1- الأجنبي

كنت أنتظر كل ليلة مروره في الزقاق تحت نافذتنا، ذلك الشاب الغريب الذي يشير لونه إلى كونه بالأصل من بلاد بعيدة. لم أكن أنتظر قدومه لأني أعجبت به، كما ظنّ والدي لأول وهلة (قال لي ملاطفاً «يا لكِ من فتاة رومانسية» وفهمت إلى ماذا يرمي) وإنما بسبب أدائه الموسيقي المشوِّق. كان يردد أغنية بعينها أثناء مروره في الزقاق، أغنية بلحن حزين، يؤديها بصوت حزين. وأحياناً كان يصفر لحناً بمهارة رائعة.
بسبب مشيته المتثاقلة وملامح الإرهاق على وجهه، خمنت أنه يأتي من عمل مسائي. لم يكن الشاب يخلو من وسامة، وجهه أليف بشكل ما. كنت أحس نحوه بمزيج من الفضول والإشفاق.

تاليا شتريت ــــ «يد» (طباعة الجيلاتين الفضي ـــ 2012)

منذ أن أخبرت والدي بأمر الشاب الأجنبي، صرنا ننتظر معاً مجيئه، فقد كان والدي على معرفة بواحدة أو اثنتين من لغات القسم الجنوبي من العالم، ورغب بأن يختبر معرفته هذه. ومن حسن الحظ، تعرف والدي إلى لغة الشاب. كان الأجنبي يدخل الزقاق ويبدأ نشاطه الموسيقي، ثم يضيع بعد دقائق في تفرع الأزقة ولا نعود نسمعه. وأثناء ذلك، كان والدي يترجم لي جملة أو أكثر قليلاً من الأغنية ويفشل في ترجمة المزيد قائلاً إن الشاب يتكلم بلهجة محلية ما، لا باللغة الأم التي تعلم والدي أطرافاً منها.
لكن هذا المساء دخل الشاب زقاقنا صامتاً. من مشيته استقرأنا مقدار حزنه وسأمه. كان غير بعيد عن نافذتنا حين شاهدناه يتوقف فجأة، ويرفع بصره إلى السماء، ويقول عبارة واحدة، يقولها بحزن وتوسل لا يوصفان.. ثم يواصل، صامتاً، سيره قبل أن يغيب عن أنظارنا. التفت إلى والدي الواقف إلى جانبي وسألته: ما تراه قال هذا الأجنبي؟
أخذ والدي نفساً عميقاً، وبدا مهموماً وهو يجيبني:
- لقد قال بالحرف: «إلى متى يا إلهي؟»
2-
لقطة بعيدة: بعيداً عن المدينة، في البراري المتاخمة، تلال من النفايات.
اقتراب: على أحد هذه التلال، وقف كلب متسخ، رث، بعينين قذرتين، حمراوين ورمّاشتين من أثر السهر.. ما الذي تفعله هنا؟ ها أنت ترنو إلى المدينة: المدينة بعيدة. وأنت هنا، في المزبلة.
ما الذي يمكن أن تنتظره وأنت في هذه البقعة؟ ما الذي تتوقع؟ لاحِظْ أنك وحيد هنا.
لقطة قريبة: وجه الكلب.
لقطة قريبة جداً: عينا الكلب. (لحظات)
تحرّكْ! ماذا تنتظر؟
3-
رجل يعبر الشارع فتصدمه سيارة، ويموت على الفور.
يحيط به الناس. يقلّبونه. يتصلون بسيارة الإسعاف. تقع عيني على مفكرته ملقاة على الأرض إلى جانبه. ألتقطها. أتصفحها: «الخميس: توقيع العقد. الجمعة: لا تنس شراء هدية لـ «س». الاثنين: إعادة الكتاب إلى المكتبة العامة. الأربعاء: موعد انطلاق القطار الساعة السادسة والربع مساء»
- لن يفعل أي شيء من ذلك.
أقول بصوت مسموع. أنظر إليه: كان قد تجاوز الصدمة، واستراح إلى موته. قبل أن أنهض مغادراً، أخرج محفظتي وألقيها إلى جواره، وأدس محفظته في جيبي.

4 - حوار صحفي
جلس الصحفي على الكرسي الوحيد مقابل المكتب الذي احتله الجنرال، وابتدأ بالقول:
- شكراً يا سيادة الجنرال على تفضلكم باستقبالنا هنا في مقر القيادة. لدينا إن سمحتم سؤال عن...
قاطعته استدارة الجنرال صوب النافذة التي خلف المكتب، إلى جوار الكرسي تماماً، والتي تطلّ على حديقة المقر، حيث كانت مجموعة من جنود الحراسة تقوم بالتدريب الصباحي. ثم عاد إلى الصحفي مبتسماً وهو يقول:
- تفضل، ماذا أردت أن تسأل؟
- لقد أردت أن أسأل عن الوضع في البلاد الآن بعد شهر من الانقلاب الذي قمتم به، وكيف...
قاطعه صوت رجالي خشن آت من عند الجنود المتدربين في الحديقة، صائحاً بكلمة آمرة، تبعه صوت ضرب الجنود ببساطيلهم على الأرض ضربات موحدة، فاستدار الجنرال بسرعة وألقى نظرة من النافذة مرة أخرى، سرعان ما اختصرها عائداً إلى مُحاوره وهو يقول بما يشبه الاعتذار:
- المسألة هي إنني لا أحس بالاطمئنان إلا عندما أتملّى بعينيّ سرية الحراسة لأرى كم هم قريبون مني. كنت أنا الذي أمرت بأن يكون تدريبهم هنا خلف مكتبي. لكن لنعد الآن إلى سؤالك.
تنحنح الصحفي وهو يحاول أن يتذكر السؤال. كان صوت خطو الجنود يقترب، فرفع غريزياً رأسه نحو النافذة، وهنا التقت عيناه مباشرة بعيني أحد الجنود الذين كانوا يتقدمون، بخطى ثقيلة وإيقاع موحد صارم، صوب النافذة. توقع الصحفي أن يستدير الجنرال مرة أخرى ليستمتع بالمشهد، لكنه هذه المرة تجاهل صوت الجنود وتوجه إلى الصحفي بالقول:
- لقد وعدتك بأن أمنحك وقتاً، وها أنا جاهز كلياً للاستماع إلى أسئلتك.
انقطع الإيقاع الثابت للجنود، وبدا كما لو أنهم يؤدون أحد التدريبات التفصيلية، فقد اختفى عدد منهم فجأة فيما وقف الباقون مواجهين النافذة، متّخذين وضع التهيؤ لإطلاق النار. عاد الصحفي يقول:
- أشكركم يا سيادة الرئيس. وسؤالي هو: كيف ترون الوضع في البلاد الآن؟
لكن صرخة هائلة مرعبة هزت الصالة أطلقها جندي انقذف مرة واحدة من النافذة إلى الصالة حاملاً رشاشاً، أعقبه جندي آخر وآخر بصرخات مماثلة سرعان ما اختلطت بصوت إطلاق النار من رشاشاتهم المصوبة نحو الجنرال. رشّات رصاص متصلة خضّت الجنرال خضات مجنونة وملأت جسده ببقع دموية لا حصر لها.
ثم توقف كل ذلك...
توقف الجنود عن الإطلاق وعن الصراخ. مرت لحظات من الصمت كان فيها الجنرال هامداً على كرسيه وقد تشوهت ملامح وجهه بالثقوب والدماء. في تلك الأثناء، لم يكن الصحفي متأكداً مما إذا كان حياً تماماً أو أنه في حالة احتضار. تفحص نفسه، فلم يجد أية إصابة. غير أنه أحس بيد صلبة تمسك به من كتفه، وسمع صاحبها يسأله:
- لكن من تكون أنت؟

5- رجل تائه وطفل ميت
قدمان لا ينتظرهما أحد تدخلان الزقاق على عجل.
الرجل يستدل على المكان بالعبق. والذاكرة لا تعينه وحسب وإنما هي البركان الذي يقف الآن في حلقه.
بعوضة الحدائق استقبلته بالهُزْء بأنفه. وبيت من البيوت في زقاق من الأزقة.. بيت شبيه؟ أم لعله ذات البيت؟ الرجل الذي لا ينتظره أحد، يطرق الباب. هذه المرة، بعوضتان معاً تهزآن بأنفه.
نافذة مضاءة في الغرفة العليا، تطل منها امرأة بيتية الثياب بيتية الشعر. تتفحصه من عليائها ثم تقول: تفضل، هل من خدمة؟
ولأنه عرفها، ولأنه في رمشة عين تراءى له حساب خساراته كلها، فقد قال بحذر:
- أما عرفتِني؟ لقد مضت سنون طويلة.
لم يبدُ راضياً عن استقبالها لكلماته. رفع رأسه إليها من جديد. أتاح لها أن تشبع فضولها بهذه النظرة لترى ما تغير فيه. ولسبب ما، خيل إليه أنها تحمل في ذراعها طفلاً.. وأخيراً حسم أمره:
- جئت أسأل عن.. عن الطفل.
-... أي طفل؟
طنّت البعوضة قرب أذنه بإلحاح، فحرك يديه مراراً لطردها، ثم عاد يقول:
- لا بدّ أنه كبير الآن، لا أتخيل ملامحه كيف أصبحت.
ونظر في عينيها مباشرة، مضيفاً بنبرة حاسمة:
- لقد جئت من أجله.
المرأة جامدة. ملامحها محايدة وهي تتلقى إلحاح نظرته. عاد هو يقول:
- أين هو؟ أين الطفل؟
أغضت قليلاً. ثم قالت بصوت خفيض متحاشية النظر إليه:
- إنه غير موجود.
- ماذا؟! ماذا تعنين؟
- .. غير موجود.
(عَمَّ يُسائل القادم من غبرة الليل؟ من همس له بأن الأزقة القديمة أرواح سرمدية؟)
عاد الرجل يسأل:
- لكن أين ذهب؟
- لا أدري!
- متى ذهب؟
- لا أدري.
- كيف...
- لا أدري. لا أدري.
- وماذا يعني هذا بحق الرب؟ هل مات؟ ضاع؟ تبخر؟
هي الآن تصوب إليه نظرة تعرّف عليها جيداً. إنها النظرة نفسها التي صوبتها إليه في لقائهما الأخير. نفس النظرة الأخيرة... (أيبحث عن نفسه من ضيع الآخر؟ أيبحث عن الآخر من ضيع نفسه؟)
بدت في الثواني التالية وكأنها تستجمع قواها. ثم خاطبته بجراءة:
- ضيعت من عمرك هذه السنين لتعود بنفس الكلمات ونفس التفكير ونفس النفْس..
هو الذي جمد هذه المرة، وهو الذي سكت.
- جئتني بعد هذا العمر لتسأل عن الطفل.. الطفل مرة أخرى؟
نفس النظرة. نفس النبرة.
- ألا تتعلم شيئاً أبداً؟ ما جدوى أسفارك وغيباتك إن لم تنسِك ذاك الطفل؟ لقد اختفى الطفل وانتهى الأمر. لا أتذكر متى اكتشفت ذلك وكيف، فجأة أم شيئاً فشيئاً. المهم أنني ازدردت الشوك ونسيت. نسيت ولن تذكّرني أنت ولا أي شيء.
نفس الصدمة. نفس الخديعة.
_ لا أمل فيك أيها الرجل! عد من حيث أتيت. خذ غيبة أخرى، وأقصد غربة أخرى، فذلك أصوب ما يمكن أن تفعل.
نفس الضياع. نفس الـ...
ظهر الآن إلى جوار المرأة رجل بدين بعض الشيء بفانيلّا وسروال صيفي منزلي. كان يعلك اللبان. وقع نظره على الآخر المصلوب تحت النافذة. وبابتسامة سطحية تكاد لا تفارق وجهه العادي سأل المرأة: ماذا هنالك يا عزيزتي؟
فيما كانت المرأة تتنفس بعمق وتستعيد وضعها، راح البدين ينقل بصره آلياً بينها والرجل الآخر دون أن يبدو عليه أنه جاد في اهتمامه بمعرفة «ماذا هنالك». جاوبته المرأة قائلة:
- لا شيء يذكر يا عزيزي، رجل تائه يسأل عن طفل ميت.
(شبق راعف يسأل عن ربيع الذاكرة. ذاك ما كنت، وذاك ما ستكون أبداً).
هكذا أمسى البيت واحداً من البيوت الراحلة. بعدما قطع منتصف الزقاق توقف واستدار صوب البيت: كانت النافذة العليا خالية إلا من الضوء. بعوضة الحدائق ودعته بهزء لا يطاق.
قدمان لا يودعهما أحد، تغادران الزقاق على عجل.

* كاتب عراقي (استوكهولم)