في الفرق بين العمارة المثالية ومجرد الإنشاء، كتب لو كوربوزييه «أنت توظف الحجر والخشب والخرسانة، وبهذه المواد تبني بيوتاً وأماكن، هذا إنشاء.. براعة في العمل. لكن فجأة تلمس قلبي، تجعلني سعيداً فأقول هذه هي العمارة». نقرأ هذا الاقتباس في مذكرات المصمم الإيطالي إيتوري سوتساس (1917-2007)، فنبتلع الطعم ونخمن أنّ الكتاب يدور حول شؤون العمارة، لكننا نتعثّر في الصفحة التالية باعتراف مكتوب بخط اليد: «من الغريب أنه في السابعة والخمسين، يمكنك أن تقع في الحب مثل الأحمق. أنه يمكنك أن تحلم بأروع الأشياء، أن تعاني كما لم تعانِ من قبل، أن ترغب بقتل نفسك، وأن يكون لك قضيب ساخن ومتورم. وأن تشعر بأنك تموت من أجل شفتين وعينين وذراعين نحيلتين وإيماءات سرية تُرسم في الهواء، تشبه الطيور».

في التصميم كما في الهندسة المعمارية، أنجز إيتوري سوتساس فرجة بصريةً تتجاوز الكثير من المفردات التي ألفناها في أعمال جيله من المصممين ليفرض نفسه كأحد أبرز الوجوه في النصف الثاني من القرن العشرين. مضى في مسارات اختبارية عدة كالرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي والسيراميك وتصميم الأثاث والمجوهرات ورفض المسلمات التي قامت عليها اتجاهات ونظريات مرحلة الحداثة وما اتّسمت به من نزعة استهلاكية تعتبر التصميم مجرد أداة لتلبية الحاجات المادية النفعية. وفي عصر كان يتم فيه نسخ الأفكار وتكرارها في جميع أنحاء العالم بشكل «فيروسي»، قدّم سوتساس تصاميم ذات أبعاد شكلية وجمالية مخالفة ومثيرة، جمع فيها عناصر ومرجعيات غير متجانسة، استوحاها في الغالب من التراث والثقافة الشعبية وحركة البوب آرت مثل الآلة الكاتبة valentine.
جميعنا رأينا تلك الإعلانات التي تصوّر بريجيت باردو وريتشارد بيرتون وإليزابيث تايلور وهم يحملون الآلة الكاتبة الحمراء الصغيرة كحقيبة يد أثناء رحلاتهم، ما جعلها إكسسواراً مرغوباً وبياناً للرفاهية.

تصاميم لمجموعة ممفيس: مكتبة كارلتون 1981

مهّد سوتساس لمرحلة جدلية في مجال التصميم والعمارة. اتّجه نحو تحطيم وهدم المألوف في تصميم الأثاث وتفكيك الكل المترابط وإعادة تشكيله مرة أخرى بصورة جديدة منحت المصمم حرية التعبير والتشكيل للأشياء الاستخدامية. هو الأب الروحي وعرّاب حركة «ممفيس» الشهيرة التي وحّدت جيلاً كاملاً من المعماريين في الثمانينيات وقدّمت أول مجموعة لها في معرض الأثاث السنوي في ميلانو لتقوّض النظريات حول ماهية التصميم وأهدافه. قالت عنها صحيفة «نيويورك تايمز» آنذاك إنها «مجموعة عاطفية ومغرية لا يمكن إنكارها، كانت تروّع البعض وتسعد الآخرين ولكنها تضع الجميع الذين يحضرون المعرض في حالة من الإثارة العالية»
الكتاب الذي صدرت ترجمته الفرنسية حديثاً عن دار Herodios بعنوان «كُتِب في الظلام» يدور حول النساء اللواتي صنعن أيام إيتوري سوتساس، عن التجوال العاطفي الحزين للعاشق «بدون أمتعة، بدون شيء». شذرات من خطاب في الإيروتيك يُقرأ كنص واحد ليفاجئنا بلغة حسية مختزَلة وجمل دينامية متقطعة تترك لنا أن نكمل الفراغات. جمل تُخاتل، توحي وتقترح، تبني وتفكك ذكريات صاحبها الذي يبدو كأنه استخدم الممحاة أكثر مما استخدم القلم.

خطة مارشال
ولد إيتوري سوتساس من أم نمساوية وأب إيطالي في إنسبروك عام 1917. كبر في مدينة تورينو وتخرّج كمهندس معماري من مدرسة الفنون التطبيقية عام 1939 بتشجيع من أب مهندس هو الآخر كان تلميذاً لأوتو فاغنر. في نهاية دراسته، اندلعت الحرب العالمية الثانية واضطر للانضمام إلى صفوف الجيش الإيطالي. نقرأ في مذكراته كيف تم اعتقاله قبل أن يُنقل إلى معسكر عمل في يوغوسلافيا. ولكي يتجاوز تروما الحرب، استغرق في العمل مع والده في مشاريع إعادة الإعمار المختلفة في البلاد، لكن أوهام الحداثة سرعان ما أفسحت المجال للضرورات السياسية والاقتصادية، فقد كان على إيطاليا أن تتعافى من الفجوات الهائلة التي أحدثها الدمار في المدن، وقد جاءت بعد جراح أخرى - أعمق في بعض الأحيان - تسبب بها النظام الفاشي في النسيج الحضري التاريخي. البنية التحتية هي الأخرى كانت قد تضرّرت بشكل خاص، إذ استُهدفت السكك الحديدية والجسور والأرصفة بالغارات الجوّية. لذلك ركّزت المشاريع الجديدة الضخمة على تحديث الممارسات الصناعية وفقاً للنماذج الأميركية عالية الكفاء مستفيدةً من خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا.

آلة كاتبة فالنتاين عام 1969

الإنتاج المتسلسل والمولع بإضفاء «روح» التكرار في العمارة، أثبت جدواه وفعاليته في الرد على احتياجات الناس. وانحصر دور المعماريين في إيجاد طرق مثلى لتنظيم عملية تكرار العناصر الإنشائية بصورة آلية، والعمل على تطويع مهام التقييس Standardization ووسائل الإنتاج الصناعي في قضايا التشكيل المعماري. كما سعوا لتقريب العمارة من خصوصيات عمل الآلة. فقد وجد لو كوربوزييه في الأخيرة مصدراً لعلاقة جديدة بين الشكل (الفورم) ومحتواه الوظيفي، وعبّر عن طروحاته التصميمية تلك ببلاغة عندما ظلّ يؤكد أن «التقنية المعاصرة بإمكانها أن تحمل لنا شاعرية جديدة». الأشكال الهندسية المنتظمة إذن هي اللغة الفنية لعمارة جديدة تتجاوب على نحو كبير مع عصر «تصنيع» وسائل الحياة. وهذه الأبنية المنتظمة والمستقيمة لا ينقصها سوى أناس آليين معقّمين، يعملون بالريموت كونترول ليسكنوها.

أميركا والتصميم الصناعي
عمارة الحداثة المرتبطة بشكل قوي بالنظرية الوظيفية في التصميم، و«فورمات» الأبنية العملاقة أو ما يعرف بـ«الطراز الدولي» أحبطت إيتوري سوتساس الذي اتهمها بالجمود والاعتماد على احتياجات الناس المادية والمادية فقط وتحويل المسألة المعمارية إلى مسألة حسابية بحت. وكان يرى أن على البراغماتية الرأسمالية أن تتداعى لتهيئ لما بعد الحداثة ولقيام مجتمع جديد يرتكز فيه التصميم والعمارة إلى أسس جديدة تماماً، حرّة وغير آلية، تواكب المتغيرات الاجتماعية والثقافية. تخلى سوتساس عن العمارة لصالح تصميم «أشياء معمارية» وتعاون مع وكالة جورج نيلسون في نيويورك، ما مكّنه من الانفتاح على التقنيات الجديدة للتصميم الصناعي والتجريبي. كما انفتح على فن البوب والكيتش الذي يعرض مواضيع أو ثيمات مشحونة بالمشاعر (طفلة تحمل جرواً ودمعة تنحدر على خدّها مثلاً). كان روي ليختنشتاين آنذاك قد قبض بفجاجة على روح الحضارة الأميركية وعقليتها الاستهلاكية المتنامية واستدعى ضمن إطار أعماله أفيشات المشاهير وأوراق المنتجات الغذائية والملصقات الدعائية والإعلامية ولفتته الأبعاد البصرية والاستعارات الحيوية الجديدة التي يخلقها النقل والدمج والتحريف.

تجاوز هيمنة النظرية الوظيفية
بعد عودته إلى إيطاليا عام 1957، انضم سوتساس كمستشار فني إلى «بولترونوفا» وهي شركة إنتاج للأثاث المعاصر، وسمح له هذا التعاون بتطوير أسلوبه الخاص الذي تجاوز فكرة أنّ «شكل المنتج نابع في الأصل من وظيفته»، بل ينبغي أن يلبي الحاجات العاطفية الحسية للإشباع الروحي لدى المستخدم. اعتمد سوتساس في تصميماته على خطوط بسيطة وهندسية لكنه قام بدمج المواد واستحداث خامات وأساليب فنية جديدة. خزانة «السكرتيرة بارباريلا» (1966) على سبيل المثال مصنوعة من خشب الجوز، لكن أدراجها من الألومنيوم المُلوّن. أما سلسلة Mobili Grigi التي قدمها عام 1971، فقد تضمنت أسرّة وأضواء ومكتبات مصنوعة بشكل رئيسي من البلاستيك والألياف الزجاجية، يعكس مظهرها اللامع والمكهرب رموز الثقافة الأميركية الشعبية.

مكتبة كازابلانكا 1981

تداولت المجلات العالمية المتخصصة بالديكور والعمارة خبر ظهورها، وتم اقتناء نماذج منها كمادة دائمة العرض في متاحف فنية عالمية مثل «متحف الفن الحديث» MoMA في نيويورك ومتحف «ترينالي التصميم» في ميلانو وغيرهما من المتاحف العالمية الشهيرة. لكن العمل الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ التصميم هو مرآة Ultrafragola وهي مرآة بيضاء محاطة بكادر يشبه الشعر المُتّموج، تُضاء فتعطي أنابيب النيون المدمجة بداخلها مسحة من اللون الوردي الذي يقترب من لون اللحم، في محاولة لمغازلة وملامسة الجوانب الحسية الانفعالية لدى المستخدم.

آلة كاتبة حمراء للفالنتاين
تأتي أعمال سوتساس من عوالم ذهنية واختبارية مختلفة. ميله البحثي الدائم قاده إلى شركة التكنولوجيا الإيطالية Adriano Olivetti التي عينته كمستشار تصميم، ليبدأ عمله بمشروع تاريخي وهو أول كمبيوتر مركزي كامل الترانزستور Elea 9003. ومنه ذهب لتصميم Valentine، آلة كاتبة حمراء اللون غير مكلفة مصممة للعمل خارج المكتب، حوّلت الآلة القديمة الثابتة إلى قطعة أثرية وجذبت الشباب بنفس الطريقة التي تفعلها منتجات «آبل» اليوم. وكان للإعلانات التي نشرت في كل مكان قبل عيد الحب لعام 1969 دور كبير في ذلك. نرى في أحدها امرأة تجلس إلى الآلة الكاتبة بشكل مغر في ثوب أنيق من الستينيات، في حين ينظر رئيسها أو زميلها في العمل إلى كتفها بلوعة. وفي إعلان آخر، فتاة تلبس البيكيني وهي تنقر على الآلة الحمراء الرقيقة قبالة البحر. ولا شكّ في أن تصميم سوتساس قد اقترب من المثالية، فقد اختار استخدام الأحرف الكبيرة فقط وألغى الجرس وهي فكرة غريبة وراديكالية، ولكنها ستخفض من تكاليف الإنتاج والهندسة بما يكفي لجعل عيد الحب في متناول اليد. كان سوتساس يحلم بما يشبه مبادرة «كمبيوتر محمول لكل طفل» إذا صحّ القول، ويريد أن تكون كلفة الآلة الكاتبة في متناول الجميع، لكن رئيسه أوليفيتي لم يسمح بهذا الأمر لأن شركته الإيطالية لن تُصنّع «شيئاً صينياً رخيصاً». جاء ردّ سوتساس في رسالة: «لقد عملت ستين عاماً من حياتي، ويبدو أن الشيء الوحيد الذي أنجزته حقاً هو هذه الآلة الحمراء اللعينة. لكنه كان مجرد خطأ. من المفترض أن تكون محمولة غير مكلفة تُباع في السوق مثل أقلام البيك».

الشكل يتبع العاطفة
استوديو Alchemia هو أحد روافد تيارات التصميم المضادة الراديكالية في مرحلة ما بعد الحداثة، أُسّس عام 1976 في مدينة ميلانو بواسطة مجموعة من المصممين والمعماريين الإيطاليين في مقدمتهم المصمم أليساندرو مانديني وأليساندرو جيورجيو، انضم إليهم إيتوري سوتساس وانصب اهتمام الجماعة كما ذُكر في بيانها الافتتاحي على أنشطة التصميم الحرفية والفنية ليس بغرض الإنتاج الصناعي الكمي وتلبية متطلبات مادية نفعية، ولكن بغرض المتعة وإضفاء مسحة جمالية على المنتجات. ترجع تسمية هذه الجماعة إلى سبب رئيس كما يقول أليساندرو مانديني كون «الكيمياء مجال يهتم بعمليات التحويل أو التغيير في طبيعة الأشياء من خلال التفاعلات للحصول على نتائج مغايرة للمادة الأصلية»، وهو ما استهدفته فلسفة التصميم لدى هذه الجماعة التي اعتمدت على التحوير والتغيير وإعادة تشكيل المنتجات والأشياء بالحذف والإضافة، من خلال إعادة التصميم Re-Design لبعض المنتجات بطريقة مختلفة، مشوقة وجذابة للحصول على منتجات مختلفة في هيئتها أو لونها عن الهيئة الأصلية وتقديمها للمستخدم بصورة جديدة تجذب الانتباه.

مجموعة ممفيس
في حين ظلت تجربة ألشيميا سرية، كان هدف «ممفيس» إعطاء صدى دولي للتصميم الإيطالي الجديد. اختار سوتساس الإسم في إحدى الأمسيات وهو يستمع إلى أغنية لبوب ديلان مستحضراً ممفيس العاصمة المصرية القديمة. أحاط نفسه بالعديد من المعماريين والمصممين والفنانين الموهوبين، وأيضاً المصنعين بغرض إصلاح وتطوير الفكر التصميمي من خلال ربطه بالعاطفة والمشاعر وتوظيف الخامات والألوان المتنوعة في المنتج الواحد. لم تكن ممفيس حركة تصميم عفوية ولم تنشأ بطريقة عشوائية كما يمكن أن نتصور، لكنها حركة فنية قامت على فكرة أن التصميم الناجح أو بالأحرى المنتج الجيد هو ذلك الذي يحقق التوازن والتكامل بين الجانبين الوظيفي والعاطفي.

مصباح تايتي 1981

نلاحظ أن نماذج بعض التصميمات التي قدمتها المجموعة يتشابه مع ما قدمه أستوديو الكيميا من حيث الأشكال والخطوط والألوان وحتى توظيف العناصر الهندسية البسيطة والمفردات التراثية. لكن الاختلاف هو استخدام خامات متعددة مثل الألمنيوم والزجاج والحديد والبلاستيك وألوان مبهجة ومتضادة. تميز المظهر الخارجي لمنتجات جماعة ممفيس بصفة عامة بأنها عبارة عن توليفات أو كولاج من وحدات وعناصر وخامات متنوعة ومتنافرة ومزينة بألوان مرحة تشد العين.. وأثبتت أنه لا يمكن للهيئة أو الشكل الخارجي للعمل الفني أن يتحدد فقط من خلال وظيفته.

العودة إلى العمارة
مثلت اتجاهات التصميم في تيار ما بعد الحداثة سواء في العمارة أو تصميم المنتجات بصفة عامة ما يمكن أن نسميه هروباً من التقشف الاقتصادي والجمود للمجتمعات الغربية إلى الإبهاج والتزيين، ومن التجديد إلى الاستنباط من الثقافة والحضارة والتراث، ومن العقلانية المادية البراغماتية النفعية إلى اللهو والمرح والهزل، في محاولة لملامسة الجوانب العاطفية والروحانية للإنسان.
لكن سوتساس كان يعي افتقار حركات التصميم المضادة هذه إلى الفكر التسويقي والإنتاج الكمّي، ما أدى إلى انهيارها وتفككها. بالرغم من أن جماعة «ممفيس» قدمت العديد من التصميمات التي اقتنتها المتاحف العالمية في لندن وباريس ونيويورك وبرلين، وقدمت فرصة كبيرة لمصمميها لاكتشاف هويتهم الفنية في ظل ثقافة جديدة، إلا أنها لم تكن ناجحة على المستوى الاقتصادي، ما أدى إلى تعثرها وعجز أعضائها عن الوفاء بالتزاماتهم وانصرافهم إلى مجالات تصميم أكثر ربحية. في عام 1985، غادر سوتساس «ممفيس» ليكرس نفسه لوكالة الرسوم والتصميم التي أسسها قبل أربع سنوات Sottsass Associati . ركز على مفهوم التصميم الصناعي وتعاون مع كل من آبل وفيليبس وسيمانس وكاسينا وفيات وزانوتا ثم عاد أخيراً إلى العمارة، وقام ببناء سلسلة من المساكن الخاصة مثل Wolf House في الولايات المتحدة (1987-1989) أو Cei House في فلورنسا (1989-1992) أو Yuko House في طوكيو (1992)، وابتدأ أشغالاً ضخمة لتطوير مطار مالبينسا في ميلانو امتدت من عام 1994 إلى 1998.

الكتاب المحرَّم
لكتاب «كُتِب في الظلام» المقسّم إلى نصوص قصيرة بالإجمال، أكثر من مدخل. لم يرتّب إيتوري سوتساس النصوص كرونولوجياً، وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن هذا التشتيت للحكايات الصغيرة يأتي متماهياً مع ذاكرة مشتتة يحاول أن يستعيدها وملاحظات متوترة عن الحب والجنس والغيرة والضجر ورتابة العلاقات وزيجات أصبحت ذكرى بعضها نائية جداً. يقول: «أن أكون عاشقاً لا أعرف حقاً ما يعنيه ذلك، ربما حين تتجمد قطع الوقت الصغيرة كلها دفعة واحدة؟ حين أكون مفتوناً ومأخوذاً ومخدّراً أو حين أشعر أنني لستُ على ما يرام لأن اليقين سُرق مني وأصبح في حوزة الآخر، وعليّ الآن أن أنغمس في هذا الكائن الآخر لأستعيده كي لا أموت».
شذرات من خطاب في الإيروتيك يُقرأ كنص واحد ليفاجئنا بلغة حسية مختزَلة وجمل دينامية متقطعة


بأسلوب نثري، مقتضب وغير بعيد في الوقت نفسه عن سلطة الجملة الشعرية، يحكي سوتساس عن زواجه من فرناندا بيفانو وهي مترجمة معروفة لكتاب «الثقافة المضادة الأميركية»، تّعرف بفضلها إلى الوسط البراق للبوب آرت المشبع بوسائل الإعلام والإنتاجات الضخمة. بعدها ربطته علاقة مع كليد التي كرس لها الفصل الأول من الكتاب: «في أحد الأيام أمام باب الاستوديو، ظهرت فتاة ليست جميلة جداً. ضئيلة البنية. وجهها جاف كأنه قادم من عصور ما قبل التاريخ وشعرها أسود صلب. كانت تبتسم. جلست أمامي وظلت مبتسمة من دون أن تقول شيئاً. لقد شعرت بالحرج، تحدثت إليها وقالت لي بضع كلمات. لم تكن تجيد الإيطالية. كانت إسبانية أو كاتالونية للدقة، ابتسمت. عيناها كانتا بسيطتين ومظلمتين، لكنهما كانتا عينين قديمتين جداً. في لمح البصر.. وقعتُ في حبها». كليد كانت تبلغ ثلاثة وعشرين عاماً آنذاك، جاءت من برشلونة لتعلم التصميم. لم تكن تجيد الرسم ولا أي شيء آخر، لكنها استولت عليه بالكامل وجعلته يجوب الشوارع ويلاحقها بجنون: «لماذا؟ لماذا عليّ أن أعاني؟ ألستِ معي؟ ألسنا معاً؟». وحين «ذوت العلاقة في السرير» وملّ من لعب دور المتأذِّي الُمهمَل، تعرّف سوتساس إلى باربرا راديس المحررة والمترجمة وملهمته التي تصغره بثلاثين عاماً والتي سيتزوجها بعد طلاقه ويشاركها النصف الثاني من حياته. التقاها في البندقية و«كانت تجلس على حافة النافذة. كتفاها مستقيمان ويداها بيضاوان طويلتان كلغز، وأصبحتُ ملعوناً، ضائعاً ومحطّماً مثل خصلة شَعر تذروها الريح وقلت في نفسي يجب أن يعيش كل منا داخل الآخر». وبعد رحلة إلى الهند حفرت هويته الخاصة ووصفها بأنها «لوّنت كل ما يقول وما يفعل»، رافقته باربرا إلى اليابان التي افتتن بأجوائها الإيروتيكية المنعكسة على السلوكيات والأشياء، كالطعام والأقمشة وأواني الزهور وكتب الفوتوغرافيا التي تُقرأ بالأصابع والعينين. أثرى أبجديته البصرية بالأعمال السريالية السائلة والشعرية إلى حد ما للمصمم شيرو كوراماتا الذي لم تتوقف جرأته عند مزج عناصر غير متجانسة كالزجاج والأكريليك والألمنيوم، بل صمّم كرسيا كاملاً من الزجاج. وأعجب أيضاً بأعمال الفوتوغرافي كيشين شينوياما ووصف الفساتين التي يصممها إساي مياكي بأنها «نوع من الهايكو عن الأنوثة اليابانية». وتماماً كما يُقرأ الهايكو، نقرأ سطور إيتوري سوتساس الخاطفة عن اليابان: «على فنجان الشاي رُسمَت أجنحة تنّين من الزمرد وفي الإناء فرع زهرة حمراء مربوطة بقماش من الكريب». كان يدرك بوضوح أنه هشّ ومعرَّض لكلّ سهم وأن الحياة قصيرة قِصراً مُرعباً، ومع ذلك حقق فيها رغباته كلها.