«نحن غرقى الماضي أكثر من اعتنائنا باللحظة الراهنة أو تحديات المستقبل». بمثل هذه العبارة، يستكمل ثامر عباس اشتغالاته الأنثروبولوجية على «الهوية الملتبسة»، و«الجغرافيا الشقاقية» في كتابه «اصطناع الماضي: الجماعات المهمّشة بين اختلاق التاريخ وتلفيق الذاكرة» (دار نينوى ـــــ دمشق). يناقش الباحث العراقي الكيفية التي تتعامل بها الجماعات والأقليات المهمّشة مع مواريث الماضي، وأساليب تعاطيها مع الوعي بالتاريخ والاحتفاء بالمتخيّل، باللجوء إلى اصطناع بعض السرديات الأسطورية، واختلاق بعض الروايات التاريخية كنوع من ردّ الفعل ضد محاولات مسخ شخصيتها القومية ونسخ ذاكرتها الثقافية بقصد صهرها ودمجها في كيان الدولة المركزية، وتالياً تجريدها من معظم حقوقها التاريخية والثقافية تحت بند تكريس مبدأ المواطنة.



لا تهدف عملية الهدم هنا، إلى استعراض عيوب التاريخ ومثالب الذاكرة التي تستبطنها عقليات الجماعات الثقافية والأقليات الدينية عن نفسها وعن الآخرين الذين يختلفون عنها، وإنما إلى لفت الانتباه وشحذ الوعي حيال الحقيقة الغائبة أو المغيّبة للإفلات من «خوانق العصبيات القاتلة» والتحرّر من مخاوفها، وهذا الأمر لن يتحقق ما لم يجرِ استحضار الماضي بكل مواريثه ومحاكمة خطابه لتنقيته من الخرافات والأساطير الدخيلة عليه لجعل الجماعات والأقليات المهيمنة من جهة، والمهمّشة من جهة ثانية أقل تعصباً في ذهنياتها، وأكثر تبصّراً حيال وقائع الحاضر وتوقعات المستقبل. كلمة «الماضي» ضمن سياقها الأرشيفي «تضمر وتخفي أكثر مما تُظهر وتفصح، وتكتم وتستر أكثر مما تعلن وتبيح»، نظراً إلى علاقاتها المتشابكة والملتبسة مع الأسطورة، والدين، والمتخيّل، والذاكرة، والتراث، والفولكلور، والتاريخ، والحضارة، والوعي، واللغة، والهوية. هكذا يحضر الزمن الماضي بكل ثقله في ذهنيات وسلوكيات المجتمعات التقليدية العتيقة والراكدة، وبخصائصه الإيكولوجية وتضاريسه الطوبوغرافية التي تبلورت استناداً إلى «حزمة من المواريث الأسطورية والرواسب التاريخية والخلفيات الحضارية». وإذا بنا حيال سبيكة غريبة من النوازع الإنسانية المعقّدة والمتنافرة، في «أرخبيلات مكانية مجزّأة وكانتونات ديموغرافية مغلقة». كما ستؤدي الظاهرة الكولونيالية خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى تحوّل المسألة الطائفية من بعدها العضوي/ السوسيولوجي إلى بعدها السياسي/ الجيوبوليتيكي، كمحصّلة لما أصاب الجغرافيا العربية من «انقسامات مقصودة وانشطارات متعمدة»، أدت إلى تشظي الوعي بالمكان بوصفه جغرافيات جهوية وثقافات فرعية، إذ يختلط التاريخ بالأساطير، ما أدى إلى تعويم ذهنيات ميتافيزيقية وسيكولوجيات انفعالية، وتالياً «انشطار الذات على نفسها». يختزل صاحب «الأنا وجحيم الآخر» التنازع حول الماضي بثنائية «سلطة جائرة/ وجماعات مقهورة». سلطة توتاليتارية تتحكّم وتفتك بكيان المجتمع، بإخضاع إرادته، وإخصاء وعيه، ومسخ ذاكرته، وتدجين شخصيته بالعمل على طمس وتشويه كل ما يتعلّق بماضي أقلياتها الدينية وجماعاتها الاثنية بإعادة صوغه بما يتّسق مع الرواية الرسمية. حيال محاصرة هذه الأقليات والتضييق على موروثها، ستضطر هذه الجماعات للاتكاء على سردية «دولة/ العصبية». السردية التي تنهض على تلفيق ماضٍ يستجيب لمصالحها الفئوية، فالتاريخ، كما يقول المؤرخ الفرنسي جان كلود شميت: «يُكتب لفترة طويلة من الزمن، انطلاقاً من المركز»، ففي الوقت الذي تسعى فيه «دولة/ العصبية» إلى توحيد رؤيتها للماضي ومجانسة خطابها عن التاريخ «تذهب الأقليات المهمّشَة والجماعات المقهورة بالاتجاه المعاكس» عبر تعزيز سرديات مغايرة لسرديات خصمها. ولعل النموذج العراقي، على نحوٍ خاص، صورة دراماتيكية مثلى لعمليات التهميش والإقصاء والتنابذ الطائفي والعشائري والاثني، لجهة الحذف والإضافة في المرويات التاريخية، وفقاً للمصالح الراهنة لهذه الفئة أو تلك. وهكذا، بقدر ما تسعى الجماعة المتسلّطة إلى «تأميم» وعي الجماعات المهمّشة لصالح رؤية أحادية ملفّقة للماضي من جهة، ومحاولة فرضها لذاكرة تاريخية منتقاة، تتوافق مع تصوّرها المؤدلج للمتخيّل الجمعي من جهةٍ أخرى، فيما تتخندق الجماعات المهمّشة والمنبوذة خلف تاريخ شفوي وأسطوري وافتتان بالملاحم التاريخية والمأثورات الفولكلورية لمواجهة التاريخ الرسمي وتقويضه بالتمويه والمخاتلة لتحصين الذات ضد محاولات «اختراق نسيجها وتفكيك وحدتها ومحو شخصيتها». لعبة القط والفأر بين الطرفين لا تتوقّف عند حدّ بغياب المعنى الحقيقي للمواطنة، إذ تشتغل المؤسسة الرسمية على تعزيز دروس التربية الوطنية بتصدير جملة ادّعاءات ومبالغات لا وزن لها على الأرض، لتنميط العقل المدرسي وتأطيره بأوهام وأباطيل عن جنّة موعودة وفرادة تاريخية تطيح ما عداها من جغرافيات مجاورة.
يفرد ثامر عباس مجموعة وقائع تدحض وهم الأفضلية الدينية مسيحياً وإسلامياً، ووهم الفرادة التاريخية، ووهم العراقة الحضارية، وتبديد وهم الأصالة السلالية. ثمّ يلتفت إلى تفكيك وهم الأسبقية اللغوية، وصولاً إلى تحليل مواقف وسلوكيات الجماعات المهمّشة والأقليات المنبوذة، حيال تعاطيها مع أحداث التاريخ في حقبه المتعاقبة كرونولوجياً ووفقاً لما يقوله المؤرخ فرانسوا دوس: «في ظل غياب حاضر مثير للحماسة، وأمام مستقبل مقلق، يبقى الماضي مجالاً لترسيخ هوية خيالية عبر العصور، مع أنها قريبة، ولكننا أضعناها نهائياً». نحن إذاً، إزاء حاضر في حالة «انفلاق» تنطوي على «مجتمعات تتقسَّم وهويات تتشرذم» تحت ضربات التجاذبات الثقافية والتغيرات المكانية والطفرات التكنولوجية، ما أدى وسيؤدي إلى اضطرابات واحتقانات وصراعات سيكون من نتائجها «تعميق الندوب النفسية وتوسيع الشروخ القيمية». وبالتالي، سيؤدي إلى انزياح في الولاء للهوية الوطنية لمصلحة الثقافات الفرعية والهويات الجزئية والانتماءات الهامشية.
النموذج العراقي صورة دراماتيكية مثلى للتنابذ الطائفي والعشائري والاثني

أو كما يقول هومي بابا: «نحن إزاء الأمة المنشطرة داخل ذاتها»، وكذلك انزلاق المستقبل بتأثير «عولمة التاريخ وخصخصة الذاكرة». لكن الريح الأقوى التي ضربت المجتمعات العربية ــــ يشير الباحث ـــ أتت بقوة موجات الحداثة المفرطة، والعولمة المتوحّشة، بزعزعة المقدّس، وتعرية الآلهة، ما تكشّف عن «نهاية الذاكرات الاحتكارية لمصلحة الذاكرات الضبابية»، في جغرافيا مستباحة ومأزومة ومتصدّعة، تغرق في دوامة ما بعد الحداثة الكوكبية بسيل من الأفكار والصور والمعلومات، أفقدتها حميمية المكان من جهةٍ، وازدراء التاريخ من جهةٍ ثانية، بخلق فجوات تعمّق ضروب الكراهية بين الجماعات المختلفة والمجزّأة إلى طوائف وقبائل وعشائر، تنبذ سرديات التاريخ الوطني الشامل، وتلفظ ذاكرتها الجمعية خارجاً، وخصوصاً بوجود فراغات وشقوق تساعد على إفراغ الخزّان من مياهه الأصلية، وتفتت الهوية القديمة وإنعاش الهويات التحتية، وبعث الأصوليات الهامشية. ولكن ما هو مصير الثقافة هنا؟ يوضح ثامر عباس أن الحداثة السائلة/ العولمة العابرة، أفرزت قيماً وسلوكيات هجينة ينتصر فيها الفرد لا الجماعة، وتندحر ثقافة الأنوار بوصفها كوزموبوليتانية إنسانية لمصلحة كوزموبوليتانية فردية. فالثقافة الراهنة تطالب بأن تكتسب القدرة على تغيير هويتك، بسرعة وكفاءة تغيير قميصك أو جوربك.