على مشارف الظهيرة تقريباً، كان دوي الطلقات يصل إلينا على فترات متقطّعة، رائحة الغاز المسيل للدموع تلامس أنوفنا، وتنفذ إلى الصدور.

كان الكلام يدور حول استمرار المظاهرات لليوم التالي، بسبب الارتفاع المفاجئ لأسعار بعض السلع الغذائية
ــ من أين يأتي هذا الدخان القاتل؟
ــ من وسط البلد، الوضع شائك جداً.
هدير الأصوات يتردّد في الأفق، ويتعذر تجاهله.
تفاجئنا مجموعة من البشر، تأتي مهرولة، قاطعة علينا الثرثرات المطولة، إنهم يلتقطون أنفاسهم بصعوبة، كأن هناك أشباحاً تطاردهم.
ــ ماذا هناك؟
ــ الشرطة تلاحقنا، أسرعت وراءنا وقبضت على البعض منا.
حالة من الغموض والترقب تبدو أكثر تجلّياً في هذه اللحظات، تهديدات قوية تحذّر من الاشتراك في هذه الانتفاضة، كنا محصّنين داخل مأوى هلامي أمام هذه الأوامر الصارمة. لم أكن أتصور الوقوف ضد النظام، ضد الأثر السحري للرئيس شخصيّاً والتظاهر ضده، كنت أعتقد أنه الوحيد الذي بيده مقاليد كلّ شيء وأن الهتافات القاسية لا تكون سوى في اتجاه الإنجليز والأميركان والإسرائيليين، كما علمتنا الصحف والأفلام القديمة. ألغاز الحياة السياسية كانت بمنأى عن ذهني، لم أكن أعرف ما يدور فوق الأرض، أو ما يختفي تحتها من الأنشطة السرية، كانت الأعماق السحيقة لهذه التركيبة المعقدة نائية في عالم آخر، لم أكن متماهياً معه، ربما إدراك مبهم، بلا محصلة حقيقية تهدي إلى ملاحقة التعاقب الذي أوصلني إلى هذه اللحظة. مع الحكايات التي بدأت تتواتر، شعرت أن هناك صراعات دائرة، ودفقات من التمرد تحدث في الشوارع القريبة. إنها أحداث شائقة على بعد خطوات مني، كيف لا أنطلق إليها؟! لا قيمة للاكتفاء بالسماع فقط، لا قيمة لحدث بمثل هذه الخطورة إن لم أعاينه، كان الحماس يقتلني، تحذيرات أبي منذ الأمس ترنّ في أذني، لكن إلحاحات بارقة بدأت في العمل، وتدفعني إلى المشاركة. شيء ما، داخلي، يحتاج إلى الاشتباك مع هذا النوع من الإثارة السياسية ولا يمكن اختزاله فقط في الفضول والمغامرة.

نرمين همام ــ من سلسلة «تجلّي» (2012)

تسللت عبر الشوارع الجانبية، متفادياً اختراق الشوارع الكبرى، حتى أستطيع الوصول إلى أيّ تمركز، حتى وصلت إلى شارع الجمهورية. هناك وجدت التاريخ، واللحظات الاستثنائية، وجدت الثنائية الشهيرة، متظاهرين وعسكراً، الحجر في مواجهة الهراوات وقنابل الغاز والطلقات بأنواعها. كانت قوات الأمن تتجمّع بميدان رمسيس، ونحن في منتصف الشارع أمام مستشفى صيدناوي، الجماهير تأتي من ورائنا، من ميداني الأوبرا والعتبة والشوارع الجانبية. يودّون اقتحام الميدان الذي يحجبه الجنود بأعدادهم الغفيرة. كنت أستغلّ رشاقتي، وخفّة الحركة في التقدم إلى الأمام، قاذفاً الحجارة بقوة، وراكلاً قنابل الغاز لإعادتها مرة أخرى في الاتجاه المعاكس.
كنت سعيداً وأنا أمارس هذه اللعبة، صائحاً ضد النظام بالشعارات التي كانت تخرج مصكوكة بدقة. غالباً ما تكون الصيحة الأولى صادرة عن شخص جهوري الصوت، محمولاً فوق كتفي شاب متين، إنه يردّد بضع كلمات، مقفاة وموزونة، مصاغة بحِرفِيَّة بالغة، عندما تستقر في الوجدان، وتحفظها الجموع، يختفي على الفور، مبتعداً عن الأنظار، ذائباً في الزحام، كما يفعل هؤلاء الذين لمحتهم يقومون بتصويرنا بكاميرات مغطاة بالجرائد، مردّدين معنا العبارات نفسها، قبل أن ينسحبوا محملين بالصور، في طريقهم إلى الأمن، أو الصحافة، أو الأجهزة الخارجية.
بين كرّ وفر، ومطاردات عنيفة، كان الصراع يدور لاهثاً، إصابات على الجانبين، وثوار غاضبون يصبون لعناتهم على كل شيء.
في أوقات الهدنة والهدوء، التي كانت تلوح قليلاً، ثمة نقاشات صاخبة، وأفكار يسارية مبطنة، تدور على أرضية ماركس وتروتسكي، لكنها تمرر بنعومة وحرفية، بنيَّة إلقاء الضوء على أزمة الحكم. كانوا محرّضين دهاة، يجيدون التحاور بكلمات جد مفهومة، والوجود بين الناس على هيئة مواطنين عاديين، يعلمون أن هناك طاقة حبيسة في الصدور، لكنها بحاجة إلى التوجيه في هذه اللحظات العصيبة.
الوقت يمرّ بطيئاً، مشحوناً بالخوف والتوتر، وومضات الأمل. الإشاعات تتوالى، تقابلها إشاعات مضادة، الكلمات تتناثر كشظايا، والتناقضات تندغم على نحو غريب. عندما شعرنا بالإنهاك، فوجئنا بالسماء تمطر قنابل غاز، والقوات تزحف باتجاهنا، توسع الطريق بالطلقات، كنت في الصفوف الأولى حينها. تحت هذا الضغط المتواصل، بدأت حالة من التقهقر.
الثوار الجسورون، الأفراد الأشد حماسة، الصبية المتهورون، المقهورون الذين نال منهم اليأس، وقليل من المجانين، كل هؤلاء، غالباً ما يكونون في الصفوف الأولى. من الطبيعي إذن، عند الارتداد، أن تكون هذه المقدمة هي آخر من يتسنّى لأفرادها التقهقر، وتكون في الصف الأخير. كنت أحاول الانسحاب أيضاً، نتيجة هذا الهجوم المباغت، لكني، وفي أثناء تغييري للاتجاه، استقبلت حجراً صغيراً، قادماً من الصفوف الخلفية. يبدو أن صاحبه أراد التخلّص منه قبل اختفائه، قاذفاً به باتجاه القوات، لكن الحجر فقد حماسه، وسقط فوق رأسي متخلّياً عن مهمته، فانبثق الدم حارّاً، متدفقاً فوق وجهي في جو يناير البارد، شعرت بالدوار، وحملني البعض إلى أقرب مكان يسهل الاختباء فيه. كانت هناك بناية ضخمة إلى جوار السينما الصيفي، ندلف إليها عبر ممر صغير، داخله مصلى وحنفية ماء للوضوء، وضعت رأسي تحت الماء، حتى توقف النزيف، وأعطاني أحدهم منديلاً قماشياً لوضعه فوق الجرح، وظللت قابعاً في عمق مدخل العمارة الوسيع، حتى تلاشى ضوء النهار، تسللت بعدها إلى الشوارع الجانبية مرة أخرى. كانت الطرقات الرئيسية تغصّ بمركبات الجيش الذي قرر النزول لوقف هذا النزيف، وكان الأمن يكثّف وجود رجاله السريين، ملتقطاً من الدروب أيّ عابر سبيل.

* القاهرة