أقلّ بقليل من نصف قرنٍ بين مجموعته الشعرية الأولى (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا ـــ دار الآداب ١٩٧٤) وبين كتابه الأخير «آخر ما تركته البراري، سيرة صغيرة» الصادر أخيراً عن «دار النهضة العربية»... هل تغيّر الفتى ميم الذي قال في أحد كتبه الأولى (كتاب الطواف): «تستوقفني أحياناً/ وأنا أجلس في بيتي/ أصوات لا أعرفها/ تأتي من زاوية لم تكشف للشمس حواشيها/ أسأل نفسي: هل لحجارة هذا البيت فمٌ/ يختزن الأصوات ويُحييها؟/هل لنوافذ هذا المنزل ذاكرةٌ/ تذكرُ أرواحَ محبِّيها؟ ما هي أحوال الاحتكاك الأول للقلب مع الشعر، في الضباب الجنوبي والأرض المفتوحة على الشعر والدم؟ بعد خمسين عاماً، هل «لا أنت أنت، ولا الطريق طريق» كما يقول أدونيس؟ هل يمكن قول الشعر في زمن الموت والشر والتفاهة؟ «في الشعر العظيم خيط القلق الدائم، ومن سماته أن لا يقول اليقين» يخبرنا محمد علي شمس الدين (1942) و«الشعرية هي مزيج غير منفصل بين الحماس والإحساس، وبين الرؤية والرؤيا، فضلاً عن الإحساس بالموسيقى وغريزة اللغة». أردناها في «كلمات» مقابلة في صميم الشعر والشعرية مع أحد أبرز الأصوات على الخارطة الشعرية العربية اليوم. نسأله، بخاصة حول «إنانا» التي يحاورها في الكتاب الأخير بصرخة مدوّية: «وا حرّ قلباه/ كان ينبغي لي ألّا أفتح هذا الدفتر/ وأن تظلّ «إنانا»/نائمة تحت الطين».


محمد علي شمس الدين: إذا أردت فهم العصور العربية الحديثة، ألجأ إلى أشعار السياب والماغوط وأدونيس وأنسي الحاج

هل الشعر هو نوع من العبث «الطفولي»، مع ملاحظة المزدوجَيْن حول الكلمة؟
- إذا كان بالإمكان اختصار الحياة بكاملها بالعبث، أمكنَ اختصار الشعر بالعبث أيضاً. العبث المطلق، وهو أخطر من عبث الأطفال، لأنه ناتج عن وعي الشاعر بكينونته، بارتطامه بما يحيط به وما يعيشه في الوجود. ومن طرفة إلى المعرّي، إلى كامو وكافكا، إلى جوهر بعض ديوان «اليأس من الوردة» و«كرسي على الزبد». ثمة خيط من اللاشيئية واللاجدوى ينخر في جوف الكائن. وهو ليس نتيجة ارتطامنا الجسدي اليومي بما حولنا وحدَه، بل نتيجة التفكر بالتاريخ أيضاً، إذ يظهر أن الجملة القرآنية التي تتردّد في أكثر من آية حول مآل القرى أو الممالك العامرة، إلى أن تستيقظ وهي «خاوية على عروشها» -بسبب الفساد- هي الجملة السائدة على امتداد الأيام. «العبث الطفولي» خيط أبيض في نسيج الشعر. أما «العبث» المطلق، فهو خيط من نار في هذا النسيج الذي هو (أي الشعر) أوسع وأكثر من خيط واحد.

هل الأدب بالنسبة إلى الروح هو الضمادة أم السكين؟ أم أننا بواسطته نعرض للآخرين جراحنا فحسب؟
- هل الكتابة مرض أم شفاء؟ هذا هو السؤال، والإجابة كلا الأمرين، معاً وفي وقت غير مفصول عن وجهيه. فالكتابة عشقٌ أو هوى، وثمة ستون مفردة لأحوال العشق في العربية، من بينها الحب والتيتّم والهوى والجوى والهيام، وتحمل معاني الانكسار والمرض، ما خلا معنى واحداً للحب قال به ابن عربي، اعتبر أنه دينه وشفاؤه. هكذا الكتابة.

متى استشعرت في نفسك القدرة على اللعب بالكلمات؟ ومتى انتقلت من مرحلة «الاستعداد الشعري» الذي تملكه كل نَفس حسّاسة إلى رؤية ومشروع شِعريّيْن؟
- حصل ذلك باكراً في الصبا، والمحرّضات الأولى على الشعر كانت حسية ومعنوية في وقت واحد. إضافة إلى تحولات القلب وتفتّح الأحاسيس الأولى للحب، كنت شديد التأثّر بالترتيل القرآني، بخاصة أذان الفجر في صمت الليل القروي المطلق في «بيت ياحون»، وكذلك بصوت الريح حين تتسلّل بين الأشجار والقصب، وقرأت باكراً لزوميات المعرّي وأشعار الشريف الرضي وكُتُب أبي حيان التوحيدي. ثم قرأت في خمسينات القرن الماضي كتاب «الغريب» لألبير كامو، فتشكّلَت لديّ من هذه العناصر رغبة في الكتابة، بدأت بتحقيقها في الرابعة عشرة من عمري بكتابة بعض الشذرات والبروق، حول موت صديق، وحبي الأول، والمطر، والله... وكتبتُ بعد ذلك على التوالي مئات القصائد أحرقتها جميعاً حتى لا يكون عندي «حُبّ أبوي» لها، لأنشر أول قصيدة تبنّيتها في مشروعي الشعري عام ١٩٧٢ وهي قصيدة «ارتعاشات اللحظة الأخيرة» نشرتُها في مجلة اتحاد الكتّاب العرب في دمشق «الموقف الأدبي». ثم كان ديواني الأول «قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا» الصادر عن «دار الآداب» نهاية عام ١٩٧٤، بعدما كنت قد نشرت القصيدة التي تَسمّى الديوان باسمها في مجلّة «مواقف» لصاحبها الشاعر أدونيس.

الشعر نوعٌ من الخَلْق. نشوة الخلق أوّل من اختبرها هو الخزّاف في التاريخ حين خلَق أشكالاً من الطين. هل الشاعر خزّاف الكلمات؟
ـــ تغيّرَ معنى الشعر عبر العصور والثقافات. على أنّ ثمة اتفاقاً على اتصاله في طقوسه القديمة بالسحر والدين، وعلى اقترانه بالرقص والغناء. ولا يخفى اعتباره جزءاً من ممتلكات الفلسفة في النظرة اليونانية القديمة له، حيث اعتبره أفلاطون في «الجمهورية» وفي كتاب برمينديس من خلال محاورة بين غلوكن وسقراط، فعاليةً نافلة ومنحطّة، كالقول مثلاً «رأيتُ وما رأيتُ طائراً وليس بطائر يحطّ ولا يحطّ على شجرة وليست بشجرة...إلخ»، أي أن الشاعر يقول الشيء ونقيضه في وقت واحد. كان ذلك في مدينة يحكمها العقل، أي الفيلسوف. النظرة القرآنية إلى الشعر كانت على أنه نوع من الهيام ـــ في كلّ وادٍ ــــ «وأنهم يقولون ما لا يفعلون». بعد ذلك، تطوّرت النظرة إلى الشعر في القرون الوسطى، وتمّ تصويبها على يد الرحّالة البلنسي الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية» حين اعتبر الشعر من خلال اللغة، نوعاً من الخَلق شبيهاً بخَلق الخالق، وليس محاكاة، من خلال الخيال الذي يوجِد به الشاعر ما ليس موجوداً وهذا هو الخَلق. وأظن أن الفلاسفة الألمان مثل نيتشه وهايدغر بشكل خاص تأثّروا بنظرية ابن عربي، حين أسّس نيتشه فلسفته على الشعر، وانقضَّ على المفهوم الأفلاطوني القديم بمعوله وهدمه في كتابه «الأصنام»، مشيراً إلى ضرورة الانتباه للغرائز الأولية للإنسان، وكذلك، حين أسّس هايدغر فلسفته في اللغة على أشعار هولدرلين واعتبر الشاعر خالقاً باللغة لكائناته الشعرية وليس مقلّداً.

لو عاد الزمن بالوراء والتقيت بالمتنبي، ووجبَ أن تتبادلا التحية شعراً، كيف يكون اللقاء؟
- المتنبي ألتقيه بين حين وآخَر، وغالباً ما أعود إلى ديوانه لشعوري بأن شعره لا تستهلكه قراءة أو اثنتان أو أكثر. فهو شاعر خصب ومن شعراء الأسرار الذين أحبّهم. وغالباً ما أذرع الزمن ألف عام إلى الوراء لأسمَعه يتكلّم. سأُسمعه حين ألتقيه قصيدتي «أُناديك يا ملكي وحبيبي» فهي في جزء منها مهداة إليه.

لنتخيل رامبو وقد كتب معظم شعره وهو دون العشرين، في محكمة يَجلِده فيها «بطاركة الشعر المكرّسون»، لمن تنحاز في هذه المحكمة ولماذا؟
- أنحاز إلى رامبو من دون تردّد، سيّما أنني قدمتُ له قصيدتين في ديوان «الشوكة البنفسجية»: أنا آخر، وأحلام ليلة الكوكايين. والسبب أن رامبو هو طفل الشعر النزق الذي لا يكبر، وفي داخلي جزء من هذا النزق.

نعيش في عالم مشبع بالقسوة والوحدة والقتل الذي نشعر أمامه بالعجز. لماذا على «إنانا» النائمة تحت الطين كما تقول على غلاف كتابك الأخير أن تفتح دفاترها؟
- في حيّز أساسي، الشعر هو ما لم يكن. أي أنه أولاً ضد الواقع، ثانياً ضد التاريخ وبالتالي هو يوتوبيا أخرى للمخيلة. معنى ذلك أنك في غمرة الوحل والدم والتمزق والموت، تبتكر بالشعر «جنّة عرْضُها السماوات والأرض»، وهو من نِعم الله على الكائن. حين أيقظتُ في كتابي «آخر ما تركته البراري» إنانا النائمة تحت الطين، أيقظتُ بها كائن الشعر الذي هو كائن العشق الذي لا يموت. «إنانا» في آثار الرافدين وفي الأساطير السومرية والأكادية كانت إلهة الحب والحرب في وقت واحد، وحاولَت إحياء الموتى من خلال بحثها عن عشبة الحياة. من خلال ذلك، حاولت أن أجعل حياتي الشعرية أسطورة، أو شظايا سيرتي تجري في «مكان آخر».

هل يمكن أن توجد سيرة لشاعر خارج قصائده؟ ولماذا أسميت الكتاب «سيرة صغيرة»؟
- هذا هو بالضبط معنى الخَلق الشعري. ثمة سيرة بالتأكيد وُجدَت وعرفتها وعايشتها «خارج النص»، لا يعرفها سوى القلائل، وأستطيع أن أقول إنها «مجهولة». لكن، حين كتبتها، أخرجتها من النصّ إلى حيّز الوجود، وكوّنت عينيها وشَعرها وشفتيها وفتنتها وسيرتها وأسفارها معي، وهي بالتالي خُلقت في النصّ. ومنحتها اسماً أيضاً «إنانا»، وهو وإن كان أسطورياً، إلا أنه جديد يسافر معي في القطار ويجلس في المقهى، ويمشي معي في الصحراء. أما لماذا سميت الكتاب «سيرة صغيرة»، فلأنه شظايا من سيرتي الشخصية، على امتداد مراحل حياتي المتعددة، ابتداءً من الطفولة حيث كنت أظن صورة جدي الشيخ المعلّقة على الحائط أنه «الله»، وصولاً إلى انبعاث الحُب في «إنانا». أقول شظايا من الأيام التي عشتُها، باعتبارها أَجزاء غير مجموعة في رواية أو حكاية اسمها السيرة.
النظرة القرآنية للشعر كانت على أنه نوع من الهيام «وأنهم يقولون ما لا يفعلون»

فهي غير ملمومة بمنطق روائي وحبكة، بل كُسور، لهذا سميتها «صغيرة»، لكنْ فيها من الرواية عنصرا المخيلة والابتكار. يضاف إلى ذلك أنها سيرة داخلية يعيش معي فيها كثيرون ممن عرفتهم من المعري إلى كافكا وريلكه ودرويش ودالي والشيخ أحمد التوني وأصحاب الخطوة وسواهم ممن شكّلوا سيرتي في الآخرين أو الآخرين فيَّ. أما سيرة الشاعر في قصائده، فهي هي، على الحقيقة، وكل ما عدا ذلك نافل ولا يهمّ مهما كان مهماً. أي الأساس هو النصّ بذاته. وهذا يعطي النص شيئاً ما من شروطه الاجتماعية والتاريخية، ويجعله مباشرة أمام تحدي الإبداع الفنّي، في ما يُشبِه المُطلَق، أي يحاور فيه عنصر الديمومة الاستراتيجي للشعر.

غالباً ما ترجع في أعمالك الأخيرة الى التاريخ والفلسفة كي تحدّد علاقات الوصل والقطع بين الشعر وسائر العلوم الإنسانية؟
- أنا في المعرفة مهتم ـــ بالإضافة إلى الفنون ـــ بأمرين هما التاريخ والفلسفة. وإذا اعتبرنا أن الشعر على سبيل التمثيل هو بحر، فإن قاعه هو التاريخ، وموجه هو الفلسفة وفضاءه هو المخيّلة. لكن المعرفة، على اختلاف وجوهها، سواء أكانت تاريخية أم فلسفة دينية أو علمية أو فنية، على ضرورتها الملحّة التي تظهر إشاراتها الفنية في النص، تبقى بمعناها المفهومية خارج القصيدة. ولعلّ هذا ما قصدت إليه حين قلتُ إن الشعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة، لأنه «جوهرٌ آخَر» ـ كيمياء أخرى ـــ تختلف عن جميع طُرق المعرفة. إنه نفسه المرتبط بانعتاق المخيلة وجموح اللغة وغموض المعنى. لكن تطور علوم ما بعد الحداثة، والعثور على مفهوم الكوانتوم والاحتمالات والكاوس (الفوضى) في العلوم، قرّبا هذه العلوم من الشعر، باعتبار احتمالات اللغة واختراعات المخيلة البشرية.

هل أنت حسّاس على جملة: يجب أن نكون حداثيين (أو ما بعد) بالمطلق؟
- بشأن الحداثة المطلقة أو المفتوحة على المستقبل، أضيفُ أمراً جوهرياً هو أن تكون في الوقت عينه ومن نقطة الحاضر الوسطية مفتوحة على الماضي، فيكون لها مروحتان لا مروحة واحدة. الوهم الذي وقع فيه الحداثيون في أوروبا (فرنسا بشكل خاص) وتبنّاه بروتون وإيلوار ويونيسكو وماياكوفسكي (المستقبلي) في روسيا، هو المناداة الحادة بالقطع مع كل ما هو سابق. بعد ذلك، أظهر فلاسفة ما بعد حداثيين مثل فوكو ودريدا أن الماضي لا يمضي، بل هو دائماً قابل للتأويل، بخاصة في الدراسات والحفريات والانتروبولوجية، ودراسة الشعوب والقبائل البدائية. إذن: نعم أنا حداثي وما بعد حداثي بهاتين المروحتين معاً ومن قاعدة الانطلاق من قاعدة واقع أعيشه حتى العظم وأنخرط فيه.

يقول تيد هيوز إن قصيدة واحدة يمكن أن تعكس قرناً كاملاً من الأدب. ما رأيك؟
تماماً، هذا هو سبب شغف هايدغر بهولدرلين، وقوله إنّه لولا هولدرلين، فإنه لم يقل شيئاً فلسفياً. بالطبع، الشعر كعمق استراتيجي للوجود وكبرق كاشف له، يكشف بشذراته والتماعاته ما يعمل عليه الفلاسفة والعلماء سنين طويلة. كأن يقول صلاح عبد الصبور مثلاً: «كيف أُجَنُّ/ كي ألمس نبض الكون المختلّ». أو قول جبران متأثراً بنيتشه: «أنت سابق نفسك». أنا إذا أردت فهم العصور العربية الحديثة، ألجأ إلى أشعار السياب والماغوط وأدونيس وأنسي الحاج، وإذا أردت فهم الغرب بعد الحربين العالميتين، ألجأ إلى شعراء الدادائية والسريالية التي تضيء الأسباب العميقة للتمزق والتحولات في التاريخ، أكثر وأعمق مما تعرضه كتب التاريخ أو الاجتماع أو الإحصائيات.

تتحدث مارغريت دوراس عن مختبر داخلي للكتابة تسميه «الغرفة السوداء». ماذا يشبه مختبرك الداخلي؟
- الغرفة السوداء هي ذاك الصندوق في الطائرة الذي يشرح ما يطرأ عليها من لحظة إقلاعها حتى لحظة تحطّمها. وما يحرّضني على الشعر، ويمكن قراءته في الغرفة السوداء لأية قصيدة من قصائدي، هو حالة من اللايقين تجاه وضعي ووضع ما يحيط بي من كائنات في هذه الحياة، الحب، الموت، وبخاصة ميزان العدل المكسور دائماً الذي نادراً ما أراه استقام أو اعتدَل. ولعل عناوين بعض أعمالي الشعرية هي مفاتيح لأحوالي مثل «منازل النرد»، و«اليأس من الوردة» وأخيراً «كرسي على الزبد» (٢٠١٩). كما أنني شاعر مراحل، انتقلت من الرؤية الحادة للمتناقضات والهجوم باللغة والإيقاع إلى مرحلة أقرب إلى الصمت الصوفي، وصَهر المتناقضات في ما يشبه الحال الملتبس للنص، سمِّه نشوة أو غيبوبة.

أسس هايدغر فلسفته في اللغة على أشعار هولدرلين واعتبر الشاعر خالقاً باللغة لكائناته الشعرية وليس مقلّداً



هل يولد المرءُ شاعراً؟
- يصعب التحديد الدقيق لمكونات الشاعر. هل هناك جينات شعرية وراثية مثلاً؟ هل يولد الشاعر شاعراً بالفطرة أم يصير شاعراً بالاكتساب والتربية؟ والحال أن المسألة معقّدة. فالشاعرية هي حساسية خاصة تجاه الأشياء ورؤية خاصة لها. والحساسية مرتبطة بالتشكيل العصبي لحواس الشاعر، والرؤية تتبع القلب بما هو عقلٌ أيضاً. أي أن الشعرية مزيج غير منفصل بين الحماس والإحساس، وبين الرؤية والرؤيا، فضلاً عن الإحساس بالموسيقى وغريزة اللغة.

يقال إن الشعر هو «غابة من الارتجاجات»، إلى أي ظاهرة طبيعية أو خارقة تنتمي لغة الشعر؟
- الأرجح أنه البحر. ففي العربية يقال بحور الشعر، وثمة ملامح مشتركة بين البحر والشعر. فقاع البحر صخري قاحل وجسده مائج وامتداده رملي وفضاؤه مفتوح. هل هكذا الحقيقة أيضاً؟ أم أنّ البحر كالشعر، جميل ومخيف وغامض. والأقرب بعد ذلك إلى الشعر بعد البحر، الريح. لكن الأشد غرابة وقُرباً إلى الشعر هو الغيب، والله أعلم.

الشعر أسئلة أم أجوبة؟ كلامٌ أم صمت؟
- الشعر العظيم غصص وأسئلة. وأرقى أنواع الشعر التقريري والتعليمي هو الشعر الحكمي، لكن في الشعر العظيم خيط القلق الدائم، ومن سماته أن لا يقول اليقين، لأنه آنئذٍ سيطيل همسه «وإن قلت اليقين أطلتُ همسي» كما يقول أعمى المعرّة. من هنا عظمة الصمت كلغة كما يقول العرفانيون. أضف إلى ذلك الغموض المصاحب لكل شعر حقيقي، لا التعقيد في اللغة، بل غموض الأحوال.

هل الشعر هو سندريلا الأدب في كل العصور؟ وإن كان كذلك فمن فارس هذه السندريلا؟
- حين اقتحمت الرواية ساحة العالم، في القرنين الأخيرين، كان الشعر يرقص على أحصنة عرجاء. وما يجعل الشعر معطوباً أنه الأسرع استجابة لأمراض العصر، والأكثر قابلية للجنون والصراخ، والأكثر فِعلاً في العصب البشري المتوتر. الرواية أكثر اتساعاً وجماعية وعلى مراحل. الرواية ديوان، أما القصيدة فوتَر، آلة وحيدة قادرة على أن تحتدم حتى تتمزق. الشعر برق، الرواية غيوم، لكنّ كثراً من الروائيين الكبار من كافكا وجويس وبروست حتى ماركيز ومحفوظ وعتيق رحيمي وسواهم تسلّقوا الشعرية في رواياتهم والتحموا بها.

هناك لسعة من الحزن في «آخر ما تركته البراري»، خاصة حين نتكلم عن الطفل ايلان الغريق والإمام المغيّب، هل الشعر كنيسة المتعبين؟
- الشعر كنيسة ومقصف. شارع، ومقهى، أنثى، حرب ولا شيء في وقت واحد. الشعر هو الخريطة الداخلية للحياة وهو العالم الافتراضي للعالم الواقعي. في فصل من الكتاب، يجري حوار بين «إنانا» وبيني، أقول فيه إنني قضيت الحرب لا أعمل شيئاً نافعاً. كنت أكتب الشعر وأسأل: أما كان أجدى لو تعلّمتُ صنعة؟ صناعة الحلوى مثلاً. يبدو أن الشعر فيه شيء محيّر، لعلّه أجمل علامة من علامات حيوية الروح، وعطالتها في وقت واحد.

عدت حديثاً من القاهرة بعد المشاركة في «ملتقى القاهرة الدولي الخامس للشعر العربي» وفي معرض الكتاب، حدّثنا عما رأيت من حال الشعر والثقافة من خلال هاتين المناسبتين؟
- كان عنوان ملتقى الشعر هو «الشعر وثقافة العصر» والدورة دورة إراهيم ناجي وبدر شاكر السياب، ساهَمَ فيها نحو مئة شاعر وناقد أو دارس من العالم العربي، ولم ألاحِظ وجود أي اسم أجنبي أو مستشرق، وكان شعار الملتقى أكبر من الندوات، إذ ظهر أن ثمة فجوة بين العصر الراهن وأكثر الندوات. أستثني بعضها المتعلّق بالشعر والثورات والحركات الشعبية، والشعر والنشر الإلكتروني، والشعر والتقنيات الحديثة (القصيدة رقمية)، وهو ما ساهمتُ به رأياً ونقاشاً. أما القراءات الشعرية الغزيرة، فالملاحظة الكبيرة عليها، خلوّ الكثير منها بل جلّها من أثر ما يدور على الساحات العربية في السنوات العشرين الأخيرة من صراعات شرسة من أجل العدالة والحرية. أما معرض الكتاب، فجرى على مساحة شاسعة ومنظّمة من ضواحي القاهرة. ثمة دفق من الناس لا يوصف، واحتفالية ثقافية متنوّعة بالكتاب، لا تخلو من وجه شعبي فولكلوري بهيج. نُظّمت لي في اليوم الثاني للنشاطات أمسية شعرية مُفردة في قاعة الشعر في المعرض قدّمني فيها الدكتور محمد الشحّات، مستعرضاً الإصدارات والسيرة الشعرية والمراحل لتجربتي، ومركّزاً على الأقنعة الشعرية التي استعملتُها وتفسيري لذلك بأن القناع حجاب والحجاب سرٌّ يزيد في قوة المحجوب وجاذبيته. وكان الحضور جيداً في الكَمّ والنوعية، ظهر ذلك من خلال الحوار الذي جرى معي بعد الأمسية.

ما هو آخر ما تركته فيك البراري؟
الخوف.