(في مناسبة صدور مجموعتي الشعرية الجديدة «زراوند»، هذه مادة كنت كتبتها في محاولة لتتبّع مساري الشعري من خلال عناوين مجموعاتي الشعرية الأولى الخمس).

لم تكن علاقتي بالشعر سهلة أبداً في بدء حياتي الشعرية.

رسم للشاعر

كان ثمة سؤالان يعذبانني دوماً. الأول: ما الذي سأضيفه إلى ما قيل من شعر في هذه الدنيا؟ وكان هذا السؤال يتحول إلى إحساس قاتل حين أقرأ شعراً جميلاً. أقول في نفسي: كيف لي أن أكتب مثل هذا، وأن أتفوّق عليه فوق ذلك؟ وكان اليأس يسيطر عليّ من ثقل السؤال.
الثاني: كان يتعلق بالجدوى. فهل للشعر من جدوى؟ هل هو قادر على التأثير حقاً؟ وأين هي ثمرته لكي أمسكها بيدي، إن كانت له ثمرة حقاً؟ ولم يكن لدي من دليل كاف على أن للشعر ثمرة، وعلى أن له جدوى. وكنت أقول لنفسي دوماً: أليس من الأفضل لي أن أزرع البندورة (الطماطم) بدل أن أكتب الشعر؟ فبعد أشهر قليلة جداً من وضع شتلة البندورة في التربة، سوف أبصر ثمرتها الحمراء المدهشة، وسوف أكون قادراً على أن أمسكها بيدي، بل وأن أقضمها بأسناني متذوقاً عصيرها المحير. أما الشعر، فليس من المؤكد أن له ثمرة. كنت أريد أن أتأكد من وجود تلك الثمرة.
كنت أريد أن ألمسها بيدي.
كان ذلك زمن الفعل. زمن البحث عن الجدوى. كنا راغبين في تغيير العالم كله. وكنا نظن أن على الشعر أن يكون أداة في هذا التغيير. كنا نتعذب لأن الشعر لا يكشف عن قوته وطاقته. ومن المؤكد أن الشعر كان هو الآخر يتعذب بين أيدينا، فقد كنا نحمّله فوق ما يطيق، كما أرى الآن.
ويمكن تتبّع اضطراب علاقتي بالشعر من خلال عناوين مجموعاتي الشعرية؛ فعنوان مجموعتي الأولى كان: «قصائد أخيرة» (1981). هذا العنوان يعبّر أفضل تعبير عن علاقتي المضطربة بالشعر آنذاك. فقد كان من الطبيعي أن يكون العنوان: «قصائد أولى» لا قصائد أخيرة. ومن الواضح أن العنوان يحمل ما يشبه الإعلان عن احتمال مغادرة الشعر انطلاقاً من سؤال الجدوى. إن كلمتي الأولى قد تكون إذن هي كلمتي الأخيرة ربما، وعليّ أن أقرر بعدها إن كنت سأذهب لزراعة البندورة. صحيح أن العنوان يحمل أيضاً قدراً من مناكفة السائد، حيث يبدأ الشاعر عادة بـ«قصائد أولى»، لكنه يحمل أساساً يأساً من التعرف على جدوى الشعر، الأمر الذي يجعل من الصمت الشعري خطراً جدياً.
في تلك الأيام، أمسك ناقد صحافي بمجموعتي الشعرية، وقرر من خلال العنوان أن مجموعتي هذه هي «بيضة الديك»، أي إنها المجموعة الأولى والأخيرة. الديك، بحسب الأسطورة، لا يبيض إلا بيضة واحدة في الحياة. لقد قرأ هذا الناقد ما على السطح، ولم يقرأ الأعماق التي تموج بدوامات أسئلة المعنى والجدوى. لذا فقد كان حكمه خاطئاً. فقد باض الديك أربع بيضات أخرى ليصبح لديه خمس بيضات، وهو يوشك على أن يضع السادسة.
لكن المجموعة الثانية حملت أملاً ما. فقد كان عنوانها: «أشغال يدوية» (1990).
كنا راغبين في تغيير العالم كله. وكنا نظن أن على الشعر أن يكون أداةً في هذا التغيير


وكما هو واضح، فإن التوتر أخذ يهدأ قليلاً. فالسؤال المطروح في العنوان ليس سؤال الجدوى، بل سؤال الحرفة والصنعة. كأنني وقتها أزحت سؤال الجدوى، ورفعت سؤال المهارة ومتانة الصنعة. وعليه، فالعنوان يشيد بالأصابع التي تصنع وتحوك، ويحاول أن يتناسى جدوى هذه الصنعة. وقد كان هذا حلاً ما. صحيح أنه حل مؤقت يغطي السؤال الأساسي، لكنه حل أتاح أن لا تنفجر علاقتي بالشعر، وأن لا أصل إلى الصمت. إنه مثل أن يتفق الزوجان المختلفان على فترة هدنة يتساكنان فيها لكي يكتشفا طريقة ما للتفاهم.
عنوان المجوعة الثالثة كان: «الجواد يجتاز إسكدار» (1994). والعنوان مثل تركي معروف. يضربونه لما فات من الأمر ولا حيلة فيه، فيقولون: «لقد اجتاز الجواد إسكدار». بذا فالعنوان يحمل في طيّاته إقراراً بأن علاقتي بالشعر قد حسمت تماماً. إنه زواج كاثوليكي إلهي لا يمكن فصمه أبداً. لقد انتهى الاضطراب والتوتر وهدأت العلاقة وحلت الأسئلة الصعبة. للشعر جدوى ما. له ثمرة صغيرة حلوة. لكن لا يمكن تحميله فوق ما يحتمل. إن حمّلناه ذلك فسوف ينكسر ظهره. إنه هش مثل مزهرية رقيقة. وقوته في هشاشته هذه. لذا علينا أن لا نزيد الضغط عليه وإلا تهشّم. إنه قادر على التأثير في بعض الأرواح لا غير. وحتى هذا التأثير فهو تأثير خفي وعميق ولا يمكن التدليل عليه بسهولة. إنه يشبه: «أثر النمل على صم الصفا»، كما يقول الشاعر العربي القديم. إن رحاه تطحن ببطء، لكنها مثل رحى الرب عند ريلكه:
إن رحى الرب تطحن ببطء
لكنها تطحن ناعما ناعما
في هذه المجموعة يمكن لي أن أقول إنني امتلكت حريتي. فقد نشرت فيها قصائد مع مسوداتها، وقصائد مع مختصراتها. كذلك بدا لي أنني امتلكت معها صوتي الخاص، وأنني وصلت إلى ما كنت أريد أن أصل إليه؛ أي البساطة والعمق معاً. ولعل شعوري بهذا الإنجاز كان، ربما، العامل الحاسم الذي حسم علاقتي بالشعر وجعلها علاقة سهلة وهادئة. وهذا يعني، ربما، أن سؤال الجدوى كان في العمق هو ذاته سؤال الصوت الخاص. فمن يملك صوته الخاص تنكشف له في اللحظة ذاتها جدوى الشعر.
في هذه الفترة بالذات، دفع بي الشعر إلى حقول أخرى. لقد وثق مني بعد أن تأكد له أنه سيدي الأول والأخير، فسمح لي بأن أحاول حقولاً أخرى لكي أتعرف على حدودها وحدودي. وأنا أؤمن بأن الإنسان بلا حدود. إنه قادر على أن يكون شاعراً ونحاتاً ورساماً وتاجراً، وكل شيء. إنه فقط بحاجة إلى الجهد والوقت. فإن استطاعهما، استطاع أن يكون ما أراد. وهكذا جرّبت الرسم والنحت وكتابة المسرح والرواية وقصص الأطفال. لكن الشعر ظل السيد الأول.
عنوان مجموعتي الرابعة كان: «ضربة شمس» (2003). وهو يحمل تأكيداً على أن العلاقة مع الشعر قد ضربت جذورها في الأعماق. لقد سرت تحت شمس الشعر الوهاجة فضربتني على رأسي. أنا الآن مريض بالشعر، أسير مترنحاً من ضربته، كما سار الشاعر «مجنون ليلى» في الصحراء من حب ليلى. أنا لا أعي ذاتي إلا بالشعر.
مجموعتي الخامسة صدرت وحملت اسم «أحجار البهت» (2008). وحجر البهت حجر سحري، أبيض شفاف، يأسر من ينظر إليه، وليس له خلاص منه. وهذه حالي مع الشعر. لقد بهتني، وسيطر عليّ، ولم أعد قادراً على الإفلات منه. علاقتي به لن ينهيها سوى الموت.
من نافل القول، بالطبع، أنني لم أكن حين سمّيت مجموعاتي على وعي بأن لأسماء المجموعات شأن ما بطبيعة علاقتي بالشعر. لقد اكتشفت هذا الأمر لاحقاً. لقد كان الربط يتم في لاوعيي وليس في وعيي..
بعد المجموعات الخمس، نشرت ثلاث مجموعات (علندى، كشتبان، زراوند). ولأسماء هذه المجموعات أيضاً قصص، لكن يصعب عليّ أن أعرضها هنا في هذه المساحة الضيّقة.
* شاعر فلسطيني