دعك من الأزرق: يتطلب حاملاً بحجم السماء. وسيختنق حتى في جدارية. دع الأزرق جانباً. واهتم بالأحمر. هل تعرف معنى الاهتمام في الفن؟ معناه التجاهل... التهميش. ضعه في الخلف. أو في أحد الجوانب. وأحطه بالأسود. الأحمر كمسك الليل: نَفَّاذٌ في الظلام. الأحمر ثريا: كلما احْلَوْلَـكَ الجو حوله شَعَّ وغَمز. الأحمر وَعِلٌ أصهبُ في غابة.

لماذا أُكثر من التشبيه؟ لأن الأحمرَ إلكترون متحرك لا يَسْكُنُ أبداً. «كثرة وجوه التشبيه طبيعية. لأن الرجل نفسَه إذا تصفَّحتَه على مدى بضع دقائق، بدا لك رجلاً، ثم رجلاً طائراً، ثم رجلاً حشرة». هكذا يقول روائي خبير. لذلك، فالأحمرُ الواحدُ في اللوحة الواحدة، يُشِعُّ، أمام الشخص الواحد، بألوان وإحساسات مختلفة، في أوقات مختلفة، أو من منظورات مختلفة، أو بحالات نفسية مختلفة. قد يوحي لك أحياناً، وفي لحظة واحدة، بالشيء وضده معاً. الأحمرُ أحمق. لا ثقةَ فيه. لا ثباتَ لَهُ، ولا كلمةَ لهُ، ولا معنى له. لذلك هو «فَنُّ الفن». ولذلك اهتمَّ به.
ضع قليلاً منه في اللوحة: قطرة عسل. وأحطها بالأسود... الرمادي... الأصفر... دَرِّجْ ألوانك. عينُ المتلقي كبلقيس: تصعد درجات اللون وهي تُمسك بطرف رمشها حتى لا تتعثر. درجةً درجة. لن تَسَعَ اللوحةُ درجاتِ اللون كلَّها، لكنَّ التعددَ يوحي بالكثرة. والاختلافُ ثروةٌ وسَعَةٌ وأُفُق.
ارسم بدرجات اللون المَدَى. ودع العينَ تنطلقُ فيه. باختلاف اللون وتعدد الدرجات تمتد أمداءُ القطرة الواحدة من الصباغة إلى ما لا نهاية له. لكن، دع الثريا اليتيمةَ تشعُّ وحدها في الجانب الشرقي/ الغربي للوحة. الثريا؟ لنسمها «سُهَيل»، فسهيل يميل إلى الاحمرار: «وسُهيلٌ كوجنةِ الحِبِّ في اللَّـ/ـون وقلبِ المُحِبِّ في الخَفَقانِ»، هكذا يقول المعري. كان أعمى: لذلك رأى. وأنت أيضاً، وأنت ترسم، كن أعمى. ارم بعينك حيث تشاء، لكنك لن تَرَى بها شيئاً. دعها مفتوحةً، ولكن، اقطع علاقتها بعقلك. افصل فيشةَ العقل عنها، وفكر، ليس بما أمام العين، بل بما في ذاكرتها. فكر فيه، ثم ترجمه إلى لون أو خط أو زاوية أو... شَكِّلْه. ضع له شيناً... ثم كافاً... ثم لاماً. وها هي اللوحةُ اكتملت. واحرص على الأحمر دائماً. لا تُكثر منه. قطرة فقط. أو، اسمع، لا تُظهره على سطح اللوحة مطلقاً. أوحِ به. دعه ينبض في الداخل... في عروقها. الأحمر دم اللوحة، فلا تجرحها.

مايكل دي كامب ــــ «موجة حمراء» (طباعة على ورق ــ 1975)

ما هي فصيلةُ لوحتك؟ حبذا لو كانت: s+th سهيل في الجنوب والثريا في الشمال: «عَمْركَ الله، كيف يلتقيان؟» هكذا قال عُمَر. وقد كان عَشَّاقاً، لذلك تساءل. الأحمرُ دم الفن كله. حتى في الشعر: هو النور الذي يشع في خد زينب. وهو النار التي تضطرمُ في صدر سلمى... وفي الموسيقى. موسيقى موزارت، على الأقل، حمراء. مُضَمَّخَةً بضحكته الفريدة تتقاطرُ في الأذن والعين معاً. لكن حمرتها هادئة ساجية كحمرة الأفق في الغروب. ترجمها. ترجم ضحكة موزارت وأنغامه الساجية بفرشاتك. في البداية فقط: ترجمها في كروكياتك. ثم ترجم الترجمة إلى إبداع خاص. اشتغل عليها بحقد كحقد سالييري. هشّمها. فتّتها كي تهضمها. وبعد أن تهضمها، انطلق حراً إلى حيث ترمي بك فرشاتُك. قد ترمي بك إلى حيث لم تكن تقصد. وتُقَدِّرون فتضحكُ الفرشاةُ. ذلك ما يُميِّزُ الفنَّ الجميل: ضحكةُ الفرشاة. سخريتُها من نواياك ومقاصدك. وتطويحُها بك في مهاوي المجهول. لا ثقةَ في الفرشاة. وتلك عظمتُها. كلُّ فرشاةٍ لا تخون، لا يُعَوَّلُ عليها.
اكتملت اللوحة؟ تظن أنها اكتملت؟ طيب. غَطِّها بإزار. ودعها تنام. اللوحاتُ كالأطفال: يلعبون كثيراً ويجرون كثيراً. لا يسكنون عن الحركة كالطيور. لذلك ينبغي أن يناموا طويلاً وعميقاً... ليستريحوا وليستردوا قوتهم على اللعب والحركة من جديد. ستعود إلى لوحتك من بعد. وستتابع العمل عليها، كما تتابع مراقبةَ طفلك، دون أن يشعر. دون أن يشعر، احرص على ذلك جيداً. تحرك بصمت. ضربة فرشاة عارضة... ومُرَّ. راقب من بعيد... كضيف غريب: غريب لأنه طارئ وغير معروف، وغريب لأنه مهووس بالتنظيم والترتيب: يجلس في قلب الصالون هادئاً صامتاً وخجولاً، ولكنَّ أصابعَه تأكله. يود لو حرَّكَ ستارة النافذة قليلاً إلى اليسار. لو بَسَطَ تلك الثنية في غلاف تلك المخدَّة. لو أعاد ترتيب الكؤوس على الطاولة. لو عَدَّلَ ربطةَ العنق على صدر مضيفه. ولو مسح فُتَاتَةَ خبز على طرف شفته السفلى. لو أعاد ترتيب الأحذية هناك، في باب الصالون... يحك يديه ببعضهما في توتر، والعرقُ يَنِزُّ منه. وحتى لو أغمض عينيه فهو يرى، ويُعيد، في ذهنه، الترتيبَ من جديد. ضربة فرشاة عارضة، وها هي الغيوم بدأت تظهر: غيوم بيضاء... رمادية... سوداء... لا تحبسها هنا... ولا هناك. دعها تمارس حريتَها. ودع ليرمنتوف يخاطبها: «أيتها الغيومُ الراحلاتُ أبداً
من يطردكن؟/ أبداً باردات/ وأبداً حُرَّات/ ليس لكُنَّ وطن/ وليس لكُنَّ منفى».
ضربة فرشاة عارضة... وها هي الزَّقزقات: مناقير صفراء تصعد دَرَجَ اللوحة مَثْنَى مثنى، كما لو كانت تدخل سفينة نوح. تصعد وهي تغرد. خاطبها أنت: أيتها الطيور المرحة/ لا تدخلي/ أَنْشِبي البراثنَ في أعراف الموج وعيشي في الماء/ الطوفانُ أَرْحَمُ لو تدرين.
هل تسمع موسيقى الزقزقات؟ تحتاج إلى الأحمر كي يرتفع الصوتُ قليلاً؟ جرّب هذا. أحمر كشقيقة النعمان. قانٍ جداً؟ فعلاً. يبدو زائفاً يُعبر عن الضيق وهو يظن أنه يعبر عن الفرح. كأحمرِ شفاهِ امرأةٍ لها ضَرائر. جرّب هذا البرتقالي. باهت؟ هذا التوتي... هذا الـ.. اصنع أحمرَكَ الخاص إذن. الأحمر الذي لا يعبر عن الدم ولا عن الزهرة... لا عن الطبيعة ولا عن العاطفة... اصنع الأحمرَ الذي يُعبر عن الأحمر فقط. الأحمر الذي تعبر عنه الألوان، ولا يعبر هو عن شيء ولا عن أحد. اصنعه بالإيهام. الوهم هو البعد الخفيُّ لكل لوحة. كيف تجعل المتأمل يتخيل الأحمر فيها. يستعمل أشعتَه الثقافيةَ تحت الحمراء، ويتخيل أحمر غير ظاهر على السطح.
قرأتُ قصةً عن شاب يلعب الشطرنج مع نفسه في خياله. قصة حقيقية. أعني: تُقنعك بأنها حقيقية. العب بالألوان القريبة من الأحمر: كثّفها، ودَرِّجْ بعضَها فوق بعض كقوس قزح، دع الشمس تُطل من نافذة المطر، وانسج منها حزام فاطمة الزهراء: حرير حُلُميّ أحمر ترتاح له العين وتسجو، وهي تراه داخلَها... لا خارجَها. حرير ناعم تنزلق عنه النظرةُ كما تنزلق قطرةُ المطر عن الصخرة الملساء. تنزل القطرةُ عن الصخرة إلى الأرض. تغوص في التراب. وتتسرب إلى قلب البذرة فتُحييها، وتنبت، فتصير سنبلةَ قمح، سنبلةً مزهُوَّة بالريح والشمس، ومهووسة بذكرى بعيدة: ذكرى حرير أحمر ناعم. ترتعشُ للذكرى حَبَّاتُها المئة وتنتعش.. فتَحْمَارُّ وتكتنز، وتشقُّ غلافها لتُطلَّ على العالم. تلك هي النظرةُ الحُبلَى. النظراتُ زهورٌ تلقحُها اللوحات. والأحمرٌ هو غُبارُ الطَّلْع.
اكتملت اللوحة؟ ضع توقيعك. ما هو اسمك؟ أحمد؟ ضعه هنا. أَطِل السِّنَّ السفلى للدال قليلاً. تماماً. الآن، اكتملت اللوحة.

* الدار البيضاء/المغرب

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا