كان عند النبي موسى مشكلة في النطق. يظهر هذا في التقليد التوراتي والتقليد الإسلامي. ففي التوراة جاء أن موسى أغلف الشفتين: «فكيف يسمعني فرعون وأنا أغلف الشفتين» (خروج 6: 12). وتتضح هذه الغلفة على أنها مشكلة في النطق والإصاح في الكلام: «لستُ أنا صاحب كلام منذ أمس، ولا أول أمس، ولا من حين كلّمت عبدك» (خروج 4: 10). أما القرآن فيقول لنا إن في فم موسى عقدة: «واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» (القرآن، طه 26). وهذا يعني أن في لسانه حبسة ما، أو قل تأتاة ما، تجعله لا يبين.

وتسمي القواميس العربية عقدة لسان موسى هذه رُتّة: «عن ابن عباس: كان في لسانه [لسان موسى] رتّة» (الزمخشري، الكشاف). ويحدثنا الزبيدي عن هذه الرتة: «الرُّتَّةُ: رَدَّةٌ قبيحةٌ في اللّسان من العَيْب. وقيل: هي العُجْمَةُ في الكلام، والحُكْلَةُ فِي اللِّسانِ. ورجلٌ أَرَتُّ بَيِّنُ الرَّتَتِ، وفي لسانِه رُتَّةٌ. وأَرَتَّهُ اللهُ تعَالى، فرَتَّ، وهو أَرَتُّ: في لسانه عُقْدَةٌ وحُبْسَة، ويَعْجَلُ في كلامه ولا يُطاوِعُه لسانُه» (الزبيدي، تاج العروس).
أما أصل رتة موسى حسب المصادر العربية فكما يلي: «أنه [موسى] كان في حجر فرعون ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة، وأخذ بلحيته فنتفها، فقال فرعون لآسية: هذا عدوي فهات الذباحين. فقالت آسية [زوجة فرعون]: على رسلك فإنه صبي لا يفرق بين الأشياء. ثم أتت بطستين فجعلت في أحدهما جمراً وفي الآخر جوهراً، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها في فيه على لسانه، فكانت تلك الرتة» (تفسير القرطبي). يضيف الجاحظ: «وقدْ زعم ناسٌ من العوامّ أن موسى عليه السلام كان ألثَغ، ولم يقِفوا من الحروف التي كانت تعرِض له على شيء بعينه، فمنهم مَن جعل ذلك خِلقة، ومنهم من زعَم أنَّه إنما اعتراه حين قالت آسيةُ بنتُ مُزاحِمٍ امرأة فرعون لفرعون: لا تَقْتُلْ طفلاً لا يعرف التَّمر من الجمر، فلمَّا دعا له فرعونُ بهما جميعاً، تناول جَمرةً فأهوى بها إلى فِيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه، وأما اللُّثغة في الراء» (الجاحظ، البيان والتبيين).

«موسى» للإيطالي جيوفاني لانفرانكو (زيت على كانفاس ــ 219.7×249.6 سنتم ـــ 1621/1624)

وليست قصة أصل الرتة هي المهمة عندنا، بل الرتة ذاتها. وهذه الرتة تقود إلى الخنزير في ما يبدو. فالخنزير البري يدعى الرتّ في العربية: «الرَّتُّ: شيء يُشْبه الخنزير البَرِّيَّ، وجمعه رُتوتٌ؛ وقيل: هي الخنازير الذكور» (لسان العرب). ولست أظن أن الارتباط بين لثغة اللسان وبين الخنزير مصادفة. إذ يهيأ لي أن المعتقدات القديمة رأت في صوت الخنزير، أي قباعه، رتة ما. فقباعه نخرةٌ من الأنف لا تفصح ولا تبين. بالتالي، فهو أرت وفي لسانه عقدة أيضاً. بل لعلني أقترح أن اسم الرتة أصلاً جاء من صوت الخنزير، وأن الخنزير سمي رتاً من هذه الرتة التي تبدو في صوته، أي في كلامه.
ونحن نعلم أن الخنزير على علاقة بإلهين مركزيين من آلهة المنطقة: أوزيريس وأدونيس. فالخنزير حيوان أوزيريس. لذا، كان يضحَّى في عيد أوزيريس السنوي بخنزير. والإله يضحّي بالحيوان الذي هو على علاقة به، أي بتجسيده. كما أن الخنزير كان حيوان أدونيس في ما يبدو. لكن علاقة أدونيس بالخنزير لا تبين جيداً لأنه يأخذ دور عدو أدونيس في لحظة ما. إذ يقال إنّ خنزيراً هو الذي جرح أدونيس فأدماه وقتله. بذا فتجسيد الإله يتحول إلى عدو له مع الزمن.
ولأن الخنزير- الرت على علاقة بالآلهة، فهو كائن إلهي. من أجل هذا، أعطانا الجذر (رتت) معنى السيادة والشرف: «الرَّتُّ: الرئيسُ من الرجال في الشَّرَف والعطاء، وجمعُه رُتوتٌ؛ وهؤُلاء رُتوتُ البلدِ» (لسان العرب). وهكذا، فالرت هو الخنزير وهو الرئيس معاً.
بناء على كل هذا، يمكن للمرء أن يقترح أن موسى على علاقة بالخنزير مثله مثل أوزيريس وأدونيس. وهذا يعني أن رتة لسانه مثل رتة الخنزير الذي يمثله. فهو يغمغم ولا يبين مثله. كما أنه سيد مثله. أكثر من ذلك، فالنبي موسى يتبدى كإله لا كنبي. وخذ ما تقول التوراة عن موسى وهارون. بعدما اشتكى موسى من غلفة لسانه، أي من رتته، لإلهه، قال له هذا الإله: «أليس هارون اللاوي أخاكَ؟ أنا أعلم أنه هو يتكلّم. وأيضاً ها هو خارج لاستقبالكَ. فحينما يراك يفرح بقلبه. فتُكلّمه، وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمكَ ومع فمه، وأعلمكما ماذا تصنعان. وهو يكلّم الشعب عنكَ. وهو يكون لك فماً وأنت تكون له إلهاً» (الكتاب المقدس، خروج 4: 10-16).
وانظر إلى هذه الجملة المدهشة: «وهو يكون لك فماً وأنت تكون له إلهاً». موسى إله، وهارون هو الناطق باسمه. هو نبيّه الذي يفك عقدة لسانه، أي الذي يتكلم باسمه. إذن، ففي الزمن الأبعد، كان موسى إلهاً، وكان الخنزير حيوانه، ورمزه. ولهذا لا يؤكل لحم الخنزير في الديانة الموسوية، مثلما لا يؤكل في الديانة الأوزيريسية. وهو لا يؤكل ليس لأنه نجس، بل لأنه مقدس. لكن تحريم أكله بدا مع الزمن كما لو أنه نتيجة لنجاسته.
لكن علي أن أقول إن الديانة التوراتية خليط من ديانتين: الموسوية الإسرائيلية، واليهودية. والطبقة السفلى من التوراة إسرائيلية. أما الطبقة العليا، أي المحررة، فيهودية يهوية. وفي الطبقة السفلى كان موسى إلهاً لا نبياً. وكان الخنزير حيوانه، وكانت الرتة في لسانه دليلاً على علاقته بالخنزير.
يمكن القول إن اللثغة علامة النبوة. ولعل هذا يذكر بكلام النبي محمد: «نحن الأنبياء بكاء»


وعلى أي حال، فهناك في ما يبدو إله في شمال الجزيرة العربية يدعى «الرت»: «رتإل: إله ثمودي يرد في الأسماء المركبة مثل رب- رتإل» (محمد ذيب البشابشة، الإله رضو في النقوش الثمودية والصفائية، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، 1994، ص 40). ورتإل تعني: الإله رت. وأغلب الظن أن هذا الإله على علاقة بالخنزير. لكن الأهم أن هيرودتس يخبرنا أن العرب كانوا يعبدون إلهين فقط، لا يعبدون غيرهما، هما: أروتالت وأليلات. وفي بعض النسخ يرد «أروتال». وأغلب الظن أن أروتال يعني: «الرت إل»، أي الإله الرت. أما أليلات فقد فهم أنها اللات. وأنا ضد هذا الفهم على طول الخط. فاللات إله مذكر، في حين يخبرنا هيرودتس أن أليلات إلهة أنثى. وأعتقد أن هذه الإلهة عديل لأليلات البابلية و«ليليث» الأدب التوراتي، زوجة آدم الأولى. بالطبع، سيقول أحدهم رداً على كلام هيرودتس: لكن عند العرب عشرات الآلهة؟ وهذا صحيح. لكنها مجرد أسماء مختلفة للإلهين اللذين ذكرهما هيرودتس.

الحكلة
وهناك عاهة من عاهات اللسان تدعى «الحكلة» أيضاً: «الحَكَلُ، بالتحريك. الحُكْلَةُ بِهاءٍ: العُجْمَةُ في الكلامِ يقال: في لِسانِه حُكْلَةٌ: أي عُجْمَةٌ لا يُبِينُ بها الكلامَ. وحَكَلَ عَلَيَّ الخَبَرُ: أَشْكَلَ وكذلك احْتَكَلَ: إذا الْتَبَسَ واشْتَبَه» (الزبيدي، تاج العروس). يضيف اللسان: «ابن الأَعرابي: في لسانه حُكْلة: أَي عُجْمة لا يُبين الكلام. والحُكْلُ العُجْم من الطيور والبهائم؛ قال رؤبة: لو أنني أعطيت علم الحكل/ علم سليمان كلام النمل» (لسان العرب). وقد فهم من رجز رؤبة أن الحكل هو سليمان. وإذا صح هذا يكون سليمان أيضاً بحلة، أو رتة، في لسان. أو يكون على علاقة بإله له مثل هذه الحكلة. لكن من المحتمل أن الحكل في كلام رؤبة هو موسى ذاته.

طقس فتح الفم
على كل حال، فقد وضحنا أكثر من مرة في مواد سابقة، أن عقده اللسان، الرتة، الحكلة، غلفة الشفتين، تُزال بطقس نعرف عنه من الديانة المصرية يسمى طقس «فتح الفم». وهو طقس يجرى للفرعون الميت. وفيه يفترض أن فم الفرعون – الإله الميت يكون مُقفلاً، ثم يجري فتحه بأداة محدّدة. وهذه الأداة تشبه في شكلها قدّوم النجّار. يقول نص في كتاب الموتى المصري:
«فمي فتحه الإله بتاح
عقدة فمي حلّها إله مدينتي
تحوت جاء مجهّزاً بالمنطوقات
وفكّ عقدة الإله سيث عن فمي
...
فمي أُعيد لي
فمي فتحه بتاح
بإزميل معدني
فتح فم الآلهة».
(Book of the Dead, Chapter 23, 2003).
ويبدو أن من يفتح فم الإله- الفرعون يصبح هو الناطق باسمه. وفي ما بعد صار من يزيل عقد فم- الإله النبي كموسى هو نبي هذا الإله، أو الناطق باسم النبي. لهذا كان هارون ناطقاً باسم موسى. وفي النهاية، يمكن القول إن اللثغة، الرتة، الحكلة، علامة النبوة. ولعل هذا يذكر بكلام النبي محمد: «نحن الأنبياء بكاء»، أي قليلو الكلام.

* شاعر فلسطيني