الإسلام شرعة إبراهيمية. لذا ففهمُ الأدب الإبراهيمي في القرآن وخارجه، أمر مهم لفهم الإسلام وبداياته. وإبراهيم في الإسلام «خليل الرحمن»، أي عملياً «خليل الله»، بمعنى صديقه وصاحبه ورفيقه. واسمه يعكس هذا المعنى. فهو «خل إيل»، أي خليل الله، فالخل هو الخليل أي الصاحب والرفيق. بالتالي، فموقع هذا النبي مركزي في الدين الإسلامي. وأودّ في هذه المادة أن أناقش ما جاء في سورة الأنعام عن الإله ودينه الصحيح القويم: «فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً، قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدِني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة، قال هذا ربي، هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين» (سورة الأنعام: 74- 79).

إذن، فقد كان إبراهيم في لحظة محددة يبحث عن الإله الحقيقي. وقد تهيأت له في لحظات محددة آلهة كثيرة، لكنه سرعان ما اكتشف أنها آلهة وهمية. رأى في البدء «كوكباً» فظنه إلهاً، لكن الكوكب غاب وأفل، فتيقن أن إلهاً يأفل ويغيب ليس إلهاً حقيقياً. ونحن بالطبع لا نعرف أي كوكب هذا الذي رآه إبراهيم. ثم رأى القمر فظنه إلهاً، لكنه أفل هو الآخر. ثم ظن شمس النهار إلهاً لكنها أفلت كذلك. وفي النهاية، وجه وجهه شطر الذي فطر السماوات والأرض. وهذا الإله لا يأفل. وتوحي جملة «وجهت وجهي» بأن هذا الإله موجود في السماء وأنه ربما كان يتمثل بنجمة أو كوكب لا يأفل.

ذبيحة إبراهيم، شيراز (1410-1411ـــ مجموعة غولبنكيان ـ لشبونة).

والفكرة المركزية في الآيات أعلاه هي رفض النجوم الآفلة كآلهة. فكل كوكب أو نجمة تأفل ليست إلهاً حقيقياً. بذا، فالمنطقي الافتراض أن الإله الذي كان يبحث عنه إبراهيم يجب أن يكون إلهاً تمثله نجمة لا تأفل. فإبراهيم لا يحب الآفلين.
والسؤال هو: ما هي النجوم غير الآفلة هذه؟ والجواب: إنها النجوم الثابتة The Fixed Stars، التي لا تختفي ثم تظهر حسب الفصول، بل تظلّ في السماء طوال ليل العام كله. تغير الفصول لا يؤثر فيها.
ونحن نعرف أن مقر هذه النجوم في شمال السماء. وهي نجمة القطب، وبنات نعش، والدب الأكبر، كما نعلم. هناك، بين هذه النجوم التي لا تأفل، تقع نجمة إبراهيم، أي نجمة إلهه.
نعم، في شمال السماء، يفترض أن نجد نجمة إبراهيم، نجمة إلهه، لا في جنوبها. فشمال السماء هو مقر النجوم التي لا تغيب ولا تأفل. أما جنوب السماء، فمقر النجوم التي تظهر وتختفي حسب الفصول: نجمة الشعري اليمانية، ونجمة سهيل اليماني، ونجوم حزام الجوزاء. وقد اهتدى إبراهيم في النهاية إلى نجمه الشمالي، ووجه وجهه إليه، وإلى الإله الذي يمثله هذا النجم.
بناء عليه، فإنه لا يمكن قطع النبي إبراهيم عن المعتقدات السابقة لكي يبدو بعيداً عن نجوم السماء. توحيده ليس قطيعة مع السماء ونجومها كما يفترض كثير من المفسرين. وهكذا يصوره القرآن في الواقع. فالقرآن ليس قطيعة مع ما قبله من المعتقدات والأديان. القرآن قطيعة مع هذه المعتقدات في نقطة مركزية واحدة: الشرك. وما عدا ذلك، فهو لا يأنف من أن يلاقي هذه المعتقدات في لحظات محددة.

قال: إني سقيم
وقد أثارت الآيتان 88 و89 في سورة الصافات جدلاً واضطراباً عند المفسرين. إذ نظر فيهما إبراهيم إلى النجوم ثم قال: إني سقيم: «وإن من شيعته لإبراهيم. إذ جاء ربه بقلب سليم. إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون. أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين. فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم. فتولوا عنه مدبرين» (الصافات: 83-90).
ولم يجرِ التوصل بيقين إلى معنى جملة «إني سقيم» في الآية الثانية. لكن الاتجاه العام أنها تعني: إني مريض، وأن إبراهيم حين قالها لم يكن صادقاً، لأنه لم يكن مريضاً. فقد كان يغرّ قومه المشركين عبدة الأصنام عن مقصده. وهي بناء على هذا التفسير كذبة بيضاء من بين ثلاث كذبات لإبراهيم:
1- قوله لفرعون إن سارة أخته في حين أنها زوجته.
2- وقوله حين سئل عمن حطم الأصنام: لقد حطمها كبيرهم هذا، مشيراً إلى الصنم.
3- ثم قوله: إني سقيم.
لكن علينا أن نلحظ أن إبراهيم نطق بجملته هذه بعدما نظر إلى النجوم. وهو ما يوحي أن للجملة علاقة بالنجوم، وربما على علاقة ما بنجمة محددة في السماء، لعلها تكون نجمة إلهه التي لا تأفل ولا تغيب. ونحن لا نعرف أين تقع هذا النجمة. كما أننا لا نعرف بالضبط لم هي على علاقة بكلمة «سقيم». لكننا نعرف عن صولجان مصري شهير يدعى «صولجان سقم، سخم» Scepter of Sekhem الذي هو رمز للقوة والبأس. كما نعرف أن الكلمة «سقم» يمكن أيضاً أن تشير إلى الآلهة، وحتى إلى النجوم. وهو ما يؤيّد افتراضنا بأن «سقيم» لها علاقة ما بالنجوم. أكثر من ذلك، فإن أوزيريس نفسه يُدعى أحياناً «سيد سقم» Lord of Sekhem. ومن الصعب على المرء أن لا يربط هذا كله بجملة «إني سقيم» التي قالها إبراهيم بعدما وجّه وجهه إلى النجوم.
ولدينا في الجاهلية معبد للعزى في واد كان يدعى باسم «سقام». وقد رثاه أبو خراش الهذلي بعدما دمره المسلمون:
أمسى سقام خلا لا أنيس به
إلا السباع ومرّ الريحِ في الغَرَف
ولعل لاسم هذا المعبد علاقة ما بالجملة القرآنية.

سارة الأخت والزوجة
أما في ما يخص سارة التي قال عنها إنها أخته في حين أنها زوجته، فلا يمكن تجاهل أن أوزيريس المصري كان زوج إيزيس وأخاها في اللحظة عينها. وهذا التقليد الإلهي هو الذي جعل ملوك الفراعنة يتزوجون أخواتهم. فهم أيضاً آلهة وإن كانوا يقيمون على الأرض.
وعند العرب فإن الإلهين- النجمين سهيل اليماني والشعرى اليمانية كانا أيضاً أخوين وزوجين في اللحظة ذاتها: يقول القرطبي «العرب تقول في خرافاتها: إن سهيلاً والشعرى كانا زوجين، فانحدر سهيل فصار يمانياً، فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناها فسميت غميصاء لأنها أخفى من الأخرى» (تفسير القرطبي). أما «لسان العرب» فينقل: «قال ابن دريد: تزعم العرب في أَخبارها أَن الشِّعْرَيَين أُخْتا سُهَيْلٍ وأَنها كانت مجتمعة، فانحدَرَ سُهَيْلٌ فصار يمانيّاً، وتَبِعَتْه الشعرى اليمانية فعَبَرت البحرَ فسُمِّيت عبُوراً، وأَقامت الغُمَيصاءُ مكانَها فبَكَتْ لِفَقْدِهما حتى غَمِصت عينُها، (لسان العرب). وهكذا، فسهيل كان أخاً للشعرى وزوجاً. وهذا التراث الممتد ألوف السنوات يعني أن من المحتمل أن إبراهيم كان في الواقع أخاً وزوجاً لسارة، وأنه معه الزمن، وتغير العادات والمعتقدات، جرى تحويل ما قاله إبراهيم كحقيقة (سارة أختي) إلى كذبة. فأن يكذب النبي أسهل من أن يتزوج أخته. ويمكن لنا مقارنة هاجر وسارة براحيل وليئة زوجتي يعقوب. بذا يكون لدينا جدول الثواليث هذا:



ولاحظ التوافق بين اسم: هاجر ورحيل. فكلاهما مهاجرة راحلة. ولاحظ أن ليئة من الجذر «لأي» الذي يعني: تلبث وتأخر، وهو ما يوافق أن الشعرى الغميصاء تلبثت ولم تلحق سهيلاً كما فعلت أختها الشعرى العبور. فوق ذلك، فعين ليئة كانت ضعيفة كما تقول التوراة. كما أن عين الغميصاء «غمصت» من البكاء. والغمص تعب أو مرض في العين.

* شاعر فلسطيني