جواكيم ماريا ماتشادو دي أسيس، روائي وقاصّ برازيلي ولد في 21 كانون الثاني (يناير) 1839 في ريو دي جانيرو. يُعد الأب الحقيقي للأدب البرازيلي الحديث، ومؤسس الأكاديمية البرازيلية للآداب ورئيسها حتى وفاته في 29 أيلول (سبتمبر) 1908، تاركاً وراءه إرثاً خالداً وبصمة مضيئة على فن الرواية الغرائبية. يعتبره كثير من النقاد أهم كاتب واقعي في أدب أميركا اللاتينية. تجلّت براعته بشكل واضح في روايَتيه الشهيرتين، «في ذكرى رابح صغير» التي كتبها في عام 1881 و«دوم كاسمورو» التي فرغ منها في عام 1900. وبهما براعة فائقة في التشخيص والتقنية القصصية استحقّ لأجلهما أن يكون من قادة الحركة الواقعية في أدب أميركا اللاتينية، جنباً إلى جنب مع ألبرتو بلَسْت غانا «وبَلْدوميرو ليلو». ويعتبر ماتشادو أحد روّاد المدرسة الپارناسية في الأدب البرازيلي


ترجمة: نور طلال نصرة

1. المحظوظون لا يغادرون
أسوأ ما في الأمر أنها كانت عرجاء، فتاة بمثل هذه العيون الصافية وهذا الفم النضِر، وهذا الاتّزان كسيدة ناضجة، وتكون عرجاء! هذا التناقض من شأنه أن يدفع الإنسان ليؤمن بأن الطبيعة أحياناً هي الساخر الأكبر منه. بدأت أتساءل في نفسي؛ كيف تكون جميلة وهي عرجاء؟! ولماذا هي عرجاء إذا كانت جميلة، كان هذا هو السؤال الذي راودني كثيراً، وأنا في طريق عودتي إلى المنزل في الليل من دون أن أتوصل إلى تفسير مقنع لهذه الأحجية. إن أفضل شيء تفعله عندما تعترضك أحجية صعبة الحل هو أن تقذفها بعيداً عن تفكيرك، وكان هذا ما فعلته. مددتُ يدي إلى منشفة أخرى وأبعدت فراشة سوداء جديدة كانت ترتعد في عقلي. شعرتُ أنني هدأت وذهبت للنوم. ولكن الأحلام التي هي منفذ للروح، جعلت الحشرة تعود إليّ حيث أمضيت طيلة الليل أفكّر بخصوص هذه المسألة الغامضة دون أن أتوصل إلى شرح لها. كانت السماء تمطر في ذلك الصباح وعزمت أن أؤجل رحيلي، لكن في صباح اليوم التالي كان الجو مشرقاً والسماء زرقاء وصافية، وعلى الرغم من ذلك لم أذهب. كذلك الأمر في اليوم الثالث والرابع وهكذا حتى نهاية الأسبوع. كان الصباح جميلاً، معتدلاً ومغرياً، وهناك في المنزل، كانت العائلة، العروس ومجلس النواب ينتظرونني، ولكن كنت غير قادر أن ألبي نداء أحد منهم. كنت مسحوراً بقدمَي ڤينوس العرجاء.


كلمة «مسحور» ما هي إلاّ أسلوب وصف منمّق، في الحقيقة هو ليس سحراً إنما هو سعادة كاملة تنمّ عن رضا جسدي وروحي. لقد أحببتها بصدق، وشعرت أنني بخير عند قدمَي ذلك المخلوق البريء، الساذج وغير الشرعي، فتاة عرجاء، هي ثمرة الحب والازدراء، وأعتقد أنها شعرت أيضاً بتحسّن أفضل عند قدمي، حصل كل ذلك في تيجوكا. ظلّت الدونا أوسيبيا تراقبنا ولكن ليس كثيراً، لتضفي جواً لطيفاً في تلك اللحظة. أودعتني هذه الفتاة روحها المتفتّحة في أول لحظات نضجها. سألتني يوم السبت: — هل ستعود غداً؟ — إني أخطط لذلك. —لا تذهب.
وبالفعل لم أذهب، وأضفت نكهة إنجيلية لمقولتي الخاصة: «طوبى للذين لا يرحلون من أجل القبلة الأولى لحبيباتهم». وبالفعل، كانت القبلة الأولى ليوجينيا يوم الأحد، القبلة الأولى لأول رجل في حياتها، لم تكن هذه القبلة مسروقة ولكنها قدمت ببراءة، بالطريقة نفسها التي يدفع بها المديون المخلص دينه. يوجينيا الطيّبة! لو كنت تعلمين ما هي الأفكار التي تدفّقت من عقلي حينها، إنك ترتعشين بمتعة، يداك حول كتفيَّ، تتأملين زوجك المستقبلي، وأنا كانت عيناي منصبّتين على عام 1814، في الحديقة، على فيلاسا، أعتقد أنك لا تستطيعين الخروج من دائرتك، ونكران أصلك...
وبشكل غير متوقّع، دخلت الدونا أوسيبا لكن ليس بشكل مفاجئ لدرجة أن تكشف أمرنا. توجّهتُ إلى النافذة، وجلست يوجينيا لتسوّي إحدى ضفائرها.
عجبي من هذه القدرة على التظاهر بالفرح! يا لها من مهارات لا منتهية! يا لها من طرطوفية (1) عميقة، كان يجب ألا أستغرب كل هذا السلوك، فهو أمر طبيعي يسري في عروقك، غير مدروس لأنه طبيعي مثل نزعة غريزية، مثل غريزة النوم. والأغرب من ذلك أن الدونا لم تشكّ في أي شيء.

2. من أجل روح حسّاسة
أنا متأكّد أنه من بين خمسة أو ستة قرّاء، ستكون هناك بالتأكيد روح حسّاسة مضطربة من الفصل السابق وقد تكون ترتعد حول قدر يوجينيا وربما... نعم ربما في داخل أعماقها تدعوني ساخراً (2)، أنا روح حسّاسة ساخرة. وقسماً بديانا (3) تستحق هذه الإهانة أن تُغسل بالدم، هذا إذا كان الدّم قادراً على غسل أي شيء في هذا العالم. كلاّ أيتها الروح الحساسة أنا لستُ ساخراً ولكنني إنسان. كان عقلي عبارة عن مسرح تُعرض على خشبته جميع أنواع المسرحيات: من المسرحيّات المقدّسة، والمسرح الملتزم، ومسرح الشك، والكوميديا الأنيقة، والمسرح الهزلي الجامح، والتمثيليات القصيرة، والتهريج، والكوميديا الساخرة، عاصمة الجحيم في «الفردوس المفقود» والروح الحساسة، خليط من الأشياء والأشخاص الذين من خلالهم تستطيع أن ترى كل شيء بدءاً من أجمل وردة في إِزْمِير حتى نبتة السذّاب (4) في الباحة الخلفية لمنزلك. من سرير كيليوباترا الفخم إلى زاوية الشاطئ حيث يغرق المتسوّل في نومه. ولتجاوز كل هذا، تحتاج إلى أفكار من أشكال وأنواع مختلفة، لم يكن الجو العام يقتصر على وجود الماء والطائر الطنّان فقط، بل أيضاً كان هناك حلزون وضفادع صغيرة. وبالعودة إلى تعبير «الروح الحسّاسة» اضبط أعصابك، امسح نظاراتك... لأن عدم الوضوح يكون أحياناً بسبب الزجاج ودعنا ننتهي من وردة الشجيرات هذه.

3. الطريق إلى دمشق
كان ذلك في الأسبوع التالي، كما لو أنني كنت في طريقي إلى دمشق حيث سمعت صوتاً غامضاً يهمس لي بالكلمات الموجودة في الكتاب المقدّس: الإصحاح التاسع : 9:6 «انهض واذهب إلى المدينة» (5). كان هذا الصوت يأتي من داخلي، من مصدرين: الشفقة التي جعلتني عاجزاً أمام براءة الفتاة الصغيرة. والخوف من الوقوع حقاً في حب هذه الفتاة والزواج منها.
إنّها امرأة عرجاء! وليس لديّ أدنى شك أنها اعتقدت أن هذا هو سبب عودتي إلى المدينة وقد صارحتني بذلك. حدث ذلك على الشرفة ظهيرة يوم الإثنين عندما أخبرتها بأنني سأعود في صباح اليوم التالي «الوداع» حدّقت بي ممدودة اليدين، وقالت: «إنك تفعل الصواب». وبما أنني التزمتُ الصمت حينها، تابعتْ كلامها قائلة: «إنك تفعل الصواب في هروبك مني ومن فكرة الزواج السخيفة». كنت سأقول لها كلا، ولكنها انسحبت ببطء تغصّ بدموعها. أمسكتُ بها بعدما ابتعدت عني بضع خطوات وأقسمت لها بكل القدّيسين بأنني مجبر على العودة، ولكنني بقيتُ أحبّها وبشدّة. استمعتْ إلى كل هذه الترهات الباردة دون أن تقول أي شيء. سألتها أخيراً: — هل ستصدقينني؟ أجابت: — كلا، لقد قلت لك بأنك تفعل الصواب.
حاولت أن أعيدها ولكن النظرة التي رمقتني بها لم تكن نظرة رجاء بأن أتركها بل نظرة أمر بأن أرحل. في صباح اليوم التالي غادرتُ تيجوكا ساخطاً بعض الشيء، وراضياً قليلاً. ذهبت مباشرةً وقلت في نفسي: «لقد كان من الصواب أن أطيع والدي حيث كان من المناسب أن أدخل غمار السياسة...».
لقد كان والدي مُحقاً.
الدستور... وعروستي... وحصاني...

هوامش
(1) تعني الطرطوفية الكذب والنفاق نسبة إلى مسرحية لموليير بعنوان طرطوف، وهو ملهاة تكشف للقارئ الجانب الجدّي من شخصية مؤلفه.
(2) ربما يشير الكاتب هنا إلى فكر الفلاسفة الكلبيين الذين يؤمنون بأن الفضيلة هي الخير الأوحد وجوهرها ضبط النفس، وعادة ما يعبرون عن موقفهم بالسخرية والتشاؤم.
(3) ديانا: إلهة القمر والعفّة، وهي مرتبطة بالأرض والخصوبة والولادة في الميثيولوجيا الرومانية.
(4) السذّاب: يُعرف أيضاً بنبتة الفيجن أو الرحمة، إحدى النبْتات المعمّرة، يُراوح طولها بين 50 إلى 100 سم وتضم حوالى 40 نوعاً، وهي من الأعشاب التي تنمو في البر وعلى سفوح الجبال، في جنوب شرق إيطاليا وفرنسا وجنوب إسبانيا.
(5) الطريق إلى دمشق: من سفر أعمال الرسل، الإصحاح التاسع، وجملة «انهض واذهب إلى المدينة» هي العبارة التي يقولها السيد المسيح لشاؤول وهو في طريقه إلى دمشق، يقع شاؤول في الأسر ويصاب بالعمى لكن المسيح يشفيه وهنا يصبح شاؤول مؤمناً ويعتنق المسيحية. وشاؤول هو بولس الرسول.

(*) الفصول الثلاثة الأولى من رواية بالعنوان نفسه، صدرت أخيراً عن «دار الجيدة للنشر والتوزيع»، عمان/ الأردن.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا