عند مدخل قاعة المحاضرات، يقف بوضعيَّة المتفحّص المدقّق رغم أن احتشاد الناس وعددهم أمرٌ لم يعد يرهبه. تجاوز رهاب الأماكن المكتظة منذ زمن طويل.

قبل أن يغلق خلفه باب بيته الفارغ إلا من الذكريات، كان قد تأمَّل شعره الذي غزاه الشيب، ووجهه المجبولة ملامحه بأرقّ الشعراء والمثقفين، وعطّر نفسه بعطر نسي مَن الذي أهداه لستينيّ متصالحٍ مع شحوبه.
يده متشبّثة بحقيبة قماشيَّة رافقته منذ عنتريّاته الجامعية حتى الآن. يتجاهل الوقت محدّقاً بالقاعة الواسعة، وبالشبابيك التي تشد بصيرته نحو سراب يتنصّل منه، ولا ينسى المرور ببصره نحو سقف يضجّ بمصابيح تتخذ من النهار وقتاً لقيلولتها.
في الخارج، لا صوت سوى صوت المطر الغزير مساجلاً الأرض، وفي الداخل طلاب ينظرون إلى بعضهم باستغراب، محاولين قراءة صمته، كلّ في سرّه. الفتيات يتبادلن الضحكات، وبعضهن يؤثرن التحديق في كتبهن كي لا تفلت ضحكة عن طريق الخطأ نحو الصدى، أمّا الشبّان فكانوا يحسبون - برؤوس منحنية صوبَ هواتفهم الذكيّة – الوقت المتبقّي من عمر هذا العبث، ومن هذه المحاضرة التي لم تبدأ بعد!

جَاك داراس ـــ «مايا» (أقلام على كراسة، 1993)

جنسٌ مَلول! هكذا كان يصف نفسه وأترابه حين كان في مثل سنّهم. هل ما زال مَلولاً؟
كان لا بدّ من أسئلة متبادلة جهراً تكسر حدّة هذا الصمت المباغت: «يا قلبي دفتري بعدو معك؟»، «صاحبي قديه الساعة معك؟»، «دكتور حضرتك مغلط برقم القاعة؟»، «ليه ساكت؟»
لم يستفزّه هذا الكباش العلني بين ضجيج الجماعة والصمت المفرط، ظلَّ يتأمَّل الزوايا نفسها ويقرأ التفاصيل نفسها، لم يحدّث نفسه، اكتفى حين وقع نظره مجدَّداً على أحد شبابيك القاعة التي تحتضن الحصّة الأخيرة في هذا اليوم، باستحضار أغنية «شبابيك» بصوت فايا يونان متشبثاً بكل حضوره الغائب تفسيره.
لم يأتِ أيّ طالب ليحمل عنه الحقيبة بحركة ترشح «ولدنة»، ولم تفاجئه أيّة طالبة بِـ «دكتور معطفك كتير مبلل من المطر»، أو «دكتور شعراتك ملخبطين كتير»، أو «دكتور وجهك كتير شاحب».
استمرت حركة نظره على حالها، يحفّزها حوار الأرض والمطر خارجاً. لطالما كانت الأيام المبلولة محطة فارقة عند كل مفترق في حياته. سرعان ما انتهى الحوار ليتقدّم الضيف الغريب على طلابه بخطى بطيئة موقَّعة نحو مكتبه، كُسِر الذهول أكثر حين استدار نحو اللوح ليتلقّى ظهره همهمات الحاضرين.
محا المكتوب من نظريات يظهر أنها فلسفية بخط محاضر لا يعرفه، لكن نظرية واحدة لفتته: «هل أستطيع أن أفكر أنني أفكر دون أن أفكر؟»
محا بتثاقل ما كتبه زميله الذي لا يعرفه مستنتجاً من خلال الخط أن الأخير اتخذ من المحاضرة السابقة سبيلاً لاستنزاف الوقت بالحكي. حاول التقاط القلم بيده اليسرى لكنه تراجع. استلّ من جيب قميصه سيجارة لعلها الأولى والأخيرة منذ حوالى ثلاثين عاماً. ظهرت أمارات التعجب على وجوه البعض، لكنّ أحداً لم يصرخ، من حسن الحظ أنه ما من طالب وقح تجاه هذه السريالية. حدّق والسيجارة في فمه وقد تعمّد ألا يشعل رأسها. ربما أراد التشبّه بصورة جوني ديب الرمادية، النجم الذي لم يشاهد له فيلماً قط، لكنّه أحبّه من خلال هذه الصورة. حدَّق فقط في وجوه الطالبات اللواتي يمثلن الأكثرية الساحقة في قاعة طالبي العلم وتحديدًا اللغة العربية وآدابها. شددنه بأغلبهنّ. كلهنّ جزء لكُليْن، لمسرحيتيْن، لتجربتين، لفلسفتين، لدرسين قاسيين.
واستمرَّ الصَّمت، صار عاجزاً تفشّى كسل الستين في عروق رقبته، مارس الصمم تجاه المطر وصوت فايا يونان حين جلس على مقعده. فتح حقيبته القماشيَّة الهاربة من كتاب التاريخ كما وصفها صاحبه العصريّ. حاول ملء ورقة الحضور لكن القلم فارغ. فارغ من الحركة ومن الحبر الذي ينفقه في الليالي على تحرير النسيان على أوراقه البيضاء.
حدق مليّاً نحو المقعد الأوَّل من الجهة اليمنى، في ملامح الفتاة البيضاء صاحبة العينين العميقتين الكبيرتين بلمعة الخجل التي لا تخفى، والبسمة التي تبثّ الأمان، والشعر الطويل كراحةٍ بعد ليلة مثقلة بالهموم. عاد ليضمر أمنيته في قبلة على خدّها المكتنز. حدَّق مليّاً في الجسد المحتفي بصباه. بادلته الحيرة والتفهم، حاولت الضحك لكنها أصرَّت على قراءة تيهه المصلوب في نظراته بتعقّل ووعي مبكر لتنال الحكمة أو تبحث عن الغاية من كل هذا المشهد.
هزمته براءتها و«ولاؤه» تجاه وجوده الوقور. فقال بصوتٍ صامَ طويلاً عن الكلام: «فلنبدأ... أعطني قلماً يا...» قاطعته بصوت ملائكي: «شغف». وقع الاسم في قلبه كما تقع ذكرى ريّانة في قلب قتله العطش. عاد ببصره إلى الشباك باسماً، وصوت فايا ينساب في رأسه «كل الشبابيك بتذكّرني فيك». غير أنَّ موضع الشمس في السماء، والوقت جاوز الأصيل، لم يتناسب مع ابتهاجه الطارئ، فغاضت ابتسامته إذ تذكّر «الشباك الأخير وباب العمر المفتوح». همَّ بقول شيء ما، لكنّ صوتاً آتياً من المقاعد الخلفيَّة سبقه. كان الصوت لشاب فوضوي ملول يصيح بنزق: «خلص الوقت يا...».
سحبَ يده التي كانَ من المفترض أن تلتقط القلم قائلاً بصوت خفيض: «انصرفوا... لقد قلنا ما قلناه»!

* صور/لبنان

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا