يقص الروائي المغربي طارق بكاري في روايتهِ «القاتل الأشقر» (دار الآداب) حكاية أمير من أمراء داعش، يعرضُ سيرته منذ النشأة إلى أن صار قاتلاً. بهذا، فإنّ النص حديث مسهب عن الجريمة. تعرض الرواية سيرة رجل متهتّك، ينقل الكاتب باستخدامه صورةً تكيل للواقع. إذ إنّ الحكاية التي جاء بها بكاري هي حكاية شاذة سارت في مساراتٍ شاذة. إلا أنّ الشذوذ الذي يتوخاه الكاتب ليس شذوذاً أخلاقياً، وإنّما هو شذوذ عن المألوف. لقد صنع الكاتب شخصيتهُ في مختبر معدّ لتصنيع القتلة، وبدا منشغلاً بإزالة العقبات التي تقف في وجه القاتل. أمر جعل سردهُ يفتقر افتقاراً شديداً إلى المنطق الحياتي، من دون أن يبني منطقهُ السردي الخاص. فإذا ما احتاج البطل أن يغتصب إحداهن، يرمي إليه الكاتب بسبية. وإذا ما احتاج أن يفرّ، يتيحُ له الكاتب سبيلاً للهرب. وإذا ما احتاج النجاة من الموت غرقاً، يخرجهُ من عرض البحر. وقد صنعت سلسلة المصادفات هذه كائناً خرجَ عن واقعيتهِ، وانتمى إلى ما يشي بالفانتازيا من دون أن يحققها تحقيقاً محكماً.



ضمن هذه الفنتازيا الداعشية الخاصة، يمكن قراءة رواية «القاتل الأشقر»، إذ تنطوي الرواية على بُعد نفسي هدّام، وتعرض الآثار العميقة للأذى النفسي في مجتمعات ذكورية. بقسوتها على المرأة، فإنّها تقسو على الرجل أيضاً. جعل بكاري رجله رجلاً عاشقاً، ما صعّد أزماتهِ النفسية حداً ارتبط معهُ الحب بالهجر، والجنس بالقتل. لا يعاني البطل من تداخل في المفاهيم، وإنّما تأتلف جلّ الموضوعات في توليفة المظلوم الذي يسلكُ سلوك الظالمين. يبرّر جريمته ويدين جرائم الآخرين. إنّ القاتل الأشقر هو ذلك الملاك الأسود الذي يعتقد أن تطهّره بالحديث عن البياض، ما أفقد القارئ القدرة على التعاطف والإقناع... لتخسر الفانتازيا واحدة من مهاراتها بأن تُدخل القارئ في متاهتها، وتُغيِّب عنهُ منطق الممكنات، وتتحول الرواية إلى عرض بلغة متكلفة مثقلة بالتشابيه، لسيرة الملاك المنفصم الذي يريدُ الخير ولا يصدر عنهُ سوى الشر.
يلتقي في كوباني كلّ من وليد معروف، وهو صحافي تكلّفهُ مجلة بريطانية بمهمة إلى سوريا، مع بطل الرواية الذي يلقبه تنظيم الدولة الإسلامية بالقاتل الأشقر. يستخدم الراوي حيلة شهرزاد بتأجيل موتها عن طريق الحكاية. بهذا راح القاتل الأشقر يملي على الصحافي سيرتهُ فيما يصارعان من أجل البقاء. القاتلُ مصاب بقدمهِ، وهما محاصران في منزل أشبه بالقفص المعلق، خلال معارك بين الأكراد والتنظيم. يروي القاتل للصحافي، كيف دفع فقدان والدته عذريتها بسبب امرأة أنقذتها من العاصفة الثلجية، إلى الهرب بـ«عارها» من القرية إلى المدينة، وهناك أصبحَت تعتاش من جسدها. تحولت إلى قاتلة متسلسلة تقتل كلّ عيد ميلاد ضحية في استذكار لطقوس فقدانها عذريتها. تعيش الأم في بيت دعارة، تنجب توأمين يحبّان البنت نفسها، ويختصمان عليها، قبل أن يقتل القاتل شامة، بالطقوس التي تعتمدها والدتهُ، لتبدأ رحلة فرارهِ الأشبه بالأعجوبة، من تونس إلى أوروبا إلى ليبيا ثمّ الصومال واليمن. ينتهي في سوريا عبر العراق. وقد اتّخذ على امتداد هذه البلدان السلوك ذاتهُ، العمل غير المشروع في التهريب أو العيش على حساب الأخريات مقابل منح جسدهِ لهن، والنجاة المتواصلة من الموت، حداً يدفعه في النهاية إلى الانتساب لـ«القاعدة» حيث يُهدى سبية، تحمل بالمصادفة شبهاً من شامة، يحبّها، ويأخذها إلى العراق معهُ، وهنالك سوف تحدث بالمصادفة، معركة بينه وبين أخيها، ليقتل الأخ أخته عن طريق الخطأ برصاصة تصل النافذة! ويكلل المصادفات العجيبة بآخر محظيات القاتل، وهي الفتاة التي أحبّها وليد اللبناني وقبِلَ المهمة إلى سوريا بحثاً عنها، قبل أن يدفعهُ «الأخ الكبير» إلى قتلها، اختباراً لمدى ولائه للتنظيم. أمر سيدركهُ وليد في النهاية، عندما يخسر كلّ شيء.
حكاية أمير من أمراء «داعش» منذ النشأة إلى أن صار قاتلاً


ينقل لنا طارق بكاري ــ عبر تقلبّات بطلهِ ـــ أزمةَ الإنسان الذي ينبتُ في السوء. إذ يبدو ألا مناص من توارث اللعنات، إذ لطالما استمر الإنسان وحيداً في نزاعاتهِ. وبالمثل يعرضُ نشأة «داعش». يعرضُ بعضاً من أدوات ذلك التنظيم في تصدير الرعب. كما يقدّم اقتراحاتٍ للنشأة، إذ لا تسقط روايتهُ وتصير تحرياً صحافياً بارداً، وإنّما بقي الكاتب المغربي موجهاً سردهُ إلى غاية واحدة، هي تحولات الإنسان المسلوب في مجتمعات مسلوبة. يعاني الأشقر من العنصرية في البلدان التي توجه إليها، يعاني في بلدهِ من الانتماء إلى منزل سيئ، وأقدار سيئة يكشفها وليد معروف إثر تكليفهِ بملف عن الدعارة في المغرب. يكتشف أنّ الأم التي خسرت عذريتها هي المحرك الضمني لمصير الأبناء الأسود. بذلك يعود الحدث إلى منبتهِ، إلى تلك الفتاة التي تاهت وهي ترعى الأغنام في العاصفة. ثمّ بغياب المغفرة، توسّعت بقعة الأذى التي شكلتها حصى الشر في البركة الساكنة. توسعت حتى شملت شخوصاً أنبتتها بذرة السوء. ولربما أمكن قراءة العمل برمتهِ، صرخة رافضة كي توقف المجتمعات هدر أبنائها، الذين ما إن يشبّوا حتى يهدروا أوطانهم.