في رسالة إلى صديقه ماكس برود، كتب فرانز كافكا سنة 1917 «بدأت أفكّر أن السلّ ليس مرضاً استثنائيّاً، وليس داء يستحقّ اسماً معيّناً، إنه فقط جرثومة للموت نفسه، لكنها مكثّفة». ما إن ينمو المرض، حتى يلوح الموت خلفه كمصير أو ظلّ يتربّص بصاحبه. والداء، ذلك الكائن المتخفّي بعبوره في الهواء من فم إلى فم، ومن جسد إلى جسد عبر سوائله وإفرازاته، يبقى غائباً عن العين. ينتقل ولا يُرى، وقد لا يستقرّ إلا مع بلوغه الموت في النهاية.

«صراع الموت» لإدفارد مونش (زيت على كانفاس ــ 174× 230 سنتم ــ 1915)

الأوبئة بغيابها، وإن ظهرت كدمامل وأورام وأوجاع على جسد المريض، فإن تبقى قادرة على إشعال الخيال والهواجس حول تسمياتها. لا تقف اللغة عند تعريفاته الطبية والعلميّة. هذه تبقى محصورة، غالباً، في أروقة المستشفى وصور الأشعّة وقفّازات الأطباء. كيف يسمّى المرض؟ نقاش دفع منظّمة الصحة العالمية قبل بضعة سنوات إلى استحداث الإرشادات أو الممارسات التي يجب اتّباعها لتسمية وباء ما، منها ما لا يحمل أية إساءة للجماعات العرقية والثقافية والإثنية والاجتماعيّة. غير أن لغة المرض لا تقتصر على السياق الطبّي، بل تتشكّل في خطابات كثيرة تتهافت كالذباب على جسد المريض، كما لو أن عجزه يمنعه أيضاً عن اختلاق سرديّاته الخاصّة.

حروب المرض: الدولة والعسكر
أكثر العبارات رواجاً هي تلك التي تصوّر جسد المريض على أنه مساحة للغزو من قبل البكتيريا والفيروسات. يستحيل معها المرض عدوّاً آخر. عندئذ، ستحمل رحلة العلاج معنى بطوليّاً خصوصاً إذا انتهى بالانتصار في المعركة. اللغة الطبيّة نفسها لا تخلو من عبارات القتال والفتك والمعركة، مع أورام السرطان مثلاً. ظهرت هذه اللغة العسكرية تحديداً، حين انتشر مرض السفلس أو الزهري (ينتقل عبر العلاقة الجنسيّة) خلال الحرب العالميّة الأولى. بيوت الدعارة حينها كانت قبلة للجنود، ما دفع الجيش الألماني مثلاً إلى تولّي تأمين المتع الجنسية لجنوده. لكن مع خطورة الإصابة بالمرض عبر الممارسة الجنسيّة، راحت الدول تصدر ملصقات توعية للجنود. في ملصق إنكليزي يتوجّه جندي إلى الجنود الآخرين «بلدكم بحاجة إليكم». فيما يقول جندي آخر في ملصق أميركي «الرجل الحقيقي هو الذي يقول لا للعاهرات اللواتي ينقلن السفلس». استخدمت هذه الملصقات أسلوب المفاضلة بين الجسد المريض والجسد العسكري. وإذ يلوح الموت كمصير مشترك بينهما، فإن المفاضلة تصير بين ميتتين: ميتة محرجة تدعو إلى الخجل وأخرى إلى الفخر. انتهت الحرب العالميّة، غير أن حروباً كثيرة ظلّت تُقام في الأجساد المصابة.
ساهمت سوزان سونتاغ في التصدّي لاستعارات المرض الأدبية واللغوية في كتابيها «المرض كاستعارة» و«الإيدز واستعاراته». ومن أجل إخماد الخيال لا تأجيجه، سعت الناقدة الأميركية إلى الكتابة عن الأوبئة بلغة حيادية قدر الإمكان. أي تقشير كل التأويلات التي تثقل جسد المريض خلال فترة العلاج. يعيدنا هذا إلى سؤال جوهري، ظلّ حاضراً في معظم مؤلّفاتها: ما الذي تقدّمه لنا تمثيلات العذاب البشري، كمتفرّجين، في الصورة الفوتوغرافية واللغة وغيرها من الوسائط؟ أي تلك المسافة التي تبعد تجليات المعاناة الفنية والأدبيّة عن المعاناة الحقيقيّة. ترجع سونتاغ إلى الاستعارات السياسية للمرض منذ ظهورها في كتابات الطبيب الألماني رودولف فيرتشو، الذي شبّه الجسد بالدولة الليبراليّة لتقديم نظريّته عن الخليّة باعتبارها الوحدة الأساسيّة للحياة في وقت كان تشبيه الجسد بالآلة لا يزال متداولاً. لكن الإغريقيين منحوا وحدة الجسد استعارات موسيقية، عبر استخدام مصطلح الهرمونيا (التناغم والانسجام) لتوصيف طريقة عمل الجسد. تعرّض هذا التشبيه حينها للنقد من قبل الشاعر الروماني لوكريتيوس لأن الخلايا ليست متساوية في الأهميّة، فقد كتب «بصرف النظر عما تعنيه الهرمونيا، أعيدوها مجدّداً إلى الموسيقى». على خطى الإغريق وأفلاطون، شبّه الفارابي المدينة الفاضلة بالجسد التام والصحيح، الذي تتعاون فيه الأعضاء على استمراريّة الحياة. ومثلما هو القلب العضو الرئيس في الجسد، فإن المدينة كذلك، رغم اختلاف قواها وعناصرها، فإن فيها إنساناً واحداً يقودها هو الرئيس.

لغة الأوجاع العادية
لبعض المصطلحات القدرة اللفظية والشكليّة على إثارة المعنى وتكثيفه أكثر من غيرها. من المرض أو الداء، تخرج مئات الصور لأجساد معطوبة وإفرازات ودماء وعجز وأورام ووجوه صفراء. مصطلح المرض نفسه يبدو كجسد هامد ونائم، خصوصاً حرف الضاد الذي يشبه وسادة، وسريراً بامتداده. لطالما ارتبط الجسد باللغة، من الاستعارات الأولى في التراث العربي كتبها الناقد ابن رشيق في «العمدة في محاسن الشعر». إذ استعان بثنائيّة الجسد والروح لوصف العلاقة بين المعنى واللفظ: «إذا سلم المعنى واختلّ بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهُجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور...». وفي حين استخدم الجسد العليل لوصف ركاكة اللغة، بقي التحدي أمام اللغة وقدرتها على وصف الجسد المادي وأوجاعه. سؤال طرحته فيرجينيا وولف في مقالة «حول أن تكون مريضاً» (1926)، كتحدٍّ أمام كتاب الأدب الإنكليزيّ. في العشرينيات وما قبلها، أولى الأدب أهميّة كبيرة للصراعات العقليّة والعاطفيّة والنفسيّة. وولف التي كانت مصابة بأمراض نفسية وجسديّة حينها، توصّلت إلى أن اللغة التي تتسع لصراعات هاملت والملك لير لا تقدر على وصف الإنفلونزا أو أوجاع الظهر العاديّة. تبدو أسئلة وولف راهنة أكثر من أي وقت مضى. إذ أن اللغة نفسها تصطفي بعض الأمراض، وتهمل أخرى. ليس هناك أكثر سهولة اليوم من أن يكتب أحد عن معاناته من اضطرابات نفسيّة وعقليّة، في حين تتراجع اللغة نفسها أمام الأمراض الناتجة عن قلّة النظافة مثلاً كالفطريّات والديدان. كانت وولف تدعو بطريقة ما إلى إنزال اللغة إلى الأوجاع العاديّة، كنوع من المساواة بين الحرارة المرتفعة، ومعاناة الحب والغيرة. اللغة الأدبية تقف في أحيان كثيرة دهِشة وعاجزة أمام وصف الألم البشري، مثل قصيدة الشاعرة إملي ديكنسون: «الوجع ـــ لديه عنصر من الفراغ/ لا يمكن جمعه/.../ ليس لديه مستقبل ـــ لكنه بذاته ـــ يحمل لا نهائيّاته». كأنما ديكنسون استخدمت هذه الكلمات والتوصيفات المشتّتة لا لكتابة الوجع، بل لكتابة عجز اللغة عن بلوغ الألم. ولعلّ التوصيف الأبلغ للأكاديمية إلين سكاري في كتابها «الجسد المريض» قولها «إن الوجع يدمّر اللغة»، ولو أن ذلك لا ينفي الحاجة إلى الخلق الإبداعي ما بعد الوجع. هكذا تعوّل اللغة على غياب الألم من أجل كتابته، أو ربّما تأتي لبعثه مجدّداً عبر استذكاره لغوياً مثلما كتب بسام حجار «لا الألم بل مكانه بعد أن يزول مكانه الذي له يبقى موجعاً لشدّة ما يزول».

عقاب المهمّشين
تشبّه سوزان سونتاغ وسمة المرض بالهويّة الثانية. مثلما يحمل كلّ إنسان هويّة لحظة ولادته، فإنه يبقى معرّضاً في حياته لأن يحمل هويّة أخرى هي هويّة المرض. وباتخاذه هويّة ما، فإن المرض، كغيره من الهويّات القاتلة، يحوي فروقات بين مرض وآخر مثل الهويات السياسية. كل مصاب بفيروس أو عدوى ما يحمل هويّة قاتلة، بدءاً من القبض البوليسي على المرضى وإجبارهم على تلقّي العلاج وعزلهم. من ناحية ثانية تأتي هذه الهوية لتختزل المصابين وحيواتهم. لن نعرف أسماءهم، ولا وجوههم. نخالهم في لحظات الإعلان عن أعدادهم بأنهم يملكون الوجه نفسه. وجه يكون غبشاً، مستنسخاً على مئات وآلاف الأجساد الأخرى. حين يختبئ المريض خلف الرقم. يختصر الرقم حينئذ صورته وصوته وقصصه، وسعاله وخوفه من الموت. وفي العادة، تطلق منظمة الصحة على فيروس ما اسم «الوباء العالمي» بالاستناد إلى أرقام المصابين، لا إلى درجة معاناتهم وأوجاعهم.
وبالعودة إلى الهويّات، فإن السيدا يعدّ أكثر الأمراض التي نالت قسطها من التهميش منذ انتشاره بداية الثمانينيات. رغم تداعي مناعته، فإن جسد المصاب بالإيدز ظلّ قادراً على استنطاق السرديات السياسية والطبية والدينية والثقافيّة. شاع اسم المرض كـ «طاعون المثليين» أو «سرطان المثليين». وهو في الوقت نفسه، كان مرض المهمّشين من المهاجرين التاهيتيين إلى أميركا، والمثليين، ومدمني المخدّرات والبيئات الفقيرة. اجتمعت كل سمات التهميش في المرض، لهذا تسابقت المؤسسات الدينية على وصف السيدا كعقاب للمصابين. القس الأميركي المتطرّف جيري فالويل أرجع الإيدز إلى أنه «عقاب الله وقد أنزل على مجتمع لا يلتزم بتعاليمه». تحمّل السيدا أيضاً خطابات رجال السلطة اليمينيين في بلدان عدّة مثل فرنسا وجنوب أفريقيا حين صار حجّة لإفراغ عنصريّتهم على الأعراق الأخرى، إذ اعتبرت الحكومة البيضاء في جنوب أفريقيا أن هذا الفيروس الذي انتقل من خلال العمال الأفارقة من الدول المجاورة، هو سلاح أشدّ فتكاً من الماركسية. في فترة حكم رونالد ريغان في أميركا، وصلت الخطابات الدينية والمتشدّدة ضدّ مصابي الإيدز إلى الميديا. لكن هذه العنصريّة المتشدّدة، أدّت إلى ولادة ناشطي الإيدز الذين رفعوا شعار «الصمت يساوي الموت»، داعين المصابين إلى إشهار مرضهم بهدف تثقيف الآخرين حوله. الكتابة عن المرض في الكتب والقصص والمقالات واليوميات شكّلت إحدى أبرز هذه الوسائل، التي لم تتمحور حول المعاناة الفردية فحسب، بل جاءت كأحد أساليب النضال ضدّ رهاب المثليّة وسلطة المؤسسات الطبية على أجساد المصابين.