنّ الأبوين قد قذفا إلى الحياة بنقيضين: مبدأ المغامرة عند الثاني مقابل مبدأ السلامة عند الأول، ركوب الخطر مقابل فلسفة يحرص صاحبها على أن لا يخسر في الحياة قيد أنملة. عام ٢٠٠١، يتم تشخيص تيبو بالسكيزوفرينيا، بحيث سيقف «حصان الضوء» عاجزاً أمام المرض، وسيتوجب على الفتى الشجاع أن يروي التداعيات الصعبة لحالته الذهنية الجديدة في مختلف وجوهها: من الشعور بالذنب إلى العلاجات، والخيبة، والحب والسفر والموسيقى والأمل. سيفضح تيبو المريض للقارئ مغامراته المجنونة، وسيتحد سرده بسرد أخيه. في وجه مرض يحمل كل الكليشيهات، والأوجاع والتبعات النفسية والمجتمعية، تمثل «معاً نعوي بصمت» تراجيديا كونية في رواية يسير فيها الأمل مع الألم والميلانخوليا جنباً الى جنب. الراوي غيوم ترانشان الملقّب بـ «غرينج» يجمع إلى الكتابة التمثيل واحتراف موسيقى الراب.

■ «منظَّمات الهواء»
Les aérostats
أميلي نوتومب ــ دار Albin Michel

إن كان اختصاصيو المعاجم اللغوية يعرفون جيداً مصطلح Aérostat، فإن المصطلح بذاته ليس شائعاً البتة. هكذا، فإن الرواية الأخيرة لأميلي نوتومب تحيلنا إلى التعريف الموجود في القاموس لـ «جهاز يرتفع في الفضاء، بفضل الخفة الخاصة بالغاز الذي يملؤه». الروائية التي واظبت منذ نشر باكورتها «نظافة القاتل» عام ١٩٩٢ على نشر رواية كل عام والتي تبدو مطمئنة إلى جمهور ينتظر جديدها في كل بداية موسم، قد تبدو للوهلة الأولى ومن العنوان «التقني» أنّها تعالج موضوعاً علمياً يتعلق بتلك البالونات الطائرة، أو مغامرات المنطاد على طريقة جول فيرن. لكن الذي يعرف نوتومب عن كثب التي كتبت السنة الماضية الإنجيل بروايتها هي في رواية «عطش» والتي واءمت في مقاربة غريبة بين معجزات المسيح وعطَش جلده، سيكتشف أن الروائية البلجيكية تستعمل تلك «الأجسام الخفيفة» بالمعنى المجازي: ليس وفق طريقة كونديرا في الثقل والخفة، بل بطريقة موجّهة نحو كل ما ومن يرفعنا على مستوى الثقافة.
في روايتها التاسعة والعشرين، تتناول نوتومب الكلاسيكيات الكبرى في الأدب والشغف (أو النفور) الذي يبديه المراهقون تجاهها، عبر شخصية آنج المسكونة بالأدب وبي المراهق الذي لا يهتم بالأدب إلا لماماً. في الحوار بين الشخصيتين وفي قلب الفانتازيا، تأخذ نوتومب قراءها في رحلة جميلة تحلل فيها النصوص الكبرى التي ترتفع بالثقافة والروح.

■ «مثل مملكة في مملكة»
comme un empire dans un empire
أليس زينيتر ــــ دار Flammarion

هو يدعى أنطوان، وهي ترمز إلى نفسها بحرف L. يعمل كمساعد برلماني بينما تعمل هي في القرصنة الإلكترونية، وينذر الاثنان نفسيهما لالتزام سياسي، في العلن أو في السر. تبدأ الرواية في شتاء ٢٠١٩، لا يتوانى أنطوان عن إظهار عدم الثقة أو حتى الكراهية لألاعيب السياسيين ممن يخالطهم كل يوم. يحاول أنطوان التخفّف من هذا المناخ المأزوم، بأن يحلم بكتابة رواية عن الحرب الأهلية الإسبانية. من جهتها، تشهد L توقيف صديقها المتهم بقرصنة شركة للمراقبة والتعقب، وتعرف أنها هي أيضاً تحت المراقبة، وحتى تحت الخطر. يلتقي أنطوان و L تحت ظل سؤال مشترك: كيف يمكن استكمال الكفاح حين يبدو العدو أكبر من أن يُهزم؟
في هذه الرواية الملتزمة، تزجّ أليس زينيتر بجيل كامل في مواجهة عالم عنيف ومتعثر، بحيث يسعى هذا الجيل ولو بوسائل متواضعة وبهمّة لا تعرف الكلل، إلى إعادة تحديد حوافّ هذا العالم، وسيكون أنطوان بحاجة إلى جهود L من أجل سنّ قانون متعلق بالأمن السيبراني. تغرف الراوية بشجاعة من تموضعنا في قلب العولمة، لتصوغ رواية تقول لنا اليوم ما معنى أن نمارس السياسة. زينتر كانت قد فازت بـ «جائزة غونكور» لطلبة الثانوية عام ٢٠١٧ عن روايتها «فن الخسارة»، ويبدو العالم الإلكتروني في «مثل مملكة في مملكة» مألوفاً للجيل الذي تحرص زينيتر على أن تخاطبه في روايتها، وهو الذي يسميه الفيلسوف ميشال سير «جيل السبابة».
في أميركا دونالد ترامب تدور أحداث رواية سلمان رشدي «كيشوت»


■ «كيشوت»
Quichotte
سلمان رشدي ــــ دار Actes Sud

في أميركا دونالد ترامب تدور أحداث رواية سلمان رشدي الأخيرة، في «زمن كل الممكنات»، وخاصة السيّئ منها. البطل آلونسو كويشانو الذي يعمل بالتجارة، لن تسلب لبّه كتب الفروسية كما في رائعة ثربانتس الخالدة، وإنما إدمانه على الشاشة الصغيرة سيوقعه في غرام الآنسة سلمى ر.، مقدمة أحد برامج التوك-شو التلفزيونية. سيبعث لها رسائل موقّعة تحت اسم «كيشوت». يشرع «كيشوت» في رحلة بسيارته الشيفروليه على طول البلاد من أجل الظفر بمحبوبته، وعلى المقعد الخلفي للسيارة، يجلس سانشو، ابنه الافتراضي، الذي سيرافق «الفارس ذا الطلعة الحزينة» في هوسه ورحلته نحو الجنون. كما في القصة الأصلية، يحاول سانشو بخبث أن يعيد كيشوت إلى صوابه، حيث يُستبدل الهوس بكتب الفروسية بإدمان على الشاشة الصغيرة يدمغ كل تصرفاته، وحيث ستنحصر المراجع المعرفية بسلسلة البرامج التي يغبّها البطل غبّاً. كما في رواية ثربانتس، هذا الهوس يفسد ملَكة الحكم على الأشياء عند كيشوت الذي يتأرجح بين العالم الواقعي وما يخترعه (أو بالأحرى ما يخترعه التلفزيون من أجله)، من دون أن يعوّقه عائق أو يحيد قيد شعرة عن هدفه في الظفر بقلب محبوبته. يبدو كيشوت على قناعة كاملة بأن هذا «الواقع غير الواقعي» الذي تقدمه الشاشة يمكن أن يساعده في مخططاته: «كل سعي، أجاب كيشوت، يحصل في الوقت نفسه في دائرة الواقع، في ما تُعلّمنا إياه الخرائط، وفي دائرة الرمزي، حيث الخرائط الوحيدة هي الخفية، في الذهن». في الحوار بين سانشو وكيشوت، ستتبدّى بالبراعة المعهودة لرشدي الوضعيةُ الثقافية للمجتمعات: الهندي منها (حيث ولِد) والبريطاني (حيث عاش) مقارنة بالأميركي (حيث يعيش). يعيد رشدي الاعتبار إلى المعلم الإسباني الذي قال في مقدمة عمله إنّه سيجتهد كي «يجد القارئ المكتئب نفسه مدفوعاً إلى الضحك».

■ «حياتي كحشرة»
Ma vie de cafard
جويس كارول أوتس ــــ دار Philippe Ray

منبوذة من أقاربها وأسرتها، ترجع بطلة الرواية المترجمة عن الإنكليزية (الولايات المتحدة) إلى ماضيها، لتضعنا مباشرة أمام تهمتها: فضحُ جريمة قتل ارتكبها أشقاؤها بحق شاب أميركي من أصول أفريقية بعد تعذيبه. تعود فيوليت إلى طفولتها، في الثانية عشرة حين حصلت الجريمة ذات الدوافع العنصرية، وهي الأخت الصغرى لإخوة سبعة في نيويورك السبعينيات تلك، ووسط أسرة لا تقبلُ فيها كلمة الأب أدنى اعتراض، وحيث يحصل الأبناء الذكور على امتيازات تفوق بما لا يقارن تلك التي للإناث. كانت فيوليت البنت المفضلة لدى أبناء كاريغان، وهي الآن التي «تصرّفت كحشرة» وأسهمت في توقيف إخوتها. قرار سيستوجب نفيها وطردها من قبل العائلة. بدقة سيكولوجية عالية، تُسائل جويس كارول أوتس طبيعة الرابط العائلي وانطفاء جذوة المشاعر التي تنسجه، كما الحب والولاء. بإعادة رسم حياة فيوليت على طول عشرين عاماً، ترسم لنا أوتس بورتريه لامرأة في سعيها للخلاص من سطوة رابطة الدم وثقل الماضي في سبيل اكتشافها لهويتها الخاصة. الحقيقة المؤلمة التي تطبع هذه الرواية القاسية هي في غاية الحساسية: الانفعالات والعواطف الأكثر رقة يمكن أن تنقلب بسرعة قياسية إلى نقيضها. «سيدة الأدب الأميركي السوداء» التي كرّست نفسها في أدبها كصانعة للألم، تضع شخصياتها في مأزق حقيقي حين تطرح علينا سؤالاً مركزياً: هل يحبنا أهلنا حقّاً؟ وهل يغفرون ذنوبنا وتبعات أفعالنا حتى ولو تلطّخت أيدينا بدمائهم، أم سيعاملوننا كالحشرات؟

■ «اللجج»
Les abysses
ريفرز سولومون ـــــ دار Aux Forges De Vulcain

لكل الأساطير العظيمة بداية. تبدأ حكاية «اللجج» من فرقة موسيقية حقيقية تسمى دريكسيا لموسيقى التكنو الإلكترونية، في مدينة ديترويت الأميركية، وهي مؤلفة من العازفين جايمس ستينسون وجيرار دونالد. تؤسس دريكسيا عبر الموسيقى لأسطورة حقيقية: فلنتخيّل أن النساء الأفريقيات، اللواتي كنّ يُرمين في البحر من المراكب التي تحمل العبيد من أفريقيا إلى العالم الجديد بعد اتهامهنّ بالزنا، سيتحولن الى حوريات للبحر، ويلدنَ جيلاً جديداً من شعب بحري قادر على اجتراح حضارته الخاصة، وعلى التأسيس ليوتوبيا جديدة؟ عام ٢٠١٧، ستستلهم فرقة هيب هوب مكوّنة من دايفيد ديغز ووليام هونسون وجوناثان سنييس هذه الأسطورة التي يتم عرضها في برنامج للخيال العلمي، لتنتج الفرقة أغنية The deep التي ستفوز بجائزة هوغو للعرض الدرامي، وسيرصدها ريفرز سلومون ويحولها إلى رواية قصيرة ستُترجم تحت عنوان «لجج» إلى الفرنسية. السؤال المركزي الذي تطرحه الرواية هو: «ما هي الذاكرة؟» عبر استحضار هولوكوست الشعب الأسود، وباستحضار الجميل والقبيح، الرقة والغضب، الأنانية والغيرية، يحاول سولومون الإجابة على هذا السؤال الشائك والمعقّد.

يناقش فرانك بويس ثيمات تبدو مألوفة للقارئ مثل الايكولوجيا ووضعية المرأة في المجتمع والروحانية


■ «يوغا»
yoga
إيمانويل كارير ــــ منشورات P.O.L

بعد «المملكة» التي صدرت منذ ستّ سنوات، يعود إيمانويل كارير بعد طول غياب، في ما يمكن اعتباره «حدث» الموسم، هذا الروائي الذي لطالما استقبله النقاد بحفاوة منذ باكورته l’amie du jaguar الصادرة عام ١٩٨٣. يعود كارير إذن في رواية هي تحية لروح صديقه بول أوتشاكوفسكي-لورنس المتوفى عام ٢٠١٨. والأخير للتذكير هو ناشر جورج بيريك الذي لن تتوافر له الفرصة لقراءة «يوغا». في هذه الرواية، يشبه كارير الوقت بـ «عظمٍ للقضم»، إذ أن الرواية أخذت سنوات لتختمر. كما في «الخصم»، روايته السابقة، يبقى كارير وفياً لسرد متخفّف من الخيال مرتكز إلى اعتبارات شخصية ممزوجة بثقل الواقع. يحكي لنا عن تمرّسه في اليوغا والتأمل، مظهراً حسنات هذه الرياضة وساخراً من تحويلها إلى وسيلة للكمال الذاتي، إذ أن الخيبات رافقت كارير في أعوامه العشرة الأخيرة، وكان قد عرضها للقراء في كتاب «رواية روسية» الصادر عام ٢٠٠٧. هل السبب هو اضطرابات هرمونية أم جينات تعود إلى جد روسي مفترض؟ في تناولها لـ «يوغا»، تقول الإعلامية الكبيرة كلير شازال بأن كارير يلتفت إلى الخارج أيضاً، ليحارب شياطينه برفع الصوت في وجه أولئك الأشرار ممن صنعوا مذبحة «شارلي ايبدو»، أو بمن دفعوا بقوارب المهاجرين في قلب البحر. ما من فرح نقيّ مع كارير. الكتابة، الحب، الموسيقى، تطبع أعماله بدمغة شخصية، مثيرة وحادّة.

* المرجع: اقتباسات من عدد lire magazine littéraire ـــــ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٠

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا