أن أتذكر؟ أن أنسى؟ لا يهم.

[فلوربيلا إسبانكا]

كانت الغرفة كما تركها آخر مرة بعد اختفائه، لم أرد تغيير مكان قطعة واحدة من أشيائه، أجلس على سريره، أتأمل لوحاته، تلك التي أَتْمَمَهَا والتي لم يُتممها بعد. أحدق في الورقة التي تركها وأعيد قراءتها أكثر من مرة.. في ذلك اليوم الحزين، وجدت الورقة مطوية فوق المنضدة، قرأتها بسرعة، لم أعرف ما الذي عليّ فعله: هل أتصل بالشرطة؟ أم آخذ سيارتي للبحث عنه بنفسي؟ لا بد أنه تائه وخائف في مكان ما... هل خرج بنية العودة لكنه لم يستطع تذكر مكان المنزل؟ أيكون قد تعرض لحادث ما...؟
كانت الأسئلة تدور بسرعة داخل رأسي. بحثت في جميع الأمكنة التي خطرت ببالي. اتصلت بهاتفه النقال الذي كنت قد أصررت على أن يعلقه في رقبته تحسباً للحظات كهذه.

يوهان باريوس ــــ «ذاكرة ضبابية» (زيت على كانفاس ـــ 122 × 172 × 4 سنتم ــــ 2019)

لا أنكر أننا لم نتفق يوماً، كنت دوماً ألومه في داخلي، لأنه تخلى عنا، عن أسرته من أجل الفن، إلا أنني رغم ذلك كنت أفتخر به وأحبه. عندما اتصل بي بعد غياب دام لسنوات معلناً رغبته في التحدث إليّ، انتابني فجأة خوف مبهم، شعرت أن وراء تلك النبرة التي حملها صوته أمراً مريباً. التقيا وتحدثنا مطولاً وكانت المفاجأة:
— أنا مريض بالزهايمر.
— منذ متى؟… متى بدأت تحس بالأعراض؟
— في البداية لم أكن أفهم ما الذي يحصل لي، كنت أنسى موعداً أعددت له منذ مدة. تهرب مني الكلمات حينما أجيب على مكالمة هاتفية. في أحد الأيام لم أستطع العودة إلى المنزل حتى وجدني بالصدفة أحد أصدقائي... عرضت نفسي على عدة أطباء أكدوا في النهاية إصابتي بالمرض في مراحله الأولى.
■ ■ ■

ليس عليّ أن أظل جامداً - قلت لنفسي - عليّ أن أفعل شيئاً. أمسكت بيديه وقلت له: — لن أتخلى عنك أبداً مهما يكن، لا تفقد الأمل، لا تزال الحياة أمامنا.
كانت تلك أول مرة في حياتي أرى عيني والدي تذرفان دموعاً.
عشت معه حالات هذيانه، تيهه في بعض اللحظات، اضطرابه أحياناً أخرى... تتبعثر ذاكرته كشظايا زجاج فوق الأرض، فأدوس على كل شظية وأشعر بالفراغ الذي يترنح فيه والدي.
■ ■ ■

وجدناه بعد أشهر من البحث في مركز لرعاية مرضى ألزهايمر. لقد رحل لأنه لم يقدر على مواجهة وخز ضميره. لمت نفسي كثيراً بعد ذلك وتمنيت لو أنني أخفيت عنه الحقيقة.
قبل أشهر من إقامته لمعرضه قال لي: — أتعرف ما الذي جعلني أعجّل في إقامة معرض للوحاتي؟ لأنني أعرف بأنه لن تتاح لي الفرصة لفعل ذلك في ما بعد. أشعر أنني لن أرسم مجدداً، لقد بدأت أنسى أين وضعت أدوات الرسم، حتى أفكاري لم تعد متّسقة. لم يعد بإمكاني أن أفهم لغة الألوان، تلك اللغة التي أتقنتها طيلة حياتي.
صمت قليلاً قبل أن يضيف: — قد نتعود أننا ننسى يومياً مفاتيح سيارتنا في المنزل، أو كلمة السر الخاصة بالحاسوب أو أين وضعنا نظارتنا الطبية، لكن هل بإمكاننا الاعتراف بأنه سيأتي يوم ننسى فيه من نكون، ومن ثم نتعود ذلك؟
■ ■ ■

التقيت في الصباح بالممرضة في رواق المستشفى وأخبرتني بأن حالته تحسّنت.
دخلت غرفته حاملاً في يدي علبة شوكولاته، وباقة أزهار أرسلها أحد معجبيه، وجريدة كتب فيها مقال عن آخر معرض للوحاته التشكيلية.
أطللت عليه بفرح، علني أنقل إليه شيئاً من الطاقة الإيجابية.
— صباح الخير.
نظرت إلى عينيه اللتين كانتا تنظران إلى اللاشيء. أجابني بهدوء: — صباح الخير.
قلت له وأنا متوجّس من الأثر الذي ستُحدثه كلماتي عليه.
— كيف حالك اليوم؟
— كيف وصلت إلى هنا؟
— ألا تتذكر ما الذي جرى أمس؟
وضع يده فوق الضمادات على رأسه، يبدو أنه تذكر شيئاً ما، لكنه لم يفصح.
— لقد سقطت أمس، متعثراً بأسلاك الكاميرا التي كانت تصور روبورتاجاً عنك. لا عليك. المهم أنك بخير الآن.
لم يكن يعرف أنه ورث الطفرة الجينية من والده، الذي كان في سنواته الأخيرة لا يميزني من بين أحفاده، وينادي على أسماء أشخاص من عائلته ماتوا منذ زمن...
لملمت كلماتي المبعثرة وسمعت نفسي أقول: — لا أعرف إن كان عليّ أن أخبرك. لكنك ستعرف سواء مني أم من الطبيب. أنا أيضاً لدي احتمال خمسين في المائة للإصابة بهذا المرض. ليس أنا فقط بل أطفالي الصغار أيضاً...
أخفى وجهه بين يديه لكي يداري دموعه، وقال: — لقد آذيتكم في الماضي، وها أنا أفعل الشيء نفسه مجدداً. سامحوني.
■ ■ ■

أعيد قراءة الورقة التي مرّت على كتابتها سنوات قضاها والدي في ذلك المركز وهو يرفض رؤيتنا.. لم يقتله المرض، بل قتله الحزن ووخز الضمير. لو فهم فقط كم أن اللحظات التي نعيشها ثمينة جداً.
كنت أقرأ الورقة وأفكر، هل سيأتي يوم أنسى فيه من أكون؟ ردّدت جملة الشاعر فلوربيلا سبانيكا التي لطالما أغرمت بها : أن أتذكر؟ أن أنسى؟ لا يهم.
■ ■ ■

داهمتني في غمرة أفكاري يد ابني التي حطّت فوق كتفي، أخذ الورقة من بين أصابعي ووضعها في مذكرتي.
سمعته يقول وهو يقبل جبهتي: — لا تزال الحياة أمامنا.

* وجدة/ المغرب