إذا كان التناص، أو التعالق النصي (Intertextuality)‏ اصطلاحاً نقدياً يعني وجود تشابه بين نص وآخر؛ فإنّه هنا يعني وجود تشابه في رؤية تاريخية بين مفكر وآخر برغم تباعدهما الزمني، واختلاف بل تباعد تكوينهما الفكري. ولعل هذا سيأخذنا لاحقاً لإعادة قراءة تاريخ اليمن القديم قراءة ابستمولوجيةٍ معمّقة. لم يكن المستشرق الأميركي صمويل زويمر أوّل من صوّر طبيعة وجغرافيا اليمن في ما يُطلق عليه أدب الرحلات، لكنّه أوّل رحّالة غربي وصف اليمن بـ «سويسرا الجزيرة العربية» في كتابه «جزيرة العرب مهد الإسلام». ورغم أنّ صمويل زويمر كان يدسّ السّم في العسل في كتابه، إذ كان يضع الأسس التاريخية والنفسية ممهّداً لتوطين اليهود اليمنيين في فلسطين، فيجلبهم بصوته الرخيم وهو يقرأ الإصحاح 53 من سفر أشعياء على ضوء الشمعة الخافت، إلّا أنّه كان صاحب قلم مميّز، وظّفه في خدمة مشروعه التبشيري. ولا يخفى الارتباط الوثيق بين التبشير والاحتلال والاستعمار في تلك الحقبة من القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين، فتاريخ التبشير (التنصير) يرجع في أغلبه إلى فشل الحروب الصليبية في تحقيق أهدافها الدينية سابقاً، ليتحوّل التبشير لاحقاً إلى خادم مباشر للقوى الغربية المستعمِرة؛ معتمداً على برامج موجّهة وموحّدة بتخطيط جماعي منظّم.



بيد أنّ وصف زويمر لليمن بـ «سويسرا الجزيرة العربية» أعادني مباشرة إلى رواية «شمس أميرة عربية عاشقة» (دار الأمير) للروائي اللبناني محمد حسين بزي. أدركت أنّ الوادي الأخضر العميق، أو «وادي النعمة»، منخفض الأرض الأشبه بالفراديس الذي كان يقع في منتصف سلسلة من الجبال تسمّى جبال القمر، لم يكن من وحي الخيال في رواية بزي، بل كان حقيقة واقعة، إذ يقول الرحّالة زويمر واصفاً الطريق من «إرب» إلى «يريم»: «يوجد به أروع مناظر يمكن رؤيتها في أي جزء من اليمن.. لم أشاهد صوراً أكثر توازناً من هذه! الجبال والوديان، خضراء مشرقة ومزهرة، «زهرة الكابيوسا- زهرة الجرب»، الخزامى، زهرة أذن الفأر، زهرة عصا الذهب، زهرة شب الليل، وأشجار كبيرة تتدلّى منها أزهار الدفلى. وكان نبات الصبّار في إزهار كامل والتي تقاس بعشرين قدماً مقابل ممرّات الجبل». ويضيف: «كانت كل الأرض مملوءة بالجنان وكل شجيرة كانت من الله».
ويتابع زويمر: «وعلى بعد ألفي قدم من أسفل الجبل، يمكن لك أن تسمع صوت تدفق المياه على طول الطريق، ينحني أو يختفي تحت الجسور التي تمتد عبر الوديان، في حين أنّ نصف الارتفاع كان يخفي قمة عنق الغزال فوق الغيوم.
الارتفاعات والمنحدرات الشديدة للرحلة هي الآن خلفنا، من «يريم» مضياً نحو «صنعاء» الهضاب أكثر استواءً، مساحات واسعة من حقول العدس، والشعير، والقمح، تستبدل بساتين القات والبن، حيث الجِمال ذات الأعناق الطويلة تستخدم للحراثة.. الهضبة أو السهل الواسع الممتد على طول النظر بين «صنعاء» و«بنان»، بمثابة بلد المراعي، البدو يعيشون في القرى المبنية بالحجر، بينما يسرح القطيع بأعداد هائلة في السهل، الجِمال، الأبقار والأغنام كانت ترعى بالمئات والألوف، منحدرات جبلية خصبة ومزروعة من كل جهة، ستذكرك هذه الطبيعة بقرى سويسرا». وما استوقفني أكثر أنّ قلعة «تاريم» أو «يريم» بتعبير زويمر، حيث سكن الملك «مالك» قبل أن يتسلم زمام الحكم في مملكة أوسان، كانت موجودة أيضاً، ولم تكن أسطورة في رواية «شمس». وقد يقصد بها كما يقول زويمر: «القلعة المثلثة المبنية على أدنى نتوء صخري من جبل «نقم»، وتطلّ على المدينة المقسّمة إلى ثلاثة أرباع، جميعها محاطة بجدار متواصل من الحجر والطوب، وكانت على تعاقب الزمان المدينة المناسبة بسبب وجود مباني الحكومة، والأسواق الكبيرة، ومنازل السكان على اختلافهم».
إذاً، اليمن كان سعيداً وفرحه هذا كان مفرطاً حدّ تخمة الحواس، إلّا أنّ الحواس فقدت القدرة على التحرّك والعمل وعاد الناس إلى زمن الملك «يشجب» حيث ينتشر الفقر المدقع بين أبناء الرعية الكادحة.
وبعد مرور ثلاثة آلاف سنة، تَحَزَّب «العرب المستعربون» ضد مملكة أوسان من جديد


أيضاً، يروي ذلك زويمر: «على الرغم من خصوبة التربة غير العادية وصناعات السكان المدهشة، فإنّ الجزء الأكبر من الناس فقراء بشكل مدقع، يعانون سوء التغذية، ملابسهم رثّة، لأنّهم محطمون من قبل نظام الضرائب عديم القلب. كل منتج زراعي يتم تنفيذه ومعالجته تحت وطأة إدارة قمعية واحتلال عسكري لا يعرف أي قانون. الفلاحون يُسرقون من قبل الجنود في طريقهم إلى السوق ومن قبل المراقب الجمركي عند بوابة كل مدينة، بالإضافة إلى ذلك من قبل محصّل للضرائب». هل لأنّ الناس تناسوا وصايا الوزير الحكيم «الصاحب»؟: «إنّ العرب لن يغلبهم غالب، ما داموا يتقلّدون سيوفهم ويحملون رماحهم ويتدرّبون باستمرار على فنون الحرب تليدها وطريفها، شرط أن تكون أسلحة البلاد مصنوعة بأيدي أهلها وليست مستوردة». فها هم «الجنود يحملون بنادق تركية، صناعة أمريكية سبرينغفيلد 1861م، وتستخدم لقمع اليمنيين المسالمين بحسب تقرير رحلة اليمن 1894م- بعثة ميلاماي».
و«ترهاقا» الذي كان غيَّر من هيئة جواسيسه الأحباش وأساليبهم، حيث سرّحوا شعورهم الكثّة، ولبسوا الثياب الفاخرة وتنكّروا بِزيِّ الباحثين والمستكشفين لا يزال يحقد على الضاد الأصيلة.. أمّا «العرب المستعربون»، فيبدو أنهم ذاتهم بعد مرور ثلاثة آلاف سنة! لا يزرعون، لا يعملون، لا ينتجون ولا يحصدون ولا يتقدمون. أعداء أنفسهم وأعداء بلادهم وأعداء أشجارهم وثرواتهم، وأصدقاء لعروشهم ولبطونهم ولفروجهم..!
وبعد مرور ثلاثة آلاف سنة، هل وشت الأسوار بـ «ذات البهاء»، فتَحَزَّب «العرب المستعربون» و«ترهاقا» ضد مملكة أوسان من جديد؟

* كاتبة بحرينية