منذ غلاف الكتاب الذي يزدان بلوحةٍ فنية تظهر سفينةً تغرق، مع عنوان «غرق الحضارات» والإصرار على إخبارنا نحن القراء بأن أمين معلوف هو عضو في «الأكاديمية الفرنسية» (انتخب عضواً فيها عام 2011 وجلس في المقعد الذي كان يشغله كلود ليفي شتراوس) تبدأ تلك الرحلة الخاصة في الكتاب الذي صدر بدايةً عن «دار غراسيه» في باريس عام 2019، قبل أن ينتقل أخيراً إلى لغة الضاد عبر «دار الفارابي» (ترجمة نهلة بيضون).

إنه كتاب سيرةٍ سوداوي ومتناقضٌ في آنٍ. يحاول معلوف استشراف المستقبل من خلال قراءته للماضي الذي شهد معظمه، محاولاً قدر الإمكان أن يكون «عادلاً» بحسب وجهة نظره. «من موطني انتشر الظلام إلى العالم» هي إحدى جمل الكتاب، وربما واحدة من الجمل التي «تعرّف» الكتاب وتقدّمه للقارئ الذي يحاول الغوص في تجربة الكاتب التي يفردها في هذا العمل. هو كاتبٌ مجرّب لا شك، إذ إنه كان في إيران إبان حدوث الثورة الإسلامية، وفيتنام إبان حربها التحريرية ضد الولايات المتحدة، ومصر إبان عصر عبد الناصر، ولبنان إبان الحرب الأهلية. وهو أيضاً مثقف، بأبحاثه التي أسهب في تقديمها للقارئ العربي والغربي على غرار «الحروب الصليبية كما رآها العرب» أو «الهويات القاتلة»، ناهيك برواياته كـ «صخرة طانيوس» (جائزة غونكور 1993).


يضاف إلى ذلك قيمته المقدّرة أوروبياً. لكن مشكلة معلوف الكبرى شأنه شأن أي باحث يبتعد عن مكان المشكلة، ومكانه ــ شخصياً ــ بداخلها، ويقترب من «الأكاديمية» و«التقنية» في التحليل أنه يفقد ذلك الرابط: مثلاً يحمّل نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر المسؤولية الرئيسية في «تشكيل» التصوّر لما نحن عليه «كعرب»، فهو «اكتسب ثقة الشعوب العربية» برفعه شعار الوحدة العربية، وهذا أمرٌ جيد. لكنه - أي عبد الناصر- كان جاهلاً وغير واعٍ لمشاكل الشعوب وتحديات تلك المرحلة سياسياً وعسكرياً. ينطلق معلوف من وجهة نظر أكاديمية - أوروبية - غربية بحت: هو يرى بأن ناصر قد دمّر الاقتصاد المصري، وحارب الأقليات، وهُزم في نكسة الـ 1967 التي اعتبرها نهاية العالم العربي بشكلٍ أو بآخر، وبأنها جرحٌ لم يندمل منذ ذلك الحين. الغريب أنه في اللحظة نفسها، يشير إلى أن «عبد الناصر آخر عمالقة العالم العربي، وآخر فرصةٍ سانحة لنهوضه من كبوته»، ويصفه بالرجل العظيم، وبأن حكمه «عليه متباين جداً ولا يزال»، لكنه «أحد حفّاري قبر المشرق الذي كنت أحب». تلك النظرة التي تسود الكتاب قاطبةً هي واحدة من سماته: إنه يرى عالمنا الذي يريد إصلاحه بعين المستشرق، الذي بات يعيب على أبناء جلدته مشاكلهم بقرف شديد!
ينقسم الكتاب إلى مقدمةٍ وخاتمةٍ، وأربعة فصول ذات عناوين مأساوية: فردوس يحترق، شعوبٌ تائهة، سنة الانقلاب الكبير، عالم متفكّك. وكعادة النصوص الأدبية المنمّقة، يورد أبياتاً شعرية ونصوصاً أدبية «أبوكالبتية/ فنائية» قبل كل فصل في محاولةٍ لخلق البوابة المناسبة للدخول فيه. إنه كالباحث بشكلٍ مطلق عن أمورٍ من شأنها إشعاره بأننا كحضارة فانون، غارقون، ولن يبقى منا «من سيخبر بأننا كنا هنا يوماً ما». ينطلق إلى «الفردوس المحترق»، مشيراً إلى أنَّه لم «أعرف المشرق في أوج عظمته، فقد جئت بعد فوات الأوان، ولم يبقَ من المسرح سوى ديكور متهالك، ولم يبقَ من الوليمة سوى الفتات». ينطلق معلوف ليحكي ما يشبه سيرةً ذاتية عن ولادته لعائلةٍ متوسطة إلى ثرية تعيش في مصر (عند عائلة والدته) لكن لا بدّ له من تزيين تلك الحكايا باغتيالات ودماء وما شابه. هكذا، يحكي أن لحظة ولادته شهدت اغتيال حسن البنا (المؤسّس لجماعة الإخوان المسلمين) ليختم أول قسم من الفصل بالإشارة إلى وفاة جدّه أمين «ولا ريب أنها كانت نعمة له أن يرحل عن هذا العالم قبل أن يشهد انهيار كلّ ما سعى لتحقيقه في حياته». بعد تغيير النظام وثورة الضباط الأحرار في مصر، ينتقل معلوف وعائلته إلى لبنان حيث يعيش تأثير تلك الثورة على العالم العربي. في الفصل الثاني «شعوب تائهة»، يشير إلى أنه كان متعلّقاً بحضارة أجداده، لكنه مضطرٌ في خريف حياته لأن ينعتها بكلمات مثل «شقاء وأسى وضياع وكارثة وتقهقر وغرق وهلاك». لا حلول أمام الكاتب نهائياً. يتحدّث مثلاً كيف أن الباب العالي (يقصد السلطنة العثمانية) كان يعطي الأوامر، واليوم بعد فناء الباب العالي، أصبحت هناك أبواب عالية أخرى تأتي منها الأوامر: موسكو، واشنطن، وباريس وسواها. يحاول معلوف في هذا الفصل دس السم في العسل: يورد حكاية اليهود السيكاريين، مشيراً إلى أن «الجميع يعلم بحادثة ماسادا»؛ والماسادا لمن لايعلم هي «أسطورةٌ» صنعها الصهاينة ليحكوا كيف أن مجموعةً من اليهود رفضت أن تذعن للرومان، فقُتلت كلّها. وكان أكثر من مؤرخٍ إسرائيلي جديد (كإيلان بابيه) كذّبوا هذه القصّة، وأشاروا إلى أنّ لا مصدر حقيقياً لها. ينتقل بعد ذلك للحديث عن الصدمة الأبرز بحسب تعبيره: «النكسة» التعبير الذي استخدمه جمال عبد الناصر نفسه بعد هزيمة عام 67، ويعني «الكبوة» و«الإخفاق المؤقت». هنا يشمّر معلوف عن ساعديه، ويغرس أنيابه ومخالبه ــ الثقافية ــ في الأمة العربية، وعبد الناصر، بكلّ ما أوتي من قوة. «المريض المذكور لم يبرأ، ولم يتمكن العرب قط من الثأر لما أصابهم، كما لم يتمكنوا من تجاوز صدمة الهزيمة»؛ مؤكداً «لم يكن (يقصد عبد الناصر) شخصية أبوية، لكنني شعرت بنفسي حينذاك يتيماً. وأعتقد أن الشعوب تعيش ساعات الضياع واليأس على هذا النحو». ولأن النص أمامنا هو «نص» سيرة، فإنه يفتن بشخصية كمال ناصر (الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، اغتالته قوة من الموساد في بيروت عام 1973 برفقة زميليه كمال عدوان وأبو يوسف النجار).
يعتبر أنّ عبد الناصر «أحد حفاري قبر المشرق الذي كنت أحبّ»

فتنة معلوف بناصر، مرتبطة بأنَّ ناصر كان «غربياً» حسبما يحب معلوف: يتقن الإنكليزية، خريج الجامعة الأميركية، عاش في باريس لردح من الزمن؛ متجاهلاً أن ناصر لم يكن «غربياً» أبداً: كان مقاوماً على طريقته، ترك النيابة في المجلس النيابي الأردني، ومال عائلته، وفضل الحياة مقاوماً وانتهى شهيداً فداءً لأفكاره.
الفصل الثالث وهو «سنة الانقلاب الكبير» يقاربه معلوف من الزاوية نفسها: يبدأ من 1967، عام النكسة، ثم يتبعه بهجومه المباشر على الثورة الإسلامية في إيران التي يصفها بالراديكالية المدمرة: «لا يجب أن يجعلنا نغفل عن الراديكالية المدمرة التي انتشرت في العالم الإسلامي انطلاقاً من النموذج الإيراني، وزعزعت جميع أشكال السلطة القائمة». وينطلق بعدها إلى فصل رابع هو «عالمٌ متفكك» حيث يحكي عن افتتانه بالرؤية الأورويلية، نسبة لجورج أورويل صاحب رواية «1984» الاستشرافية. يرى معلوف العالم متفكّكاً لأنه بلا قائد، بلا دفة يقودها أحد. هو يحاول في لحظةٍ ما أن يجد منفذاً أو منفساً لكل ما يحدث، يحاول أن يضع بعض نقاط مشرقة قد تحدث لو أن البشرية فعلت كذا أو كذا. على الرغم من أنَّ الكتاب هو سيرةٌ ذاتية، لكنها ظلت سيرة ذاتية لمتغرّب، لا يريد أن يرى بلاده إلا بعينيه المتغرّبة: مثلاً تجنّب الحديث عن المقاومات العربية بشكلها الحديث وخصوصاً تجربة «حزب الله»، كما لو أنّها لم تكن. وإذا كان قد أشار إليها في سطرٍ أو سطرين، إلا أنّه تجنب الحديث عن صمودها وانتصاراتها، كما لو أنّها لم تحدث ولم تكن. تجاهلها كليةً لأن وجودها في مكانٍ ما يجعل الصورة «القاتمة» التي يريد إظهارها أقل قتامةً وسوداوية.