هناك شبَهٌ بين ترتيب الكتب على رفوف المكتبة، وترتيب الخسارات والهزائم في الحياة. الترتيب أسلوب تنظيمي، تصنيفي، كي نسهّل على أنفسنا الوصول إلى الكتاب الذي نريده. لا يجب أن نقضي وقتاً ونحن ننظر إلى العناوين المتربّعة على العمود الفقري للكتاب، حيث شدّت إليه الصفحات عبر خيوط أو صموغ. نمدّ يدنا ونلتقط الكتاب كطعنة خاطفة في الظهر من صديق قديم. يتهاوى الكتاب سريعاً كراية انفضّ عنها الجنود، ومن ثمّ نبدأ بالقراءة.

الخسارات والهزائم حاضرة في حياتنا على ذات الشاكلة، لكنّ الفرق يكمن في أنّها من تبادر لسحبنا من مكتبة الآن، إلى الماضي لتقرأ فينا حيواتها، التي تطفّلت على خضرتنا، التي كانت يوماً قادرة على التسبب بعمى الألوان من ازدهارها.
والآن نُقرأ وصدرنا مفتوح أمام أعين الخسارات والهزائم. تقلّبنا ببطء وتستلذ بكلّ حرفٍ منّا. مع الوقت، تصبح عودتنا إلى المكتبة انتقائية، اختيارية. قليلة هي الكتب، التي نعود إليها. لكن ماذا نفعل مع الخسارات والهزائم؟
لربما علينا أن نصنع متاهة، نغري الخسارات أن تلجها والهزائم أن تقيم فيها، هكذا نصعّب من وصولها إلينا، ونقلّل من تمدّدنا أمامها على طاولة المشرحة، كأنّنا جثة تهوى الهزائم والخسارات أن تبحث فينا عن موت غير طبيعي.
العلاقة مع الحياة كقراءة الكتب، فلا يمكن العودة إلى كتاب أو الاستمرار في قراءته، ما لم يكن قادراً على صناعة تلك المتاهة التي تحمينا من هجمات الهزائم والخسارات.
ارمِ الكتب التي لا تصنع متاهتك، سواءٌ كانت وطناً، عائلة، حبّاً، ديناً. وعد للكتب التي تصنع متاهتك التي أنت سيدها، أو اكتُبْها.

* صافيتا