1.

كانت الطَّائرة تواصل الهبوط على مهلٍ في المطار، المشعِّ بالأضواء، وكان الصديقان يواصلان حديثهما:
- متى نعود ؟
- أنا، إن أُتيحت لي فرصة مناسبة، لن أعود.
- أنت لن تعود! ماذا جرى في هذه الدنيا!؟
- ألا تعرف ماذا جرى في دنيانا العجيبة!؟ الجراد طغى، يا صاحبي..
- الجراد!؟
- لصوص الفساد الذين بلعوا الأخضر واليابس هم الجراد، إني أراهم جراداً غريباً، شدقُ الواحد منهم واسعٌ معتمٌ مثل بالوعةٍ لا تمتلئ..، وعيناه مثل مواقد مشتعلة ترسل سهاماً من لهب أسود ودخان معتم.. ومخالبه مثل حراب مسنونة..
- كأنك ترسم صورة كائن خرافي!
- ما فعلوه ويفعلونه لم يفعله أبطال الخرافات المأساوية. لم يُبقوا لنا شيئاً.
- يبقى ما لا يستطيعون بلعه..
بدأ الركَّاب بالخروج، فقطعا حديثهما، وخرجا..
هما باحثان كبيران، قدما إلى هذه المدينة تلبيةً لدعوةٍ من إحدى جامعاتها العريقة، للمشاركة في مؤتمر علميٍّ تنظِّمه هذه الجامعة كعادتها في كلِّ عام.

2.

أنوار باهرة، سلالم وممرَّات متحرِّكة، محلَّات ملآى بالبضائع والزبائن..، وهما يخطوان على مهل، ويهمَّان بمواصلة الحديث، لكنهما يستأنفان المشي، وهما يتمتمان كأن كلَّاً منهما يهجس بما يُشغله.
وسرعان ما خرجا إلى باحة واسعة ملآى بالناس: مسافرون، مستقبلون، كثيرون منهم يرفعون لافتات تحمل أسماء، سائقون ينادون..
ما من لافتة تحمل اسميهما بين اللافتات التي رأياها. نبت ثقلٌ في صدره: ماذا لو لم يأت أحد لاستقبالنا كما حدث في المرة الماضية!؟ في تلك المرة ذهبنا إلى فندق قريب، ودفعنا. هذه المرة من أين ندفع، وليس في الجيب ما يكفي أجرة مبيت ليلة واحدة!؟
جلسا على مقعدٍ معدنيٍّ بارد، وإلى جانب كل منهما حقيبته، وراحا يجيلان النظر في كل الاتجاهات.
وفجأة أطلَّت لافتة تحمل اسميهما، صرخا معاً: فُرجت. وقفا. أشارا لحامل اللَّافتة. لم ينتبه. صرخا: أنت.. أنت.
رآهما يشيران إليه. اقترب منهما. حياهما، واستدار مشيراً إليهما أن اتبعاني إلى السيارة. لحقا به، وكلٌّ منهما يجرُّ حقيبته. لسعت وجهه وأذنيه هبَّات برد قارس، فحدَّث نفسه: قالت لي زوجتي: خذ الشال الصوفي معك. الدنيا برد هناك، تلفُّه حول رأسك فتتَّقي البرد.. والمرض الذي يسبِّبه، وشراء الأدوية ومصاريف نحن في غنى عنها و.. قلت لها: هذا الشال عتيقٌ بالٍ لا يناسبني..، قالت، وهي تضع البذلة القديمة في الحقيبة الأكثر قدماً وتضحك: وهذه البذلة التي عاصرت ليلة عرسنا الميمون!؟ قلت: لا بد من بذلة رسمية..
وصلا إلى السيارة.
- طويلة عريضة جديدة فخمة، قال لصاحبه، فقال له صاحبه: عقبال أن تقتني أختها. ضحك، وقال: إن ترك الجراد لها أخوات في بلادنا..
وضع السائق الحقيبتين في صندوق السيارة، وصعدا إليها، وشعرا بالاطمئنان والدفء، وأقلعت السيارة، على مهل في البداية.
3.

مرت دقائق والسيارة تنساب مسرعة في شوارع عريضة مضاءة تحفُّ بها من الجانبين أرصفةٌ يتنقَّل عليها المشاة مسرعين ومتمهِّلين.. وامتدت على الجانبين عمارات تتوهج بالأضواء..
مال نحو صاحبه، وقال:
- الأضواء تتلوَّى وتمتزج كأنها نورٌ ملوَّنٌ يرقص!
قال صاحبه: حلوة هذه الصورة، وهل أحلى من نور يرقص!؟
وأضاف: ليست مثل الصورة تلك..
قال: صورة الجراد لا تفارق عينيَّ.
ثم سأل: قَوْلَك لو في جراد هنا كان النور يرقص هكذا!؟
- لا، كان بلعه الجراد، وجعله ظلاماً في بالوعته.
- حلوة هذه: الكهرباء بالوعة الجراد.
- حلوة.. حلوة، وهذه حلاوة القبح.
4.

توقفت السيارة في وهج نور راقص ملوَّن. المكان واسع. في سفح جبل صغير، تمتدُّ بعده جبال تكبر كلَّما بعد بك النظر. كشافات النور تجعل الأكف ترتفع إلى الأعين لتغطيها.
- كأننا نخرج من عتمة البالوعة، قال لصاحبه.
سأل صاحبه السائق: ماذا يحدث هنا ؟ لم توقفت السيارة؟
لم يجب السائق. نزل من السيارة، بعد أن سمع كلمات حازمة بصوتٍ عالٍ لم يفهمها الصديقان. أجاب السائق إجابة طويلة بلغة المتحدث إليه، وأشار إليهما، وذكر اسميهما. حدَّقا في المكان، رأيا حاجزاً، وقربه غرفة صغيرة، يجلس فيها شاب وراء ستار زجاجي.
طال الحوار، بعد أن فتح الشاب الستار الزجاجي، ولم تُرفع خشبة الحاجز.
وسرعان ما عاد إلى نفسه يحدِّثها: عَهدُنا بالحواجز غير بعيد، مسلحو الحواجز، عندنا، كانوا متنوِّعين، وأحذيتهم كانت ترتفع في وجوهنا، تسمح لنا بالمرور أو تمنع، وأعقاب بنادقهم وفوهاتها أدمت أجسادنا، ويتَّمت ورمَّلت.. هل نحن الآن بين خيارين: الجراد أو الحواجز؟
كان صوته قد ارتفع بالسؤال، فقال صاحبه: يحاولون..، ولن ينجحوا. لم ننس البندقية التي كانت توجه إلى الرؤوس والصدور، والصوت الآمر: انزال ولا..
قال السائق، وكان قد عاد إلى مقعده وراء المقود، وهو يشير بما يفيد لننتظر قليلاً..
رنَّ الهاتف قرب الشاب الجالس في الغرفة الصغيرة. رفع السماعة، أصغى، وقف، أعاد السماعة بهدوء، وارتفعت العارضة، وصعد شابٌّ إلى السيارة، حيا بالعربية، وجلس في المقعد الخلفي إلى جانب أحد الصديقين. انطلقت السيارة، وبدأت تصعد على مهل. قال الشاب: هذه جامعة علمية كبيرة. في مدخلها حرس.. لازم حرس..
واصلت السيارة الصعود ببطء. في الظلام يلمع بياض في الخارج. قال الشابُّ: الثلج بدأ يتساقط.
وسرعان ما وجد نفسه ينشد: يا ثلج قد هيجت أشجاني/ وذكرتني أهلي بلبنان..
يبدو أن صوته كان عالياً، فهتف السائق، وجاراه الشاب: - لبنااان.. لبناااان.. حلو لبنااااان.. حلو.. أهلا وسهلا باللبناااان..
قرَّب صاحبه رأسه منه، وهمس له: لقد اشتقت باكراً! متى نعود؟
فقال بصوت عالٍ: الصوت الذي في داخلي هو الذي نطق.
فقال صاحبه: هذا هو الذي لا يستطيع الجرادُ بَلْعَه مهما اتسع شدقه.

* لبنان