في مئويته الأولى، يحضر طيف جبرا إبراهيم جبرا (1920- 1994) كأحد العلامات الفارقة في الثقافة العربية. مثقف موسوعي وطليعي ونخبوي أثرى المكتبة العربية بعناوين نوعية.

(جبرا في السبعينيات)

على الأرجح، فإن قرّاء اليوم على مسافة من أرشيفه الضخم في الرواية والنقد والترجمة. عاش صاحب «صيادون في شارعٍ ضيّق» مصائر متعددة في رحلة مكابدات رافقته منذ طفولته في بيت لحم ثم في القدس، قبل أن تصفعه نكبة فلسطين 1948بجرحٍ عميق ظلّ مفتوحاً إلى آخر حياته، ما اضطره إلى مغادرة فلسطين متسلّحاً بثقافة رفيعة هي حصيلة دراسته في «جامعة كامبريدج» البريطانية، ثم «جامعة هارفارد» الأميركية، لينتهي به المطاف في بغداد الخمسينيات. هناك التقى رائد الحداثة التشكيلية العراقية جواد سليم ليؤسّسا «جماعة الفن الحديث»، مساهماً في صناعة الحداثة العراقية في أزهى حقبها، كما سيشهد على سنوات احتضارها بصمت. كتب جبرا روايته الأولى «صراخ في ليل طويل» بالإنكليزية (1955) أولاً، قبل نسختها العربية، وهي مزيج من السرد الذاتي وأوجاع المنفى وتشظّي الهوية. أسئلة وإشارات وهموم، سترافقه في جميع أعماله الروائية اللاحقة مثل «السفينة»، و«البحث عن وليد مسعود»، و«يوميات سراب عفّان»، و«عالم بلا خرائط» التي كتبها بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف. تضيء سيرته الذاتية «البئر الأولى» جوانب من طفولته وصباه في فلسطين، فيما خصّص «شارع الأميرات» لجوانب من سيرته الصاخبة في العراق كزمن مُشتهى، أطاحته سنوات القمع والاستبداد العسكري. كيمياء من خلائط إبداعية ستتسرب على دفعات في نسيج نصوصه السردية التي تحتشد برغائب الفلسطيني المنفي من جهة، وخيبات المثقف العربي المهزوم من جهةٍ ثانية، على خلفية شعرية مُثقلة بالأوجاع والتيه والحيرة. على الضفة الأخرى، سيحضر الرسّام والشاعر والمترجم. أهدانا جبرا ترجمة مرهفة لرواية وليم فوكنر «الصخب والعنف» التي تركت دمغة واضحة على تجارب الروائيين العرب في ستينيات القرن المنصرم، بالإضافة إلى مسرحية صموئيل بيكيت «في انتظار غودو»، وبالطبع ترجمة أعمال شكسبير. سوف نستعيد اليوم روايته «السفينة» ليس بوصفها سيرةً للتيه الفلسطيني وحسب إنما للتيه العربي، فيما ستفترش «البحث عن وليد مسعود» مساحةً أكبر في تأثيث معنى الهزيمة والخسارات. «يخيّل إليّ أن الكاتب اليوم في رصده شخصيات رواياته، إنما يؤكّد على خطاياهم أكثر مما يؤكد على فضائلهم». لطالما كانت الكتابة بالنسبة إلى صاحب «تأملات في بنيان مرمري» حالة نشوة وألم، ومنطقة اكتشاف، نظراً إلى اتّساع رقعة تجوالها في الأمكنة والشخصيات، ونبش عوالم مجهولة في الأرواح والمصائر، مستخدماً ضمير المتكلّم في اعترافاته الروائية. أمر أوقع النقّاد في خطأ إحالة أفعال بعض الشخصيات إلى صاحب النص، لا إلى الراوي، وتجاهل ما هو تخييلي لمصلحة السيرة الذاتية. تعالوا نبحث عن «وليد مسعود» مرّة أخرى، ونرقب تيه «وديع عساف» في سفينته المبحرة إلى شواطئ الاغتراب، ونرقب القذيفة التي أطاحت مكتبة جبرا في بغداد لتغلق المشهد على الكارثة!