أنظر للرجل الذي أحب في هلع وفمي تخرج منه شرائط ألوان. أشعر بالاختناق أحياناً من تلك الشرائط وأحياناً بالضعف والإحراج وهو يشاهدني. أحياناً تخرج تلك الشرائط من فمي في نومي، ونستيقظ جميعاً نصرخ، وأحياناً أمسك بها وهي تخرج ثم أخبئها تحت وسادتي.

¡¡¡

إذا قلت إني أريد أن أنطلق. إذا أردت الاستسلام، أن أفرش أجنحتي على الهواء وأحلق...
إذا شعرت بتلك البساطة، بتلك السهولة... هل سأخذل العالم؟
¡¡¡

عشت في حزن وكوابيس بسبب أختي. انتظرتها تنظر إليّ وتمدّ يدها الطيبة لي وتعيد الزمن مثل شريط فيلم وتقف عند ذلك اليوم وتختار أن تحبني. انتظرت طويلاً حتى لم تأتِ وظلت تختار الآخرين مراراً وتكراراً. انتظرت وشاهدتها كثيراً في رأسي تركض إليّ حاملة حب أمي بين ذراعيها وهو ينسكب ثم تحممني به كما كانت تفعل وأنا رضيعة.

ادوارد مونخ ـــ «انفصال» (زيت على قماش ــ 1896)


¡¡¡

الوحدة هي صديقي الأبدي. أما الخوف فهو الصديق البديل الذي ألجأ إليه عندما أريد الخروج للعالم. الخوف هو الصديق الصارخ وأول انطباع عني. الوحدة من صنعي. أنا وحيدة منذ طفولتي.
¡¡¡

تغيرت بعد الألم. تراجع نمو جسدي وحواسي أصبحت تختبر كلّ شيء للمرة الأولى، كالطفلة أصبح كل شيء مخيفاً، مثيراً نوعاً ما، ومؤلماً في المقام الأول. أتذكر اليوم الذي انفصلت فيه عن الرجل الذي أحببته سبعة أعوام وكأنني جنين يخرج من رحم أمه ليأخذ جرعة مفرطة من الخبرة. عندما استيقظت، كان أول نفس مؤلماً ومخيفاً، لم أفهم ماذا يحدث وأين أنا ولم أتذكر أين كنت قبل التقاط هذا النفس، فبكيت.
¡¡¡

أتذكر في طفولتي بعد فترات المرض كنت أستيقظ يوماً وأنا أشعر بطاقتي ترجع وتضخّ في كل جسدي، كأن شيئاً لم يكن. كنت أذهب إلى أمي بحبّ لأخبرها أني شفيت. كم تمنيت أن أشعر بتلك الطاقة ترجع لي بعد انفصالي عن الرجل الذي أحببت. بعد رحيله، لم أستطع الصبر على مهاتفة أمي أو الاستيقاظ في غرفة نومي منذ الطفولة لأخبرها أنني شفيت وأن قلبي تعافى. أين ذلك اليوم الذي يصبح كل ذلك فيه ماضياً، كأن شيئاً لم يكن. كأننا لم نلتقِ، لم أمسك بيده، لم أنتظره، لم أستيقظ لأخطط المستقبل، لم أحبه. أين كان القدر عندما التقينا، لماذا لم يدفعني لأنظر في الاتجاه الآخر؟
¡¡¡

لطالما جذبتني فكرة الألوان. كيف نرى الألوان وكيف نرتبط بها، كيف تتغير مع التجارب وكيف تتسابق مع بعضها في أذهاننا. كنت أعشق اللون الأحمر في طفولتي، الآن أكرهه، أعتقد أنه رخيص... اللون الأبيض هو لون الحب، ليس الأحمر. خزانتي ممتلئة بالثياب السوداء بالرغم من تجنّبي كلّ ما يدعو الموت إلى بيتي.
¡¡¡

يصرخ الأطفال ليعرف العالم أنهم نجوا في الليل ليروا الصباح مرة أخرى. كم أردت أن أسمع هذا الصياح معك ونحن راكضون لنطمئن من يرتجفون لنا صارخين للاحتواء. أردت ضم تلك الكائنات الهزيلة والتشبث بها معك. نوع آخر من الحياة كاد أن ينقذنا، لكننا دوماً اخترنا الألم.
¡¡¡

عندما صحوت في الليل، تمنيت أن يطول النهار لأراه وهو يأخذ الكآبة من صدري. وعندما صحوت خلال النهار، أردت أن يأتي الليل لأنام وتنتهي الشمس من تعذيبي.
¡¡¡

سأغفو يوماً في شارع ممتلئ بالضجة. لن أخاف. لن يدهس المارة أصابعي هذه المرة. سأستلقي على هاوية الرصيف وظهري مسترخٍ محركة ذراعي في اتجاهات متوازية لأطفو.

* مصر