[إلى محمد الشركي، نفقنا الدائم نحو الجمال والإنسان]

صعدت على عجل من الباب الأمامي لحافلة النقل العمومي، ثم انتبذت مقعداً هو الوحيد الشاغر في الصف الأخير، وسط ناس صامتين، شاحبين، وبالغي الرثاثة والبؤس والحزن مثلما لو أن نوبة ركود أزلي وكآبة طافحة انتابتهم بغتة. بعضهم كان يضع على نحو غير مفهوم قفازات مطاطية ممزقة وكمامات طبية قديمة ومتآكلة، وبعضهم الآخر يحمل علب أدوية معروفة لعلاج بلاء الملاريا والتهاب المفاصل المزمن، وكذا كانوا يشدون ما بين أفخاذهم أجهزة تنفس صغيرة صدئة، يبدو جلياً أنها لا تعمل البتة أو فارغة من الأوكسجين. لكن قبضاتهم وأطرافهم الهزيلة كانت تمسك بها بقوة وإصرار يضاهيان الكنز النفيس الذي تخشى خسارته، بل أحسست أنهم يمكنهم ارتكاب جريمة قتل ببساطة مثل قول السلام عليكم أو شرب جرعة ماء من أجل المحافظة عليها. خاضت الحافلة الخربة العتيقة البطيئة كسلحفاة عرجاء غمار الإسفلت دون انقطاع حتى دون وجود أيّ لافتة اتجاه أو علامة تشوير، شقت عباب صحراء قُدَّتْ من ملح تحلّق فوقها غربان سود متوعرة تهدد بالهجوم، وفتكت بمحطات مجهولة مقفرة من البشر والعربات لا عدّ لها كأنها ماضية إلى مكان ما أبعد من أي مكان، إلى مكان تنعدم فيه الحدود والتخوم والحواف بين العوالم. غير أن محصّل التذاكر لم يبزغ له أثر يذكر، كما أن لا أحد من الركاب أبدى رغبته الصريحة في النزول.


استغربت ملياً الأمر، فكان من المنطقي أن تفتر قدماي عن خطوات سريعة لتردم المسافة العالقة بيني وبين السائق وهذا الاستفسار الساذج:
— من فضلك لو سمحت سيدي، إلى أين تتجه هذه الحافلة؟
رد السائق بلهجة باردة و لامبالية: — إذا سارت الأمور على ما يرام، سنصل إلى كومالا، بعد اثنتي عشرة ساعة بالضبط، ثم أردف قائلاً بنبرة حازمة: — رجاء، ارجع إلى مكانك و تصرف كما يَجْدُرُ بميت!
وما إن عدت إلى كنف موضعي، وصوابي يكاد يطير طيران محرك الحافلة المهتاج الذي أشهر الآن سرعته القصوى، حتى وجدت في مستقر جلوسي كتاباً ضخماً مسفراً بجلد برتقالي اللون، من دون عنوان أو صاحب. فتحته بدهشة محترزة، ثم انبريت في تتبع انسياب السطور والصور والتواريخ والخوارزميات. قرأت عن عبقرية دائرة الأبراج البابلية المسماة بالزُّودْياَكْ، عن إعجاز ألواح ملحمة جِلْجَامِشْ المسمارية، عن الانبعاث الدائم للمصريين الأصلاب عقب السنوات الرزيئة تحت وطأة الفيضان وبعد إلحاق أيام النسيء الخمسة، عن فطنة ڤيتاغورس المكتشف للإيقاع الخفي للحركة الدورية للأرض والكواكب، عن سقوط آلهة جبل الأولمب الجبابرة البغاة، عن تفرق شمل التِّيتَانْ أولاد زِيُّوسْ الممثلين للعنف في الطبيعة، عن أعمال هرقل الجسورة لنيل شرف الخلود، عن عقلانية أفلاطون الذي أحلّ الأرقام مكان الأفكار المجردة لتفسير شكل الكون ووضع القوانين، عن عدالة آلهة الرومان وتشريعاتهم الديمقراطية المحفورة على طاولة دائرية من برونز، عن إنيادة فرجيل وقدرة بطلها إِنْيَاسُسْ على إنهاض أمة وتأسيس وطن جديد بعد سقوط طروادة؛ عن الفضائل التي جلبها إله المانويين بعد أوبته من غيابه في السماء إلى الأرض؛ عن الرب السموح في الهند واقتسامه عملية الخلق مع مساعديه كالرغيف. عن شموس وأمطار الْمَهَاپَّارْتَا التي تذكر الإنسان بضآلة قدره أمام مقصلة الزوال. عن سحر شهر الفراغ والانبجاس في التحقيب الصيني. عن بهجة الساعات الأولى في النهار الأول من حياة آدم عند العبرانيين. عن أعياد ومراسيم التدبير الخلاصي عند المسيحيين. عن عظمة وكرم آباء العرب المستعربة. عن عواميد الْأَزْتِيكْ التي يعود لها الصنيع في استدعاء الشمس يومياً إلى الأرض بمواظبة لا زيغ فيها. عن مفاتيح الألغاز وغرف المعرفة الغنوصية المشيدة في العرش السماوي. عن الصفات المثلى لإنسان المدينة الفاضلة كما وضعها الفارابي. عن دلالات بيوت الفلك وشمائلها عند إخوان الصفا. عن البكاء سخين المآقي لرجل الفضاء كاكارين على كلبته لَايْكَا داخل المركبة سپوتنيك، وعن نبأ العثور خلال الزمن الحديث على أقدم جمجمة لإنسان عاقل على وجه الأرض في جبل إِيْغُودْ بالمغرب تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
وأنا أوشك أن أطبق على جنبي الكتاب الخلاب المختصر لتقويم تواريخ الوضع البشري بأبطاله البواسل أو بسقطاته المنكرة، بمكاشفاته وحدوسه، بوصاياه واستعاداته، رفعت ناظري عبر زجاج نافذة الحافلة، فتطلعت في البعيد، في البعيد المرصود بالعين المجردة إلى مدينة عملاقة مترقرقة بالحياة والأضواء والحشود، يحرس مداخلها الجنود والعسس بالدبابات والآليات العسكرية الثقيلة. وفي ضواحيها رمقت طيوراً وحمائم ونوارس وثعالب وقططاً وكلاباً وضفادع ونموراً وفيلة وزرافات وتماسيح كانت ترفل مغتبطة وترتع طليقة بين الزهور والأقاحي والعشب الأخضر المزهر.
لا أعلم إن كانوا سيسمحون لنا بالنزول وزيارة المدينة الملقبة بكومالا أو حتى الإقامة فيها، لكني أعلم من خلال ما استقيته من مغازي الكتاب المسفر بالجلد البرتقالي، أن البشر الذين يسكنون هنا مبجلون عظام الهمة، وقادرون بعلومهم المستخلصة من دراية الإنسان عبر كل الدهور، على إرجاع نعمة الحياة إلينا نحن الموتى!

- الغلاف المرافق للنصّ، هو لرواية «بيدرو بارامو» للقاص والروائي والمصور الفوتوغرافي وكاتب السيناريو المكسيكي متطير الشهرة خوان رولفو (1917-1986)، الذي يعد الأب الروحي لتيار الواقعية السحرية. [هامش من الكاتب].

(*) الجزء 12 من متوالية سردية بعنوان: «أرخبيل الفزع»، قيدَ الكتابة.