اخترعت الأبجدية التي يتمثل كلّ صوت فيها بعلامة واحدة، بحرف، في المنطقة العربية، وفي المنطقة بين بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية. ومع أن الفكرة السائدة أنها من اختراع الفينيقيين على الساحل اللبناني، فالدلائل الآركيولوجية المتوفرة حتى الآن تشير إلى أنها نشأت بين سيناء وجنوب فلسطين، وقبل الكتابة الفينيقية بما يقرب من ألف عام. وهاتان المنطقتان جزء متمم للجزيرة العربية في الواقع.

لكنّ هناك قسماً من المركزيين الأوروبيين يميلون إلى نزع هذا الاختراع من يدي منطقتنا وتسليمه لليونان. ومنطقهم أن الأبجدية التامة الحقيقية اختراع يوناني. ذلك أن الأبجدية التي نشأت في منطقتنا لا تكتب حروف العلة الصغيرة، أي التشكيل من فتح وضم وكسر. وهذا يعني أنها لا تكتب الأصوات كلها. أما الأبجدية اليونانية، فكتبتها كلها. بالتالي، فهي الأبجدية الحقيقية.

نموذج من نقوش الأبجدية السامية الأولى في سرابيط الخادم في سيناء. الجملة تقول: (مت لبعلت)، أي تقدمة للبعلة الإلهة

ما لا يتحدث هؤلاء عنه هو: لماذا «رمت» الأبجدية السامية الأولى، أبجدية منطقتنا، الحركات، أي حروف العلة القصيرة؟ ومقصد هذه المادة أن تتحدث عن ذلك.
ولتوضيح هذا الأمر، يجب الذهاب إلى الكتابة المقطعية كما عرفناها في الأكادية العراقية، وكما في كتابة «مقطعية جبيل» التي أعتقد شخصياً أنها تنتمي لشمال الجزيرة العربية. جوهر الكتابة المقطعية يكمن في كتابة حروف العلة القصيرة، أي الحركات. فهي تكتب الحرف مع حركته. وكل حرف مع حركته يسمى مقطعاً. ولكل مقطع محدد علامة كتابية تخصّه. فإذا أردت كتابة العين مع الكسرة في كلمة «عِنب»، أنت ملزم أن تضع لهذه العين المكسورة علامة خاصة بها. وإذا كتبت العين المضمومة في كلمة «عُمر»، فأنت ملزم أن تضع لها علامة ثانية مختلفة. وإن كتبتها مع الفتحة (عَجين) فستكون لها أيضاً علامة مختلفة ثالثة. وكذا الأمر مع السكون. بالتالي، سيكون لصوت العين أربع علامات مختلفة وليس علامة واحدة كما في الأبجدية. بذا ستكون العلامات الكتابية في نظام صوتي مكون من 30 صوتاً حوالى 120 علامة. أمّا في الأبجدية فهناك فقط ثلاثون علامة كحد أقصى.
وكانت الخطوة التي اتخذها مخترعو الأبجدية هي أنهم توقفوا عن كتابة الحركات. رموا الحركات نهائياً. قرروا أن يكتبوا بلا حركات. وعلى من يقرأ أن يقدّر الحركات بنفسه. وكانت هذه هي فكرة الأبجدية. وكانت هذه خطوة ثورية في تاريخ الكتابة، بل أكبر خطوة في تاريخها. إذ صارت الكتابة تعبيراً عن الصوت الصامت، لا عن الصوت مع حركته، أي مع الضم والفتح والكسر. وبهذه الطريقة جرى الانتصار نهائياً على الكتابة المقطعية البابلية، وجرى إزاحتها. كما جرى إزاحة الهيروغليفية المصرية، إضافة إلى التخلص من أنماط الكتابة المقطعية الأخرى مثل مقطعية جبيل. رمي الحركات أدى إلى اختصار العلامات الكتابية إلى الربع. أي صرنا مع 30 علامة فقط، بدل 120 علامة. وهذا ما جعل الكتابة في متناول كل من أراد. لم تعد الكتابة شأناً يخص المحترفين، بل صارت أمراً مفتوحاً لكل الناس.

نقشا وادي الهول من الأبجدية السامية الأولى، وقد عثر عليهما في مصر. لاحظ الطابع التصويري الواضح لبعض الحروف

كتابة الصوت الصامت فقط، أي كتابته بلا حركة، بلا حروف العلة القصيرة، أطاح بالعالم القديم كله بضربة واحدة. لهذا اضطرت الإمبراطورية البابلية ثم الفارسية بعدها إلى استخدام الأبجدية الآرامية في علاقاتها مع العالم. إذن، لم يكن عدم وجود الحركات دليلاً على تياسة الساميين في مقابل فصاحة اليونانيين الذين اخترعوا كتابة الحركات. على العكس، فلولا التخلص من الحركات، لما كان هناك أبجدية يونانية أصلاً، وكنا ما زلنا نعيش في العصر المقطعي أو الهيروغليفي التصويري. بناء على هذه الخطوة الثورية الكبرى، نشأ الإنجاز اليوناني القائم على جعل الحركات حروفاً. فقد كانت مشكلة الأبجدية، هي الخلاص من الحركات، من أجل الحصول على نظام كتابي مختصر، بسيط، رخيص، أنيق. كان العدو هو الحركات، أي هو حروف العلة القصيرة. وكان ينبغي طرده من على أبواب المدينة. وقد طرد حقاً، فظهرت الأبجدية للوجود. كل الأبجديات بنات هذا الطرد، بنات إزاحة الحركات.
وبعدما ثبتت الأبجدية بطرد هذا العد، كان لا بدّ من فتح الباب كي تدخل الحركات من جديد، لكن بعد قرون. وهذا ما فعله اليونانيون: ادخلوا الحركات من جديد. فالعدو القديم، الحركات، لم يعد عدواً خطراً. فقد رسخت الأبجدية ولم تعد تخشاه. وهكذا دخلت الحركات من جديد عبر اليونان. وكانت الأبجدية السامية الأولى مكوّنة من 29 صوتاً. أي أكثر بحرف واحد من حروف العربية الحالية. وقد وضع لكل صوت علامته انطلاقاً من المبدأ الأكروفوني. وتبعاً لهذا المبدأ إذا أردت إيجاد علامة لصوت «ع»، فاعمد إلى كلمة تبدأ بهذا الصوت مثل كلمة «عين»، ثم ارسم صورة العين لكي تصبح رمزاً لهذا الصوت. أي لكي تصبح حرفاً. وهكذا فصورة العين في الكتابة السينائية المبكرة هي تمثيل للصوت (ع)، أي هي الحرف ع. وصورة الرأس البشري تمثيل لصوت «ر»، أي أنها حرف الراء. وقس على ذلك.
لكن الذي حصل أن الفينيقيين اختصروا الأصوات إلى 22 صوتاً، والحروف إلى 22 حرفاً. أي أنهم رموا 7 أصوات من النظام الصوتي السامي السابق. أما أبجديات الجزيرة العربية القديمة، فظلت على النظام القديم. فلدينا في العربية 27 صوتاً. والجدال يدور حول سبب هذا الاختصار، ومتى وقع بالضبط.
من ناحيتي، أفترض أن هذا الاختصار حصل بين الفينيقيين الذي عاشوا في العالم الإيجي اليوناني. وقد كانت لهم مستعمرات في أنحاء هذا العالم كله. ويبدو أن أبناء هؤلاء الذين اختلطوا بالعالم اليوناني تبعوا نظامه الصوتي الذي لم يكن واسعاً مثل النظام الصوتي السامي. فقد كان عدد الأصوات عندهم أقل. وهذا اقتضى منهم الاستغناء عن عدد من الأصوات السامية غير الموجودة هناك. لقد كان لديهم 29 صوتاً، لكن النظام الصوتي للعالم الإيجي كان مكوناً من 22 صوتاً. فجرى التخلي عن الأصوات الزائدة تدريجاً. وهكذا انتهينا إلى 22 حرفاً، بدل 29 حرفاً. فينيقيو اليونان، سواء كانت أمهاتهم يونانيات أو ساميات، هم الذين اختصروا النظام الصوتي السامي، والحروف السامية، كي تتلاءم مع العالم الذي يعيشون فيه. ثم صدّروا هذا من جديد إلى الساحل الفينيقي والشامي عموماً. أي أنهم فرضوا على بلادهم الأم نظام الأصوات الإيجي الذي عاشوا فيه وبه. وهكذا صار العالم الشامي يكتب بـ 22 حرفاً، سواء كانت الكتابة فينيقية أو آرامية، أو كتابة مشتقة منهما، في حين ظل عالم الجزيرة العربية يكتب بثمانية وعشرين صوتاً وحرفاً.

* شاعر فلسطيني