وردت جملة العنوان أعلاه في سورة الأعراف: «إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخِيَاط» (الأعراف: 40). ومعنى الجملة العام: الاستحالة. فالذين كذبوا، يستحيل أن يدخلوا الجنة: «يلج الجمل في سم الخياط؛ أي: لا يكون ذلك أبداً» (الثعالبي، ثمار القلوب). وقد ظلت هذه الجملة قادرة على إثارة الجدال حتى الآن.

وقد دار الجدل حول كلمة: الجمل. والرأي الأكثر شيوعاً أنها تعني البعير. أي أن معنى الجملة هو: حتى يدخل البعير في خرم الإبرة. فالسّمّ، بفتح السين أو ضمها، هو الثقب والشق عموماً. وهو ثقب الإبرة وخرمها، أي عينها، هنا. أما الخياط فهو الإبرة ذاتها.
لكنّ هناك رأياً آخر ليس بضعيف أيضاً يرى أن الكلمة يجب أن تقرأ بضم الجيم وتشديد الميم (الجُمّل). والجُمّل هو الحبل الغليظ، أو قلس السفينة الغليظ: «قرأ ابن عباس «الجُمّل»، بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس، وهو حبال مجموعة» (تفسير القرطبي).

من كتاب «صور الكواكب الثمانية والأربعين»(القرن العاشر الميلادي) لعبد الرحمن بن عمر الصوفي

يقوي الرأي الأول ما ورد في إنجيل مرقس. ففي الترجمة العربية القديمة لمرقس: «أن دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول المثري في ملكوت الله» (ابن حزم، الملل والنحل). أما في الترجمة الحديثة: «وأقول لكم أيضاً إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله» (أنجيل مرقس 19: 24). وما دام الإنجيل يتحدث عن جمل- بعير، فإنه يمكن الافتراض أن هذا التشبيه كان منتشراً في الأدب الديني للمنطقة، وأن القرآن استعمله بنفس المعنى الذي استعمله الإنجيل. أي أن الجمل في الآية هو البعير. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة في الحقيقة. ثمة من يرى أن الكلمة اليونانية التي ترجمت في الإنجيل على أنها جمل قد تعني الحبل أيضاً. فالجمل في اليونانية هو camilos والحبل هو camelos أي أن الأمر بين الكلمتين متشابه كما في العربية. أما في الآرامية، وهي أصل الترجمة اليونانية للإنجيل، فنحن نعثر على التشابه ذاته؛ فكلمة «جملا» الآرامية تعني في وقت واحد: الجمل والحبل. ويظن بعضهم أن هذا نابع من أن طرازاً من الحبال الغليظة كان يُفتل من وبر الجمل. بالتالي، فالأمر عسير، وليس من السهل الفصل فيه. وهذا يعني أن الجملة الإنجيلية عن البعير والإبرة قد تكون وهماً، أي قد تكون ترجمة غير صحيحة للأصل الأول.
أما أنا، فأميل إلى أن الآية تقصد الجمل- البعير، وأن الأمر يتعلق بمثل أو تشبيه فيه إشارة دينية ميثولوجية، أو يحيل إليها. لكنني أرى كذلك أنه لا توجد إبر ولا خرومها في الآية. وكنت قد أوضحت في كتبي السابقة أن الكون في معتقد القدماء يترنح بين صيف وشتاء، وأن الصيف يتمثل بجمل، والشتاء بحية، أو حمار. وهما يتعاقبان. أي يأتي رمزياً وقت هيمنة الجمل ثم وقت هيمنة الحية- الحمار. لذا ورد في سفر أشعيا «فرأى ركاباً أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال» (أشعيا 21: 7). وتحل الحية محل الحمار عادة. فهما ميثولوجياً يرمزان إلى الشيء ذاته، على الشتاء القار. وأدناه نحت حثي يوضح هذا. إذ يظهر فيه كائن نصفه حمار ونصفه حية.


وقد نكون بالطبع مع حصان- حية. لكن هذا لن يغير الأمر. فالحمار والحصان مترابطان ميثولوجياً. بذا يمكن قسمة الكون رمزياً بين جمل وحية. فالكون يكون جملاً في صيفه، ثم يصير حية في شتائه، أي يدخل بياته الشتوي كالحية.
عليه، ففرضيتي تقوم على أن التعبير القرآني (حتى يدخل الجمل سم الخياط) تتحدث عن هذا التقليد الديني، تقليد الجمل والحية. بالتالي، يفترض أن في الآية القرآنية جملاً وحية. وهذا يعني أن «الخياط» في الآية هو الحية وليس الإبرة. عليه، فالجملة القرآنية تعني: «حتى يدخل الجمل ثقب الحية»، أي شقها في الأرض وقت بياتها الشتوي، هكذا مباشرة. إذ السمّ هو الثقب والخرق والشق في العربية كما قلنا: «والسَّمُّ: الثَّقْبُ. وسَمُّ كلِّ شيء وسُمُّه: خَرْتُه وثَقْبُه، والجمع سُمُومٌ، ومنه سَمُّ» (لسان العرب). ودخول الجمل في شقّ الحية أمر مستحيل، ليس من حيث حجم الجمل فقط، بل مستحيل دينياً في عرف القدماء أيضاً. فالجمل صيفي، وليس له بيات شتوي يختبئ فيه كالحية.
ويمكن تفسير بيت ذي الرمة بناء على هذا. أي أن البيت يؤيد فرضي:
وبينَهما ملْقى زِمامٍ كأَنّه
مَخِيطُ شجاعٍ آخِرَ الليلِ ثائر
وقد فهمت كلمة «المخيط» فيه على أنها تعني «مزحف» الحية أو أثر مسلكها. ذلك أن الشجاع هو طراز من الحيات. وأنا لا أتفق مع هذا. وأرى أن علينا قراءة الشطر الثاني من البيت على أن «شجاعاً» فيه بدل من «مخيط»، أي هكذا: «مَخِيطُ شجاعٌ»، أو قراءته على الإضافة (مخيطُ شجاعٍ) بمعنى: «حيةُ شجاعٍ»، أي حية من نوع الشجاع. وهذا يعني أن المخيط هو الحية. و«مخيط» من جذر «خيط» الذي يعني الانسياب والسرعة: «خاط إِليهم خَيْطةً واخْتاطَ واخْتَطى، مقلوب: مرّ مَرّاً لا يكاد ينقطع... وخاطَ الحَيّةُ إِذا انساب على الأَرض» (لسان العرب).
يضيف الفيروزآبادي: «والخِياطَةُ، انْسِيابُ الحَيَّةِ على الأرضِ» (القاموس المحيط). يزيد الصاغاني: «خاط فلان إلى فلانٍ: إذا مر عليه مراً سريعاً... وخاطت الحية: إذا انسابتْ على الأرضِ» (العباب الزاخر). بناء عليه، فالزمام- الحبل في البيت ملقى كأنه حية شجاع تنساب وتتحرك في آخر الليل. لقد تهيأ للشاعر أن الحبل حية شجاع. لم يتهيأ له أن الحبل هو أثر زحف حية على الأرض، بل تهيأ له أن الحبل حية تنساب على الأرض. أي أن المخيط في البيت هو الحية. وإذا كان«المخيط» يعني حية، فإن يحق لنا أن نفترض أن «الخياط» في الآية يعني حية أيضاً. وبذا يكون معنى الجملة القرآنية: «حتى يدخل الجمل في شق الحية»، أي في جحرها الصخري. وهذا لا يصير لا واقعياً، ولا دينياً.
الكون يكون جملاً في صيفه، ثم يصير حية في شتائه، أي يدخل بياته الشتوي كالحية


إذن، فالمشكلة كلها كمنت في سوء فهم لكلمة (خياط). لقد فُهمت على أنها تعني إبرة، في حين أنه ليس في الآية القرآنية إبر خياطة أبداً. كما أنه لا توجد إبر خياطة في آية إنجيل متى. هناك جمل وثقب حية. ولا يمكن للجمل أن يدخل شق الحية كي يدخل بياته الشتوي. فليس للجمل بيات شتوي. الحية هي صاحبة البيات الشتوي فقط.
ولأن الفصول تتقلب، أي يحل بعضها محل الآخر، فإن الحية في الماضي البدئي كانت جملاً كما يخبرنا عدي بن زيد: «أَنَّ الحَية كانت في صورة جَمَلٍ فمسخها اللّهُ عقوبة لها، حين طاوعت عَدُوَّه على وليِّه... [يقول] فكانـت الحية الـرقـشاء إذ خـلـقـت/ كمـا تـرى ناقة فـي الخلق أو جـملا» (الجاحظ، الحيوان).
وإلى هذا تشير آية «حتى يدخل الجمل في سم الخياط»، أي حتى يعود الكون إلى هيئته الأولى يوم كان الجمل حية وكان يستطيع أن يدخل في شقّ الحية، وأن يبيت بياته الشتوي مثلها. بالتالي، فلن يدخل الجمل شق الحية إلا في اللحظة التي يعود فيها الكون إلى بدئه بمشيئة الله.
أخيراً، إذا صح هذا التفسير، فلم يكن القرآن ينقل هنا عن الإنجيل، بل كان ينقل عن مصدر يعرف بوضوح أن الخياط هو الحية لا الإبرة.

* شاعر فلسطيني