لدينا طقس غريب حدثتنا عنه المصادر العربية، يدعى «العقيقة» أو «سهم الاعتذار». والخبر المفصل عن هذا الطقس جاءنا من ابن الأعرابي، الذي نقل الجميع عنه في ما يبدو:

«قال أبو العباس ثعلب، رحمه الله: سألت ابن الأعرابي، رحمه الله، عن التعقية، وهو سهم الاعتذار، فقال: ... إن أصل هذا أن يُقتل الرجل من القبيلة فيُطالبُ القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديةٍ مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية. فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي؛ فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجاً دماً فقد نُهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد [أي من دون دم] فقد أُمرنا بأخذها. قال ابن الأعرابي... : فما رجع هذا السهم قط إلا نقيّاً، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهال» (أبو عبيد البكري، التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه).


إذن فطقس سهم الاعتذار يقوم على إطلاق سهم في الجو ثم انتظار سقوطه للتأكد من أنه غير ملوث بالدم، وحينها يجري الصلح بين جماعتي القاتل والقتيل عبر الدية. واسم العقيقة، أو التعقية، آت من الفعل عقى، الذي يعني رمى السهم عالياً نحو السماء: «تَعْقِيَةُ العُقَابِ وغيرِها من الطَّيْر: ارْتِفاعُها. وعَقَّى بالسَّهْم: رَمى به في السَّماء» (الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة). وقد سمّي بسم الاعتذار لأنه يعطي أهل القتيل عذراً، أي سبباً، لقبول الدية.
ورغم وضوح الطقس، فإن جذوره غامضة. فنحن لا ندري بالضبط لم يطلق الطقس نحو السماء. فهل إرساله للسماء طلب من الآلهة كي تحكم في القضية؟ أم أن الأمر يتعلق بردّ رمزي على القاتل؟ نحن لا ندري. لكن أبا علي القالي في الأمالي، الذي عارضه البكري، يميل نحو الرأي الثاني: «عقَّى بسهم إذا رمى به نحو السماء لا يريد به أحداً. وإذا اجتمع الفريقان للقتال بما بدا لأحد الفريقين وأرادوا الصلح، رموا بسهم نحو السماء فعلم الفريق الثاني أنهم يريدون الصلح، فتراسلوا في ذلك. لم يعلم أبو علي - رحمه الله - معنى التعقية ومذهب العرب فيها» (البكري، التنبيه).
وظني أن القالي كان ينقل عن الخليل بن أحمد: «يقال عَقَّى بسهمه تعقيةً إذا رمى به بعدما يستبعد العدوّ» (الخليل بن أحمد، العين). وكل هذا قد يوحي بأن «سهم الاعتذار» يطلق على العدو المفترض كنوع من رد شكلي حتى يمكن أخذ الدية وحل الإشكال. لكن قضية البحث عن الدم على السهم تعارض هذا التفسير. وهي قضية غريبة في الحقيقة. فهل تعني أن السماء حكمت بأنه لم يحصل قتل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبرر أخذ دية القتيل إذن؟ وهكذا، فالأمر غامض.
على كل حال، فقد أشرت مرة في أحد كتبي إلى أن قصة الثلاثين من الفضة التي أخذها يهوذا بعد تسليم المسيح ربما كانت تمثيلاً لهذا الطقس. وهو ما يعني أن يهوذا أخذ دية المسيح، وهو ما يوحي بأنه قريب المسيح. وفي القصة ورد تعبير «اكل دماً». وتعبير أكل كما شبيه بتعبير «أكل الدم» في العربية، وهو تعبير يعني: أخذ الدية. بذا فنقود يهوذا ليست ثمناً لتسليم المسيح بل دية دمه.
على كل حال، وكي لا نتجاوز المساحة الممنوحة لنا هنا، فإن الجديد في الأمر، هو أن لدينا رأس سهم منقوش ربما كان سهماً من سهام طقس التعقية. وقد عثرت على السهم منشوراً على أحد مواقع بيع القطع الأثرية.

وهذا ما كتبه الموقع عن رأس السهم:
«رأس سهم كنعاني قديم. 1400 قبل الميلاد»
بالطبع، لا يمكن الوثوق تماماً بالتاريخ المذكور. يجب دراسة القطعة حتى يمكن توقيتها. وعلى كل حال، فأغلب رؤوس السهام والرماح المنقوشة التي عثر عليها بين فلسطين ولبنان تعود إلى فترة ما بين القرنين 11-12 قبل الميلاد. لكن طريقة الكتابة على رأس السهم هذا تختلف عن القطع الأخرى. والنقش عليه مكون من كلمتين اثنتين. العليا منهما مكتوبة عمودياً. أما السفلى فمكتوبة أفقياً. وفوق النقش هناك ثلاث نقاط أظن أنها تمثل ثلاثة نجوم سماوية. أي أنها ذات طابع فلكي- ديني.
الكلمة الأولى مكونة من حرفين اثنين. الحرف الأول هو حرف الزاي، وهو يتكون من خطين متوازيين. أما الثاني، فيتمثل بخط واحد هو حرف النون. بالتالي، لدينا كلمة «زن» التي هي اسم إشارة في أبجديات شمال الجزيرة العربية. وهي دليل على أن النقش ينتمي لغوياً إلى عالم شبه الجزيرة العربية، حتى لو عُثر عليه في منطقة ما من بلاد الشام. لكن علي أن أشير إلى أن الحرف الثاني باهت، وهو ما يجعل وجوده أمراً غير مؤكد. ولو كان غير موجود، فنحن مع اسم الإشارة «ز» من دون النون. وهو بهذه الصيغة لا يخص شمال الجزيرة العربية وحدها.

الكلمة الثانية، مكونة من أربعة أحرف تبدو كما لو أنها كُتبت على خط مرسوم. لكن هذا ليس مؤكداً. فالمنطقة اليسرى من الخط تبدو عرضية. في حين أنّ المنطقة اليمنى تتكون من قاعدتي الحرف الأول والثاني.
تقول الكلمة حسب قراءتي لـ «عقي».
اللام تتجه إلى اليمين. وفي العادة هي تتجه نحو اتجاه الكتابة. الثانية عين مفتوحة. في الغالب حرف العين يكون مقفلاً. لكن أحياناً يكون مفتوحاً. وهو يكون بنقطة في داخله لكي تمثل حدقة العين. النقطة موجودة لكنها صغيرة. لذا لم أرسمها. الحرف الثاني هو القاف. وهو في العادة دائرة أو معين لهما ساق. وفي العادة يخترق الدائرة أو المعين الدائرة، ويظهر قسم منه في الأعلى. لكن أحياناً يظهر القسم الأعلى من دون أن يمر الخط بالدائرة أو المعين. وهنا لا يمر الخط وسط المعين، لكن الخط يظهر كنتوء في الأعلى. بالطبع، القاف مقلوبة تماماً هنا. أي أن ساقها في الأعلى، ورأسها الأسفل. فوق ذلك فقد حُنيت الساق لليمين لكي تتوافق مع حركة العين.
أما الحرف الأخير فهو الألف. وهو حلقة لها ساق. لكن ليس لديها بروز للأعلى مثل القاف. لكن الفراغ في وسط الحلقة طُمس هنا، فبدت رأس الحرف كأنه دائرة مصمتة.
بناء على ذلك، فالكلمة تقرأ «لعقي» كما قلنا أعلاه. والحال، أن كلمة «عقي» يمكن أن تفهم على أنها اسم شخصي. بذا فالنقش يقول: «زن لعقي»، أي «هذا [السهم] لعقي». وحين بحثت عن الاسم «عقي»، لم أجده في المصادر عن الجاهلية. لكنه ورد مرة واحدة في ما بعد الإسلام.
عليه، فأنا أميل إلى أن النقش على علاقة بطقس التعقية. أي أن النقش يقول: «هذا للعقي»، أي هذا سهم لطقس التعقية. وإن صح هذا، نكون قد حصلنا، ولأول مرة، على دليل ملموس يؤكد وجود طقس التعقية الذي تحدثت عنه المصادر العربية. بناء عليه، يجب أن يكون السهم ملكية لجهة ما كانت تشرف على المصالحات عبر طقس التعقية مثل الكهنة أو ما شابه.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا