حظيت ملحمة «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي أليغيري (1265- 1321) باهتمام المترجمين العرب باكراً، بوصفها النسخة الموازية لتحفة أبي العلاء المعرّي «رسالة الغفران». بصرف النظر عن التقاطعات بين النصيّن الإيطالي والعربي، لجهة التخييل والماورائيات، فإن جحيم دانتي كان أحد الوشوم الأساسية في فجر عصر النهضة الأوروبية من دون توقّف، نظراً إلى ثراء هذا النصّ المتفرد في اشتباكه بين ما هو دنيوي وروحاني في آنٍ. رحلة الكائن البشري في عذاباته والتأرجح ما بين العشق والطهرانية، وبرزخ الألم والأمل، متطلعاً إلى الفردوس. صعوبة هذا النصّ المكتوب بالعامية، وضع المترجمين أمام امتحان عسير في القبض على عبارة صحيحة ودقيقة. هناك من اكتفى بنسخة ملخّصة للملحمة، كما فعل سامي خشبة مثلاً، وآخر اكتفى بجزء من هذه الثلاثية (الجحيم/ المطهر/ الفردوس)، فيما غامر المترجم المصري حسن عثمان بإنجاز ترجمة رائدة للكتاب، في خمسينيات القرن المنصرم، استغرقت منه نحو عقد ونصف، متكئاً على معرفته اللغة الإيطالية واطلاعه على أسرارها البلاغية.


ساندرو بوتيتشيللي (1445 ــ 1510) ــ «الكوميديا الإلهية» (حوالى 1480)

وسوف تستقبل لغة الضاد أكثر من ترجمة لاحقة للكوميديا الإلهية، بنجاحات متفاوتة. ترجمها كاظم جهاد عن اللغة الفرنسية (اليونسكو/ 2002) بمقدمة وافية تنطوي على جهد معرفي واضح في تفكيك ألغازها. ثمّ أنجز حنا عبود نسخة أخرى عن الإنكليزية (دار ورد/ 2017). وها هي «منشورات المتوسط» في ميلانو، تتهيأ لترميم وإعادة إنتاج ترجمة حسن عثمان بإشراف ورشة من المختصين في اللغة الإيطالية، وهم: رامي يونس (أمارجي)، وأماني فوزي حبشي، وإيدّ ازيليو غراندي، وعز الدين عناية، وكاصد محمد، وماريانا ماسا، ووائل فاروق، ضمن مشروع يحتفي بالذكرى الـ 700 لميلاد دانتي مطلع العام المقبل. وحسب البيان الذي أصدرته الدار، فإن هذا المشروع لا يأتي «احتفاء بدانتي وبالكوميديا الإلهية فحسب، بل أيضاً، بهذا المترجم الاستثناء، ليس عربياً فقط وإنما عالمياً. ولعلّنا ننجح في تحقيق آماله التي زرعها في نهاية ترجمته للكوميديا الإلهية حين قال: وبعدُ، فإني أؤمل أن يأتي من بعد مَنْ يدرس، ويرتحل، ويصبر، ويستوعب، ويتأمل، ويستلهم، ويمسك باليراع لكي يعبّر عن دانتي في صورة أوفى وأجمل». من المتوقّع أن يبصر العمل النور في عام 2023 مواكباً الذكرى الخمسين لوفاة المترجم حسن عثمان كتحية لجهوده الاستثنائية في عبور هذا النصّ إلى الضفة الأخرى للمتوسط. جحيم دانتي ليس حقلاً شعرياً مغلقاً، وإنما بستان خيال مدّ جذور أشجاره إلى فنونٍ أخرى مثل السينما، والفن التشكيلي، والموسيقى والأدب، في تجليات مختلفة وإشعاعات فكرية لم تنطفئ إلى اليوم. ألم يقل ت.س. إليوت يوماً: «دانتي وشكسبير اقتسما العالم بينهما، ولا ثالث لهما»؟