لقد أصبحتُ مع الوقتِ أشعرُ بالإحباطِ لدى سماعي موسيقى الروك. كأس الويسكي التي أحتسيها أثناء سماعها هي أيضاً عامل مساعد. أو ربّما تلك الأثقال التّي أحملها هي التّي تصيبني بهذا الإحباط. فما بالُكَ لو أضفتَ إليها زجاجةً صفراء وموسيقى الروك.

يمكنك الآن، أيّها القارئ، إن أردت أنّ تفسّر ما سأقولُ على أنّه تصوّر لقصّة حبّ، أو ربما قراءةٌ في فنجانِ قهوة أو ورق الشدّة لتفسير الغَيبِ وغير المرئي؛ إن كان ذلك أفضل ما لديك من حلولٍ للتفاؤلِ بالمستقبلِ فلا مانعَ لديّ.
أنا شخصياً لستُ من هواةِ التفاؤلِ عادةً أو أبداً حتّى.
لستُ مِن الذين يؤمنون بالمقولة الشهيرة: إنّ لا معنى للحياةِ لولا فسحةُ الأملِ.
أوّلاً، لو سمحتَ طبعاً، هلاّ فسرتَ لي ما معنى الحياة؟ هل فهمْتَ يوماً غاية وجودك؟ أكثر ما يزعحني أنّي تربيتُ على تصديق عبارة «مات شاباً. سبحان الله! هذه إرادته!». ليس هدفي أن أكون كافرةً، أو متحرّرةً من قيود مجتمعي أو من جميع القيم التّي تربيتُ عليها، ولكن، عزيزي أصدقني القول: هل تُدرك حقّاً معنى الحياة التي تعيشها؟
هنا، أوّد أن أضيف نقطة للتوضيح. لا أدري إن كنْتَ قد لاحظْتَ، لكنّي برّرتُ ما أقوله عدّة مراتٍ، بالرغم من أنّي لم أعتد على تبريرِ نفسي، لكنّنا نعيشُ في زمنٍ لا يمكننا قولُ أيّ شيء، أو التفوّه بأيّ تصريح أو رأيّ خاص دون تبريرٍ؛ كأنْ تقول مثلاً بأنّك تدعم حقّ المثليةِ الجنسيّةِ، فعليك بالتالي أنّ تبرّر للمعارضين المؤمنين بالكتبِ أنّك لستَ مثليّاً، لكنك تدعم قضيّة أو أنّك لستَ من داعمي حقوق المرأة حصراً بل من داعمي حقوق الإنسان. يا ويلك إن نجوتَ من جماعة «النسويّة»!
على أيّ حال، لنعُد إلى سؤالنا الأساسي "«هل استطعتَ فعلاً الوصول إلى غايتك من الوجود؟»
لا أظنّ.
وهذه ليست بمصيبة.
المصيبة أنّك تعلم أنّك لا تعلمُ، ومصرّ على إضجارنا بالتفاصيل.
كان الطبيب أوسكار سيرالاش قد صرّح عند سؤاله عن العامل الأقوى الذي يساهم في صحة الفرد وحيويته: «الشعور بالهدف». ربّما هذا هو ما أحتاج إليه أو عكسه تماماً. لقد أمضيتُ عُمْري وأنا أسعى وراء هدفٍ أو أهدافٍ لتحقيقها: أنظمة تغذية لأنحف، وأنشطة نمط حياةٍ لأُشغلَ نفسي، والرياضة للبقاء نشيطة؛ ولكن في الحقيقة أولئك الذين ليس لديهم إحساس واضح بالهدف كانوا الأكثر سعادةً بمعناها البسيط، كانوا الأكثر استرخاءً.
دعني أطرحُ لك هذه الفرضيّة لتفهم رأيي بفكرة الأمل. أنتَ تعيش الآن، مرغماً، منحنيَ الرأس طوال الوقتِ، وذلك لسببٍ بسيط، لشدّة انخفاضِ سقفِ بيتكَ. نعم. بيتك. منزلُكَ الذي ترعرعتَ فيه وكبرتَ فيه وبنيتَ أحلاماً فيه لا يُمكنكَ حتّى الوقوف فيه. ستشعر بطبيعة الحال بالندم أنّك هنا. تماماً.
ما يوصلُني إلى مفهومي الشخصيّ من الوجود.
ربّما أنّ فكرة الانتماء إلى المكان هي التي تُساعدُ على الشعور بأنني هنا، بأنّني موجودٌ حقاً.
وما أصعبَ العيشَ والأكلَ والنومَ والتّنفّسَ حتّى في مكانٍ لا تشعر فيه بذرّة انتماءٍ.
لم أشعُر يوماً أنّي أنتمي إلى المكان الذي أنا فيه، فهل تتوقّع منّي إذاً أنّ أشعرَ بأملٍ من الوجود؟
في الحقيقة، إنّه إذا كان هناك من وقتٍ على كوكبنا للسؤال عن الحاجة إلى الإحساس بالغاية الحقيقية، فسيكونُ الآن هو ذلك الوقت. ولكن وسط الضغوط المتعدّدة لطبقات العالم الحديث ولفكرة العولمة، كيف يمكنك تقشير الطبقات واكتشاف سبب وجودك ضمنها، وما يفترض بك حقاً فعله. يقول المؤلف الأميركي جوزيف كامبل: «نصيحتي وقاعدتي الدائمة لطلابي هي «اتبعوا نعمكم» ابحثوا عن مكانها ولا تخشوا اتباعها». في المقابل، وبرأيي طبعاً، أنصحُكَ بأنّ تتبع انكسارات قلبك وخيبات أمَلك، اكتشف ما هو الأكثر إزعاجاً في هذا العالم واستخدمه لتحطيم نفسك، وتدمير كلّ ما أُتيتَ به من أثقالٍ ومبادئ ومعتقدات كبّلتك، وربّما عندها حاول أن تكتشف أين يمكنك أن تُحدث فرقاً. أنصحك أيضاً أنّ لا تصدق أنّك ستُحدِث فرقاً، صغيراً على الأقلّ، حاول يا عزيزي على صعيد شخصي فقط لأنه، ومهما كان السبب، لا تسأل عمّا يحتاج إليه هذا العالم البائس، اسأل عما يجعلك تنبض بالحياة فربّما ما يحتاج إليه هذا العالم هو أنت وليس العكس. هذا العالم يحتاجُ إلى الأشخاص الذين جاؤوا أحياء ليحيوا.
بعض الفلاسفة يدحض مفهوم «الوجود»، ويعتبر أن ليس له أي معنى على الإطلاق، وذلك يُفسَّر بتحديد وجود شيء مِن خلال علاقته بأشياء أخرى. ويَستطرِد البعض قائلاً بأن لا معنى لمصطلح «أنا» في حدّ ذاته. ويؤدّي هذا بدوره إلى الاعتقاد بأن «الوجود» و«اللاشيء» مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. فالفلاسفة الوجوديون مثل سارتر، وكذلك الفلاسفة القارّيون (continental philosopher) مثل هيغل وهايدغر كتبوا أيضاً بشكل مكثّف عن مفهوم الوجود. يميّز هيغل بين وجود الأشياء (الوجود في حد ذاته) ووجود الناس (Geist). ومع ذلك، لم يعتقد هيغل أن هناك الكثير من الأمل في تحديد «معنى» الوجود، لأن تجريده من جميع المسندات هو ببساطة لا شيء. وتساءل هايدغر، في سعيه لإعادة طرح السؤال الكوني الأصلي السقراطي، عن كيفية طرح سؤال معنى الوجود، لأنه هو الأكبر، لأنه يشمل كل ما هو، وعلى الأقل، لأنه لا يمكن قول شيء معيّن عنه.
الحديث عن الفلسفة يُشعِر كثيرين بالملل، ولكلّ نظريّة نقيضها.
ربّما الحاجة الحقيقية اليوم لي، وربّما لك، هي أوّلاً الشعور بالانتماء. جِدْ مكانك. كم أود لو أجدُ مكاني. ثانياً، حطّم نفسك، ليس بجلدها أو حتّى بترميمها وإكمال ما جاء قبلها، اهدم بناءك بالأكمل، غيّر معتقداتك، حرّر نفسك مِن قيودك وصلواتك ومِن كلّ مفاهيم لطالما ظننتَ أنّها صحيحة. استمع لآراءٍ جديدةٍ من دون التعليق عليها. حمّل نفسك الآن قراءات غريبةً عنك، وبكامل وعيك. صدّق ما تؤمِن به حقّاً، حتّى لو أنّك لا تؤمِن بشيء، وانطلق الآن لبناء الذات الأبديّة. لأنّه يا صديقي، يقول الرفيق فرانك زابا: «إذا انتهى بك الأمر إلى حياة بائسة مملّة لأنك استمعت إلى والدتك أو والدك أو معلّمك أو كاهنك أو شخص ما على شاشة التلفزيون يخبرك بكيفية القيام بأمورك، فأنت تستحق ذلك».

* لبنان