لدينا نقش أموي محير على ختم رصاصي من فلسطين. فقد وردت فيه جملة قُرئت على أنها تقول «سخرة فلسطين». نشر الختم المختص بالعملات القديمة الباحث توفيق إبراهيم في إطار ورقة خصصها له بعنوان: «فلسطين الأموية: ختم رصاصي لعمل السخرة» Umayayad Palestine: a lead seal of statute labor. النقش غير موقت، ومكون من أربعة أسطر. وقد قرأ الباحث السطران الأول والثاني من النقش هكذا: «سخرة فلسطين». وهي قراءة تبدو لي معقولة. أما السطر الثالث فقد قرأه هكذا: (؟ [لـ] ــلسد ) إضافة إلى ما يشبه حرف راء، أو ربما ألف منعزلة في آخره. أما السطر الأخير فقد بدا له غير واضح، ورسمه هكذا (؟؟ ما لله).

النقش وتفريغ توفيق إبراهيم لحروفه

وانطلاقاً من هذه القراءة غير المكتملة، وبناء على رسم الباحث، وعلى التدقيق في الصورة، يمكن للمرء أن يرى أن السطر الثالث يقول هكذا: «لـسد». أما الحرف المنعزل بعد الكلمة، فيبدو لي أنه حرف الراء.
أما السطر الرابع، فأنا أقرؤه هكذا «ضامة». وإذا أضفنا إلى هذا حرف الراء المنعزل فسنكون مع «رضامة».
بذا فالنقش كله يقول: «سخرة فلسطين لسد رضامة».
إذا صحّت هذه القراءة، فلدينا سد يدعى «سد رضامة». ويبدو أنه جرت تسمية هذا السد بطريقة بنائه. ذلك أن الرضامة هي البناء أو الإنشاء عن طريق رضم الحجارة: «وفي حديث أبي الطُّفَيْل: لما أَرادت قريش بناء البيت بالخَشَب وكان البِناء الأوّلُ رَضْماً. ويقال: رَضَمَ عليه الصَّخْرَ يَرْضِم، بالكسر، رَضْماً، ورَضَمَ فلان بَيْتَه بالحجارة... ورَضَمَ الحجارةَ رَضْماً: جعل بعضها على بعض. وكلُّ بناء بُني بصَخْر رَضِيمٌ. ورَضَدْت المَتاع فارْتَضَد ورَضَمْته فارْتَضَمَ إذا نَضَدتَه» (لسان العرب). يضيف الفيروز آبادي: «الرَّضيمُ والمَرْضُومُ: البِناءُ بالصَّخْرِ» (القاموس المحيط).
لكن هناك احتمال أن الكلمة في السطر الثالث تُقرأ «للسد». وإن صح هذا، فإن علينا أن نقرأ ما بعدها على أنه «الرضامة». أي أن الحرف المنعزل في آخر السطر الثالث ألف لا راء. وهذا يقتضي وجود حرفي «لر» في بداية السطر الرابع، لكنهما طُمسا. بذا فالنقش تبعاًَ لذلك يقول: «سخرة فلسطين للسد الرضامة»، أي للسد المرضوم رضماً، حيث الرضامة مرادف للسد.
ما يشين هذه القراءة أنها تترك فراغاً ما في بداية السطر الثالث، وهو فراغ يصعب تفسيره.

السخرة
يظلّ علينا، إذن، أن نفهم معنى كلمة «سخرة» في النقش. أما الباحث، وبعد تقليب للأمر على وجوهه، فقد توصل إلى أن الكلمة تتعلق، في غالب الأمر، بعمل السخرة، أي بالعمل الإجباري غير المدفوع الأجر، الذي كانت تفرضه الإدارة الأموية في فلسطين وفي غيرها عند لحظات محددة، كما افترض الباحث. بذا فهو يفترض أن الختم ربما يكون عملة رمزية تدفع للجهات التي تنظم عمل السخرة، تُستبدل لاحقاً بعملة حقيقية. أي أن العملة الرصاصية إقرار بما يتوجّب على السلطات للجهة المحدّدة.
من ناحيتي، فإنني أظن أن كلمة «سخرة» في النقش، إذا صحت قراءتها، يجب أخذها بمعنى مختلف عما فهمه الباحث. فلا يتعلق الأمر هنا بعمل غير مدفوع الأجر، وإنما بالتسخير، أي التخصيص والتوفير. جاء في القرآن: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين» (الزخرف 13). كما جاء أيضاً: «وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار» (إبراهيم 32-33). وكما نرى، فلا تصلح فكرة العمل غير المدفوع الأجر لكلمة «سخر» في هذه الآيات. لهذا فقد افترض المفسرون أن التسخير هنا هو التذليل. لكنني أرى أنه هنا بمعنى التخصيص والتوفير، أي خصكم بالشمس والقمر ووفرهما لكم. ونحن نقول في تعبيراتنا هذه الأيام مثلاً: «وسخر لها الأموال اللازمة».
التعامل مع النقوش القديمة ليس سهلاً دائماً. فغياب التنقيط، وتحوّل معاني المصطلحات، يجعل هذه النقوش ألغازاً حقيقية


وإذا كان هذا الفهم صحيحاً، فلا بدّ أن النقش يتحدث عن هيئة محدّدة تُدعى «سخرة فلسطين»، تقوم على إدارة أموال خُصصت لتنفيذ مشروع «سد رضامة» في ما يبدو. عليه، فالأصل هو يتعلق بـ«الأموال المسخرة»، لكنه صار اسماً للهيئة التي تدير هذه الأموال. وقد كان شائعاً عند القيام بمشروع كبير تخصيص خراج منطقة محددة لفترة محددة من أجل إنجاز المشروع. إذ يقال مثلاً إن خراج مصر لمدة سبع سنوات خُصص، أي سُخر، لبناء قبة الصخرة. ومع أن سبع سنوات قد تكون مبالغة، لكن فكرة تسخير خراج منطقة ما لفترة محددة من أجل إنشاء مشروع معروفة ومؤكدة.
بناء عليه، فالنقش يقول ما معناه: «هيئة الأمول المسخرة لسد رضامة»، أي لبناء سد رضامة. ونحن لا نعرف أين كان يقع هذا السد. لكن يبدو أنه كان سداً كبيراً.

احتمال آخر لقراءة الكلمة الأولى
لكن هناك احتمال لا يمكن استبعاده حتى لو كان ضعيفاً، وهو أن نقرأ الكلمة الأولى في النقش «سجرة» بالجيم لا «سخرة» بالحاء. والسجر هو الملء بالماء. وهذا يتوافق مع فكرة السد:
«سجره يسجره سجراً وسجوراً وسَّره: ملأَه. وسجرت النهَرَ: ملأْتُه... وكان علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقول: المسجور بالنار أَي مملوء. قال: والمسجور في كلام العرب المملوء. وقد سَكَرْت الإِناء وسَجَرْته إِذا ملأْته؛ قال لبيد: مَسْجُورةً مُتَجاوراً قُلاَّمُها وقال في قوله: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛ أَفضى بعضها إِلى بعض فصارت بحراً واحداً... وسُجِرَت الثِّماد سَجْراً: مُلِئت من المطر وكذلك الماءُ سُجْرَة، والجمع سُجَر، ومنه البحر المسجور.
والساجر: الموضع الذي يمرّ به السيل فيملؤه، على النسب، أَو يكون فاعلاً في معنى مفعول، والساجر: السيل الذي يملأ كل شيء... ويقال: وَرَدْنا ماءً ساجِراً إذا ملأَ السيْلُ. والساجر: الموضع الذي يأْتي عليه السيل فيملؤه» (لسان العرب).
وإذا صح هذا الاحتمال، فقد كانت هناك جهة أو هيئة تسمى «سجرة فلسطين لسد رضامة» أو «سجرة فلسطين للسد الرضامة». لكننا كنا قد أشرنا إلى فراغ في بداية السطر الثالث، لم نستطع تعليل وجوده. وبناء على هذا القراءة، قد يكون هذا الفراع ربما كان مشغولاً بكلمة «لملء»، لكنها طمست وظلت بقايا ضئيلة منها. إذا صح هذا، فالنقش يقول «سجرة فلسطين لملء سد رضامة». وبناء على هذه القراءة، يكون السد قد أقيم من قبل. لكن الهيئة شُكلت لملئه. وعملية الملء هذه تقتضي عمل الكثير. صحيح أن السد يجب أن يكون قد أقيم في مجرى وادٍ تأتيه السيول، لكن سرعة الملء تقتضي تحويل أودية وسيول شتوية ومسايل ماء إليه. وهذا يقتضي أعمال حفر كبيرة لتحويل مسار هذه المسايل والسيول إلى الوادي الذي بُني على السد.
بذا فنحن في ما يبدو أمام «سخرة فلسطين لملء سد رضامة»، أو مع «سجرة فلسطين لملء سد رضامة».
وقد كان ينبغي الدفع لمن سيحفرون ولمن يديرونهم. وقد كان بعض هذا الدفع بالعملات الرصاصية. أما الجهات التي تنظم الحفر وتديره، فربما كانت قد حصلت ما يحق لها بالعملة الفضية أو الذهبية. بذا تكون القطعة التي بين أيدينا من ضمن اجور العمال. والفكرة من كل هذا أن التعامل مع النقوش القديمة ليس سهلاً دائماً. فغياب التنقيط، وتحوّل معاني المصطلحات، يجعل هذه النقوش ألغازاً حقيقية بين يديك.
* شاعر فلسطيني