عديدة هي الروايات التي احتفت بقصص الحب في زمن الحروب، لكن لكلّ قصة زمانها ولكلّ حكاية عُقدتها التي تختلف عن غيرها من النصوص الروائية. لعل أبرز تلك القصص هي التي تنشأ مصادفة مع أحد عناصر العدو، ذلك المحتلّ الغاصب الذي نكره، ولنا في قصة الشاعر محمود درويش وريتا مثالاً، حين قال: «بين ريتا وعيوني بندقية». لكن الروائي الجزائري محمد فتيلينه، كتب قصيدة من نوع آخر. قصيدة بلغة سردية، شكّلت فصولها رواية «رعاة أركاديا» (دار ضمّة ــ الجزائر ــ 2020) التي تروي قصة من نوع آخر: قصة حب في زمن ثورة التحرير الجزائرية بين جزائريين عاديين ومستوطنين أتوا من كلّ مكان، وقد عُرفوا بالأقدام السوداء. وتعني هذه العبارة الأوروبيين، بخاصة الفرنسيين، الذين قدموا إلى الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي وغادروها بعد الاستقلال عام 1962.

من يقرأ رواية فتيلينه «كافي ريش» (دار ضمة ــ 2019)، يلمس هذه التيمة بشكل لافت. وفي روايته الأحدث «رعاة أركاديا»، يواصل الروائي طرق هذا الموضوع الشائك والمُعقّد، في محاولة لمساءلة التاريخ وإنصاف بعض «الأقدام السوداء». علماً أن كل رواية تناولت الموضوع بشكل مختلف ومن زاوية مختلفة. كأنه أراد بعمله هذا أن ينهي تلك اللوحة التي بدأها في «كافي ريش» التي تحدث فيها بشكل واقعي وموضوعي عن علاقة الأقدام السوداء بالجزائر. من خلال «كافي ريش»، طُرح السؤال وقدّمت الإشكالية: ألم تسهم بعض «الأقدام السوداء» في استقلال الجزائر؟ وهل يعتبر كل أجنبي بالضرورة خائناً وعدواً للجزائر؟ ألم يوجد بين أبنائها من خانها وباعها بأبخس الأثمان حين تحالفوا مع الفرنسيين ضدها، وسُمّوا «الحركي»؟


من خلال مشروعه الروائي (خصوصاً «رعاة أركاديا»)، أراد فتيلينه أن ينصفهم ويسائل التاريخ عن إمكانية حصول الأقدام السوداء على حقوقهم كجزائريين. علماً أن بعضهم قدم روحه فداءً للجزائر أمثال المناضل الشيوعي موريس أودان الذي اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية عن مقتله، والطبيب النفساني والفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون، وصولاً إلى إحدى بطلات الرواية ريموند بيشار، أخت أركاديا بيشار التي تُعتبر الشهيدة الجزائرية الأوروبية الوحيدة التي سقطت في ميدان الشرف وكان رفاق النضال يسمّونها «الطاووس» لجمالها وعذوبة صوتها.
تتماهى بعض أفكار النص الروائي لمحمد فتيلينه مع بعض تصريحات فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة (1961/1958) حين طلب من الأقدام السوداء العودة إلى الجزائر قائلاً: «إن الجزائر إرث للجميع، فمنذ أجيال وأنتم تقولون إنكم جزائريون! لا أحد يعارض هكذا ميزة، لكن الجزائر لما أصبحت بلداً لكم، لم تكف أن تكون لنا، افهموا هذا، وتقبلوا أن لا وطن آخر ممكناً لنا». من هنا، يحاول فتيلينه أن يقدم صورة مختلفة عن هؤلاء، ويصور كيف عاشوا في الجزائر، ودوافع رحيلهم عنها مرغمين، عندما جعل الساردة أركاديا تقول وتذكّر الجميع: «ديغول هو من أرغمنا لا الجزائريون على الرحيل دون حقائب».
يعود الروائي إلى الجزائر من خلال بطلة روايته أركاديا بيشار التي عادت إليها سنة 2015، وبالتحديد إلى حاسي بحبح في الجلفة (إحدى الولايات الجزائرية) المدينة التي قال عنها أوجي فرو (بطل الرواية): «بحبح هي مبخرة السحار لا يستشعر بتعويذتها يا أركاديا إلا الممسوس بالسحر».
استرجعت أركاديا ماضيها في الجزائر التي تركتها مرغمة، إذ إنّ «فراق الجزائر كان أقسى علي من فراق الأحبة». تستعيد أركاديا ذكرياتها عن طريق الفلاش باك، وقد وظّف الروائي تقنية «البوليفونية»، فتارة هي من تحكي، وطوراً حبيبها معلم الفرنسية الجزائري الذي أسمته أوجين فرو والذي تصالح هو الآخر مع الاسم كما تصالح مع الكثير من الأمور. أوجين ذلك الجزائري لا انتماء حزبياً يقيده سوى إيمانه بالقضايا الإنسانية العادلة: «على كل من آمن بقضيته أن يدافع عنها بشراسة، أن يجعل نصب عينيه، أن حياته ستكون ثمناً لها، وإلّا فإنه لن يساوي شيئاً». كذلك هناك إيمانه بالحب الذي يتجاوز كل شيء، متمثلاً في قصة عشقه لأركاديا الفرنسية: «علمتني أركاديا كيف أرسم العالم بالريشة لا الكلمات، وهي من جعلت للألوان سحراً خاصاً». في القصة طرف ثالث هو مصطفى لقرع صديق طفولته. مصطفى ينتمي إلى الحزب الشيوعي. ورغم من عدم تقبله لفكرة تعايش الجزائري والأوروبي، إلّا أنه تقبّلَ قصة الحب التي جمعت أوجين وأركاديا واحترمها، لأنها تتجاوز في بعدها الإنساني كل شيء، فالقلب حين يحبّ، لا يعترف بالحدود ولا الديانات ولا حتى بالحروب! فعلى حد تعبير أوجين فرو: «الحب والحرب لا ينتظران أن يطرق السلم بابيهما».
تسليط الضوء على موضوع حساس هو «الأقدام السوداء»


إضافة إلى الصوتين السرديين الرئيسيين، تظهر في الرواية أصواتٌ جزائرية أخرى، متمثلة في زخروفة وعويشة الزاهدتين، فهما كذلك لديهما الكثير لقوله....
كما أن هناك النذير وهنري بودياك اللذين أوجدهما الكاتب ليرصدا تناقضات المجتمع الجزائري بين محبّ للأقدام السوداء وكاره لهم، فهو الذي يقول: «إن الجزائري يصدق الآخر أكثر من تصديقه لجزائري مثله».
من خلال التوليفة هذه والآراء المتباينة، أراد الكاتب أن يُسلط الضوء (الروائي) على موضوع حساس كالأقدام السوداء بشكل مختلف، وبرؤية إنسانية قد لا تكون مطروقة من قبل. قارئ أعمال فتيلينه، سيلاحظ حتماً توجهها نحو نبش التاريخ والبحث عن التعدد والاختلاف، وهذا ما برر للروائي استعمال التعدد الصوتي. من خلال هذه التقنية، يطرح سؤالاً عن التعايش وآخر عن هاجس الهوية، من خلال رؤية الجزائري للأقدام السوداء وحتى رؤية الأقدام السوداء للجزائر.
نلاحظ كذلك أن الأختين بيشار لم تتشاركا القناعات ذاتها، وهذا يبدو متعمّداً من الكاتب، كي يُعطي القارئ الحرية في التعاطي مع الموضوع الشائك.
كما أن اختياره للوحة «رعاة أركاديا» كعنوان وارتباطها بالأسطورة اليونانية، لم يكن محض مصادفة. فالعنوان يحتمل تفسيرين، كلاهما مرتبط بالآخر. التفسير الأول هو أصل التسمية وهو عبارة عن لوحة عالمية للرسام الفرنسي نيكولا بوسان مستوحاة من قصة أسطورية عثر عليها بوسان في قصيدة للشاعر الروماني الشهير فيرجيل.
والمغزى منها أنّ السعادة لحظات ولا شيء دائم في هذه الحياة. وتُحيل هذه الفكرة إلى الحديث النبوي الشريف: «احبب ما شئت، فإنك مفارقه». من هنا يتضح لنا التفسير الثاني اسم أركاديا بيشار بطلة الرواية. رغم قصة حبها الجارفة لأوجين فرو، إلا أنهما افترقا في النهاية، ولم يشفع لهما الحب بدوام سعادتهما إلى الأبد.